آراء

الاختزال والتنميط تمهيداً للإبادة والإقصاء

خالد الحروب

2014-07-07



يتخذ اختزال الآخر وتنميطه في صور إجمالية، وفي أغلب الحالات، سمة تهكمية وربما تحقيرية.
ولئن كانت آليات الاختزال والتنميط وما تنطوي عليه من تحقير مولدة لمشاعر سلبية وتوترات واحتقانات في سياقات العيش العادي للمجتمعات، فإنها تتحول إلى سمة تدميرية مهولة في السياقات الصراعية.
ينتقل «التنميط» هنا من لعب دوره الساخر والمهين لـ «الآخر» إلى لعب دور مركزي في الصراع مع هذا «الآخر» وفي تهيئة أرضية الاحتراب معه، وتوفير المبررات التفوقية عليه، وتخفيض مستوى إنسانيته تحضيرا لتهميشه وقمعه وربما إبادته.
المثال الأبرز والأكثر فداحة في التاريخ الحديث يتجسد في التنميط الأوروبي ثم النازي لليهود.
فهذا التنميط لم يستثمر وحسب مناخات العداء للسامية في ألمانيا وأوروبا التي ظلت تنظر لليهود باعتبارهم مجموعة دينية - إثنية محتقرة، لكنه انحط بذلك التنميط إلى درجة نزع الإنسانية عن اليهود بالمطلق واعتبارهم  إن كأفراد أم مجموعة أقل مرتبة من مرتبة البشر الآخرين.
الحقبة النازية عمقت «التنميط» الأوروبي لليهود في المخيال الجمعي الألماني وانتقلت به إلى مرحلة متقدمة وهي تجذير اللامبالاة الجماعية بالمصير الكارثي الذي كان ينتظر اليهود في الهولوكوست.
ذلك أنه عندما أطلق النازيون برنامج الإبادة والمحرقة ضد اليهود كانوا يقومون بذلك ضد مجموعة ليست محتقرة وفقط، بحسب النظرة شبه العامة عن اليهود في الوسط الألماني، بل ضد مجموعة لا تنتمي للجنس البشري المُكتمل، وهو ما جذره الاختزال والتنميط المتواصل والمكثف.
وهنا بالضبط تكمن النتيجة الكارثية والمدمرة لآليات التنميط في السياقات الصراعية حيث تتم «شيطنة» و»حيونة» «الآخر» ونزع سمة الانتماء الإنساني عنه بما يسهل من عملية قمعه وإبادته وتحييد الجمهور العريض الذي يعترض على عملية القمع والإبادة ذاتها لو تمت بحق مجموعة لم تتعرض لتنميط مماثل.
ويقدم لنا تتبع أثر آليات الاختزال والتنميط و»الشيطنة» في الصراع الدولي على فلسطين وضد الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين حالة «نموذجية» في كارثيتها وفي تحويرها للحقائق والوقائع. 
يعود تاريخ التنميط السلبي للفلسطينيين إلى حقبة ما قبل قيام إسرائيل، وقد أسس جزء كبير منه في العصر الحديث انطلاقا من كتابات الرحالة الغربيين، وخاصة الأميركيين، إلى الأراضي المقدسة ووصفهم لأهلها والسكان فيها بكونهم، بحسب الرحالة العنصري مارك توين، «قذرون بالطبيعة، أو بالفطرة، أو بالتعلم»!
ولم يستحق أولئك السكان في حقب لاحقة، تحت حكم الاستعمار البريطاني، أن يعاملوا بالطريقة نفسها «المدنية» التي عُومل بها اليهود «المتحضرون» المهاجرون القادمون من أوروبا «المتحضرة».
فمثلا، لم تحتو مناهج التعليم البريطانية في المدارس الفلسطينية آنذاك والمُسيرة من قبل الإدارة البريطانية على مساق تعليم الموسيقى وهو المساق الذي تضمنه المنهج نفسه المُطبق في المستعمرات اليهودية.
ليس هناك من تفسير لهذا سوى اعتقاد المسؤولين البريطانيين ان الفلسطينيين أدنى مستوى من اليهود، وانهم غير جديرين بتعلم الموسيقى التي ترتبط ذهنيا وتصوريا بالرقي والمدنية.
ورث المشروع الصهيوني وخطاباته العنصرية والاحتقارية ضد عرب فلسطين التنميط الذي كان قد أسسه ورسخه البريطانيون، وأضاف عليه أبعادا جديدة.
فاليهود الهاربون من عنصرية أوروبا والمعبؤون بمشاعر الاضطهاد الجمعي والضحية وجدوا في الفلسطينيين عدوا سهلا، أقرب إلى الفريسة، لتفريغ نزعات الانتقام فيه، ولإثبات الذات والثورة على سمة الضعف والاستضعاف التاريخي التي لاحقت اليهود في التاريخ والعالم بحسب السردية المركزية للخطاب الصهيوني.
بعد جريمة الهولوكوست ثم قيام إسرائيل أصبح الفلسطينيون هم المحطة الأولى والأقرب لتطبيق شعار «لن يحدث مرة ثانية»، في إشارة مباشرة إلى الهولوكوست، لكن في تضمين مرمز وعميق يحيل إلى التصميم المطلق والمطبق على الانتفاض على حقبة الاستضعاف.
وضمن سياق هذا الشعور الانتفاضي والذي تهيأت له ظافرية نادرة بسبب قيام الدولة فإن مقاومة الفلسطينيين لمشروع اغتصاب أرضهم وتهجيرهم منها مُوضعت على الفور كأول اختبار لزمن جديد، زمن القطع مع حقب الاستضعاف.
واحتل الفلسطينيون فجأة وعلى غير رغبة منهم موقع الطرف الذي يريد اليهود الذين تجمعوا وصارت لهم دولة أن يفرغوا ثأرهم التاريخي فيه، انتقاما من الماضي، وإثباتا لذات جديدة.
ومن دون أي يكون لهم أي ذنب في تطور التاريخ المأساوي لليهود وجد الفلسطينيون أنفسهم يدفعون فاتورة كل الاضطهادات التي تعرض لها اليهود في تواريخهم، وخاصة في أوروبا.
وهكذا أضيف تنميط تدميري جديد للفلسطينيين بكونهم خلاصة تجمع العداوات التاريخية لليهود بدليل أنهم لا يقبلون باليهود ولا بدولتهم ويطلقون مقاومة ضدهم.
وهذا بالطبع يخرج الفلسطينيين من مربع النضال القومي والوطني ضد محتل أجنبي، إلى مربع العداوة المتأصلة واللاسامية لليهود.
وقد تمت مأسسة أخرى لهذا التنميط وربطه بالعدو الأكثر إرهابا في التاريخ اليهودي الحديث وهو النازية، وأصبحت الزيارة الساذجة للحاج أمين الحسيني إلى ألمانيا ولقائه بهتلر إبان الحرب العالمية الثانية، نكاية في بريطانيا وأملا بدعم ألمانيا، العمود الفقري للتاريخ الفلسطيني والدليل الدامغ ليس فقط على «لا سامية» الفلسطينيين والعرب بل وعلى امتداد مشروع إبادة اليهود من ألمانيا إلى فلسطين وتكامل الإثنين.
والمثير حقا أن الدعاية الصهيونية لم تضخم فحسب تلك الزيارة إلى مستوى تكريس «علاقة استراتيجية» بين الوطنية الفلسطينية والنازية بل «اكتشفت» أن فكرة إبادة اليهود إنما هي أصلا فلسطينية، وقد تمكن أمين الحسيني من إقناع هتلر بتنفيذها! فمثلا يقول أحد مواقع الدعاية الصهيونية باللغة العربية (وهو يذكر بآلة الدعاية النازية التي قادها غوبلز رفيق هتلر اللصيق) ما يلي: «… دغدغت برلين آنذاك حلم الحسيني في القضاء على اليهود، فالتقى زعيمها النازي اودلف هتلر في تشرين الثاني، نوفمبر، من العام ١٩٤١، مطالبا إياه بإبادة جميع اليهود في أرض إسرائيل والشرق الأوسط، ناجحا في انتزاع التزام من المجرم هتلر يتلخص: «هدف المانيا إبادة العرق اليهودي المقيم في المناطق العربية برعاية بريطانية»».
والغرابة هنا تكمن في مدى وقاحة هذه الدعاية التي تضرب بعرض الحائط كل ما له علاقة بالتاريخ ورغبة هتلر وتشجيعه اليهود على الهجرة إلى فلسطين والتخلص منهم.
بيد أن هذه الدعاية الرخيصة كانت وما زالت فعالة حقا ليس فقط إزاء قضية الحسيني وعلاقته بالنازية بل في تخليق أنماط وصور اختزالية للفلسطينيين تسهل على الرأي العام العالمي قبول ممارسات إسرائيل. ويمكن هنا رؤية الاستراتيجية الصهيونية والإسرائيلية ومنذ اليوم الأول لقيام إسرائيل تنطلق على مسارين: الأول الانخراط في معركة مستميتة على أرض الواقع لتغيير جغرافيا فلسطين، احتلاليا وعسكريا، من خلال خلق وقائع استراتيجية وسياسية على الأرض، والثاني الانخراط في معركة مستميتة على مستوى الرطانة والخطاب تقوم على تنميط الفلسطينيين والعرب وتصويرهم بأنهم «النازيون الجدد» الذين يريدون إبادة إسرائيل وبالتالي لا ضير من قمعهم وإبادتهم «وقائيا»، وقد تم تفصيل ذلك في مقالة سابقة هنا عن اتهام الفلسطينيين والحاج أمين الحسيني بأنهم كانوا وراء إقناع هتلر بفكرة إبادة اليهود!

* جزء من مداخلة في مؤتمر

Nations and Stereotypes: New Borders، New Horizons
في كراكوف، بولندا (٤ - ٦ حزيران، ٢٠١٤) في سياق النقاش على مرور خمسة وعشرين عاما على انهيار الستار الحديدي.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: