أطراف النهار

مصر.. لمّا كانت «الماهية» 12,5 جنيه ؟

حسن البطل

2014-07-08


تقطّعت السبل بالفلسطيني الغزي طلعت، الطالب الجامعي في مصر، بعد حزيران 1967، ماذا سيفعل خرّيج الحقوق دون العودة إلى غزة .. ووظيفة ما فيها ؟
طلعت، وآلاف الطلاب الجامعيين الغزيين، استفادوا من مكرمة عبد الناصر الذي وظّفهم في حكومته براتب شهري "ماهية" مقدارها 12,5 جنيه مصري، كانت كافية (حدّ الكفاف) في حينها.
الآن، تعادل تلك "الماهية" حوالي 5,5 شيكل إسرائيلي، أي أقل من مواصلات يومية، فالجنيه المصري الأخضر (الذهبي!) صار يعادل أقل من نصف شيكل بقليل، بعدما صار عملة قابلة للتحويل، وفق منطق السوق (العرض والطلب).
هذه ليست مفارقة في التضخم النقدي العالمي، لكن المفارقة الجارحة، في مصر اليوم، أن دعم المحروقات والغاز يكلف ميزانية الدولة 22 مليار دولار، أي ضعفين ونصف تقريباً لما تصرفه الحكومة على التعليم والصحة بقيمة 9,8 مليار دولار سنوياً.
تدفع حكومة مصر منذ 40 عاماً ضريبة تهرّب الحكومات السابقة من خطوة رفع الدعم عن المحروقات والغاز. الآن تريد حكومة السيسي تدريجياً، أن تتساوق أسعارها مع الأسعار العالمية.
هل يدخن المشير ـ الرئيس عبد الفتاح السيسي؟ لأن المسألة تبدو مثل إشعال عود ثقاب في محطة محروقات؟ يقول رئيس حكومته إبراهيم محلب: "هذه حكومة حرب" والرئيس القادم من قيادة الجيش تنازل عن نصف راتبه ونصف أملاكه، بينما قدّم الجيش، وهو امبراطورية صناعية ـ زراعية، أكثر من مليار جنيه دعماً للميزانية.
هذه مفارقة أخرى، حيث يقوم الجيش الإسرائيلي بـ "حلب" ميزانية الدولة مع الاستيطان، لكن إسرائيل دولة قادرة اقتصادياً أكثر من مصر، واستقرت عملتها بعد تحريرها منتصف التسعينيات.
هذه "قرارات يوليو" 2014 غير شكل عن "قرارات يوليو" 1959 و1960 الاشتراكية الناصرية، التي قدمت دعماً للسلع الأساسية|.
هل ستؤدي قرارات من نظر إليه المصريون كأنه "ناصر جديد" إلى احتجاج شعبي ثم فوضى، كما حصل في قرارات الرئيس أنور السادات العام 1971 برفع الدعم قليلاً عن سلعة الخبز وما تبعها من تمرد شعبي وفوضى وصفها بأنها "انتفاضة حرامية"!
من أيام سياسة الانفتاح الساداتية، ودولة "العلم والإيمان" تجنّب نظام مبارك الاقتراب من دفع بعض الدعم الحكومي عن السلع، فصارت أسعار الطاقة في بلاده من أدنى الأسعار في العالم.
حكومة ابراهيم محلب، أول حكومات الرئيس السيسي، تجنبت المحظور الأكبر، أي الاقتراب من رفع الدعم عن سلعة "العيش ـ الخبز" لأن أكثر من ربع المصريين في حالة فقر، ومهّدت الحكومة لرفع الدعم عن المحروقات والغاز بخفض أسعار السلع الغذائية، عن طريق إعادة تعزيز الجمعيات التعاونية كما في العهد الناصري (فراخ الجمعية؟).
حتى مع رفع أسعار المحروقات والغاز بنسبة تتراوح بين 40 ـ 175% تبقى الأسعار رخيصة مقارنة بأسعار المحروقات والكهرباء في إسرائيل (وفلسطين طبعاً) لكن مع فارق فاحش في المداخيل الفردية.
في أيام ناصر الأولى كان هناك 22 مليون مواطن مصري، وفي أيامه الأخيرة كان هناك 30 مليون مواطن.. لكن سكان مصر الآن، 86 مليونا، منهم 34 مليونا على "خط الفقر" حسب الإحصاءات الرسمية أي أكثر عدداً مما كان في الحقبة الناصرية.
بعد أن كاشف الرئيس السيسي شعبه بما يشبه "غلاسنوست" بأوضاع بلاده الاقتصادية المتدهورة، والتي زادها انحداراً ثلاث سنوات من الفوضى، قال بعد رئاسته إنه سيتبع برنامجاً متعدد السنوات لإعادة هيكلة ميزانية الدولة "بيرسترويكا" ثم اقتصادها.. والمجتمع أيضاً.
.. والديمقراطية؟ كان صريحاً في قوله إن حياة ديمقراطية حقيقية في مصر قد لا تتحقق إلاّ بعد عقدين من السنوات، وكل محاولة لإثارة الفوضى في الشارع سوف تواجه بالقوة؛ وكل عمليات إرهاب سوف تواجه بالقوة الشديدة، أيضاً.
قدم وزير الصناعة السابق، حاتم صالح، المقاربة التالية: هناك 100 مصنع كبير يستهلك 70 من الطاقة (الغاز) وهناك 100 ألف مصنع صغير يستهلك 20% من الطاقة.
إن دولة صارت تخصص 30% من ميزانيتها لدعم أسعار الوقود والغذاء لا تستطيع الاستمرار في تحمّل فروقات الأسعار، ومن غير المعقول أن يصبح دعم المحروقات أكثر بمرتين ونصف من ميزانية التعليم والصحة.
لكل زمن دولة ورجال.. ووداعاً للحنين المصري والعربي إلى "نيو ناصرية".
لن تعود مصر لقيادة العالم العربي بينما يحتاج اقتصادها إلى عمليات جراحية.

القلب أصدق ؟
تعقيباً على عمود الأمس، الاثنين: ".. والثالثة؟ موضعية ومتنقلة!"
Majdi El-Omarim: القلب أصدق يا أستاذ حسن، وهي لحظة صدق لا تستحق مناورات الرأس وحكمته.
Abdalrahim Zayde: برجع بقلك : الناس تكره الفساد والمحسوبية واصطفاف القوى... والقيادة ليست مؤتمنة بكل أحزابها، والناس ليسوا بهائم، ويفهمون ويرون ويعون ما حولهم. شرحتَ كل كلامك العلمي في المقال.. وهذا صحيح وعلمي.. ولكن على قرن ثور. تحدثت وكأن الناس ما زالت تثق بمراكز قوى القيادات..!؟
حسن البطل

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: