إســرائـــيــل تــواجـــه ثــلاث جـــبـــهـــات "مـشــــتــعــلــة"

2014-07-07


بقلم: بن كاسبيت

غداً ستفتتح صحيفة «هآرتس» في تل أبيب «مؤتمر السلام». نأمل حتى ذلك الوقت أن يحفظ، على الأقل في تل أبيب، نوع من الهدوء. هناك حاجة للكثير من الشجاعة للحديث عن السلام في هذه الأزمنة، وهناك حاجة لأن توجد «هآرتس» من أجل تنظيم مؤتمر سلام في ظل هذا الجنون.
نظرة عابرة الى قائمة الخطباء والمشاركين في الحدث تعيدني الى واقع مقلق. فالأيام الأخيرة تذكر جدا بأحداث تشرين الأول 2000، الاضطرابات التي قام بها «عرب إسرائيل»، والتي حج بعدها ارئيل شارون الى الحرم واندلعت الانتفاضة الثانية. وها هو، وكأن به يعود الى حياتنا عبر مؤتمر سلام «هآرتس» النجم الرئيس لتلك الأيام قبل 14 سنة، من كان رئيس الوزراء ووزير الدفاع ايهود باراك، يعود إلى مكان الجريمة.
المتحدث المركزي في مؤتمر السلام سيكون شمعون بيريس. وقد خصصت له 30 دقيقة. لم يحصل أحد على مثل هذه المدة الزمنية الكبيرة. الثاني في الدور، فوق كل الآخرين، هو ايهود باراك، الذي ستجرى معه مقابلة على مدى 20 دقيقة. باراك، الرجل الذي اختار عبارة «لا شريك». باراك، الرجل الذي أعلن بأنه سيصل الى «اتفاقي سلام ونصف في غضون سنة وربع»، والذي تلقى دولة هادئة، وأعاد دولة مشتعلة ونازفة.
باراك، الذي في سنوات ولايته الأخيرة الأربع كوزير دفاع لدى نتنياهو، لم يقم بأي عمل واحد يمكن أن يعتبر مشجعاً للسلام. يخيل لي أنه في كل هذه السنوات لم يلتقِ أيضا أبو مازن، وإذا ما التقاه فلقاءات عابثة.

ثلاث جبهات
إذاً، هيا نلخص: السلام لن يكون في جيلنا، على ما يبدو. فماذا سيكون؟ ثلاث جبهات تهددنا في هذه اللحظة، مع إمكانية الزيادة. جبهة غزة، جبهة شرقي القدس، جبهة «عرب إسرائيل» (وادي عارة، كالمعتاد، مع فروع في قلنسوة وفي أماكن أخرى). وعلى الخطوط يسخن الشباب في هضبة الجولان والرفيق نصر الله. حتى لحظة كتابة هذه السطور تحاول إسرائيل السير بين القطرات، أو الأدق – بين الصواريخ، دون أن تبتل. لكن رب البيت لم يجن جنونه. فهو خائف، وهو مدمن على الهدوء، وهو لا يريد أن يجلب «صافرة إنذار» الى تل أبيب. فهذا لا يروق له الآن.
«حماس»، في غزة، تفعل بالضبط عكس ما قدرت الاستخبارات، الجيش الإسرائيلي، والساحة السياسية. «حماس» تتصرف كالحيوان الجريح الواقع في الفخ. كونها وصلت الى القاع فليس لها ما تخسره. الخلل الذي وقع لنا مع «حماس» هو أنها قُمعت حتى التراب في الأشهر الأخيرة، فقدت عالمها، أغلقوا عليها كل الاتجاهات، وهي الآن تعاني إفلاساً، وعشرات الآلاف من رجالها في غزة لا يتلقون الرواتب. هذا هو السبب الذي يجعل «حماس» تهزأ من التقديرات في أنها غير معنية بالتصعيد وتتطلع الى التهدئة، وتواصل إطلاق النار.
«حماس» تشخص الضعف الإسرائيلي في مجال اتخاذ القرارات، وتستغله. هذه ميزة الضعيف، الجريح، ذاك الذي ليس له ما يخسره، على أولئك (نحن) الذين لهم الكثير جدا مما يخسروه، بالضبط عندما تبدأ العطلة الكبرى، موسم الإجازات واللحظات الحاسمة في المونديال. «حماس» تراهن الآن على كل الصندوق، على أمل أن تخرج من هذه القضية على الأقل بكسر الحصار الاقتصادي. وأمس أطلقت صواريخ على بئر السبع، فيما الإشارة واضحة: بعد بئر السبع يأتي دور ريشون لتسيون، وبعدها تل أبيب.

الأقلية تتطلع إلى الفوضى
«عرب إسرائيل»؟ الأغلبية لا تريد المواجهة وغير معنية بالانتفاضة. ولكن توجد أيضا أقلية. وعلى طريقة الأقليات، فإنها تتطلع الى الفوضى. أقلية تسمع حنين الزعبي ورفاقها، أقلية تستمتع بسمنة الديمقراطية الإسرائيلية ولكنها تمقتها وتمقت رموزها وما تمثله. أقلية لم يجبِ منها أحد ثمنا بعد اضطرابات تشرين الأول 2000، وهي الآن ترفع رأسها «البشع» من جديد.
إرث ايهود باراك ذاته، نبي السلام، كان لجنة التحقيق في فحص الاضطرابات ذاتها. لجنة التحقيق ذاتها ولدت في الخطيئة، وألحقت ضررا استراتيجيا. ففي الاضطرابات قتل 13 مواطنا عربياً إسرائيلياً، وباراك، الذي كان قبيل عشية انتخابات، أراد أن يصالح كيفما اتفق جمهور الناخبين، الذي يفترض أن يصوت له (ولكنه لم يصوت) في العام 2011. وهكذا شكل لجنة تحقيق، وبعدها الطوفان.
كان ينبغي تشكيل لجنة تحقيق معاكسة. كان ينبغي أن يلقى في حينه الى السجن العشرات بل المئات من المشاغبين، الذين هدموا، حطموا، سلبوا ونهبوا كل ما وقعت عليه ايدهم، اغلقوا وأشعلوا أحد شرايين الحركة الأهم في الدولة، ممن دعوا الى «ذبح اليهود» داخل الدولة اليهودية، وفي نهاية الأمر ليس فقط لم يدفعوا ثمناً بل حصلوا على لجنة تحقيق رسمية بررت أفعالهم. 13 قتيلا؟ لو كانت هذه الاضطرابات اندلعت في الولايات المتحدة لانتهى الأمر بعدد اكبر بكثير من القتلى، ناهيك عن روسيا. وبالمناسبة، فقد اندلعت في سورية وانظروا ما يحصل هناك.
بقينا مع انتفاضة
في النهاية، عندما تبدد الغبار، لم يعد احد حقا يبحث عن المسؤولين عن اندلاع الاضطرابات. ايهود باراك قدم في حينه حسابا بمبلغ مئات آلاف الشواكل، أجّر محاميه، واختفى الى «أعماله الخاصة». ونحن بقينا مع الانتفاضة. والآن كلاهما يحاولان العودة. هو والانتفاضة. وهما يأتيان دوما بالشكل ذاته: الدم، العرق، النار والدخان، لجان التحقيق والتحقيقات.
إسرائيل ملزمة بسياسة. خطة سلام حقيقية. لا شريك؟ لا حاجة لشريك. ولكن خطة حقيقية، ذات مصداقية، شجاعة، يجب أن تكون موضوعة على الطاولة. رسمية. خطة يقف رئيس الوزراء خلفها، دون أن يخاف المستوطنين الذين أقاموا هنا دولة مستقلة خاصة بها، دون أن يتلعثم ودون أن يعتذر. وبصدور مثل هذه الخطة، يدعمها ويسندها العالم، يمكن لإسرائيل أن تفعل الأمور التي هي ملزمة بأن تفعلها، ولم تفعلها: تنظيف «الإرهاب» في غزة. تفكيك القدرة الصاروخية الموجودة  لدى «حماس»، التي تغطي تل أبيب وهرتسيليا منذ الآن. هذا يخيم حتى على إغلاق البقالات في السبت. صدقوني.
شيء واحد آخر ينبغي لإسرائيل أن تفعله: أن توضح لـ»عرب إسرائيل» بأن الحفلة انتهت. إما انهم مواطنو هذه الدولة، يحترمون القانون والنظام، يحترمون الديمقراطية ويقبلون إمرتها، أو أنهم في الخارج. أغلبيتهم الساحقة معنا. فهم ليسوا أغبياء. الأقلية تنظر الى سورية، الى مصر، الى لبنان، الى العراق، وعلى ما يبدو تحسد ما تراه هناك. إذاً، فليتفضلوا ويذهبوا الى هناك. ليس لهم مكان بيننا.

عن «معاريف»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: