دفاتر الأيام

غسان كنفاني ... ورقة من غزة

عادل الأسطة

2014-07-06



أحاول أن أتذكر أول نص قرأته لغسان كنفاني ومتى قرأته، فلا تسعفني الذاكرة.
ربما أكون قرأت «نجران تحت الصفر» ليحيى يخلف قبل أن أقرأ أي كتاب أو قصة لغسان، وإن كان ثمة سبب فهو أنني درست في الأردن، ولم تكن كتب غسان تباع في المكتبات هناك، أو أنها كانت تباع دون أن أعثر عليها أو أتعثر بها، فيما كانت رواية يحيى الصادرة حديثا عن دار الآداب - طبعا في حينه في أواسط 70 ق20 - تباع في مكتبة في الجامعة الأردنية، مكتبة تبيع الكتب الصادرة حديثاً في بيروت.
وربما عرفت غسان في العام 1977، بعد استشهاده بخمس سنوات، وتحديداً يوم أعادت دار صلاح الدين في القدس ودار الأسوار في عكا طباعة نتاجه الأدبي.
قرأته ولم أكتف بهذا، بل أخذت أعرف طلاب المدرسة الصلاحية في نابلس، وطلاب المدرسة العقربانية في الأغوار به، إذ بدأت تأسيس مكتبة صفية يسهم الطلبة فيها، هل كنت يومها متهوراً؟
أحببت غسان من خلال نتاجه، ومن خلال رثاء محمود درويش النثري له «غزال يبشر بزلزال»، ولا أعرف، حتى اللحظة، نصاً شعرياً لدرويش في رثاء غسان.
ولما كنت، في مدارس الوكالة، أسهم في النشاط الثقافي الخارجي، فقد اقترحت نص درويش لمسابقة الإلقاء، لمدارس الوكالة في منطقة شمال الضفة، وهكذا حفظه بعض الطلاب عن ظهر قلب، ومنذ غدوت محاضراً في جامعة النجاح الوطنية، في العام 1982، غدا غسان حاضراً في مساقاتي باستمرار.

كاتب متجدد :
ما من عام يمر إلاّ وكتبت مقالاً في ذكراه أو شاركت في ندوة حول أدبه أو ترجمت كتاباً صغير الحجم عنه أو دراسة حول نص من نصوصه، أو كتبت ورقة لمؤتمر حول أدبه وتأثره بالآداب العالمية، ومنها الصهيونية، أو تأثيره في الأدب الفلسطيني.
وأحياناً كثيرة تجدُّ مناسبة ما، فأرى في نصوص غسان ما يسعف في الاعتماد عليها لربط الحاضر في الماضي.
قبل أسبوعين كتب فتحي أبو مغلي في الأيام، في زاويته «طرطشات»، طرطشة عن بعض إخوتنا العائدين، إثر أوسلو، هؤلاء الذين أنهوا خدمتهم وتقاعدوا، وما عاد يربطهم بالوطن سوى راتب التقاعد، حيث حزموا حقائبهم ورحلوا.
أشار أبو مغلي في كتابته إلى محمود درويش وسطره: وطني ليس حقيبة. هذا إذا لم تخني الذاكرة، ولفت أنظار العائدين إلى أن الوطن غدا لهم حقيبة وراتبا، ليس أكثر.
طرطشة أبو مغلي أعادتني إلى قصة كنفاني «ثلاث أوراق من فلسطين» من مجموعته «أرض البرتقال الحزين» (1963)، وتحديداً الورقة الثالثة التي عنوانها «ورقة من غزة».
هكذا ذهبت إلى أن كنفاني كاتب ما زال يقرأ، وما زالت نصوصه طازجة، كأنها كتبت للتو، مع أنه مر على كتابة القصة ثمانية وخمسون عاماً تقريباً.
قبل فترة نشرت في الأيام الفلسطينية، في زاوية دفاتر، مقالة تمحورت حول سحر خليفة وعزمي بشارة (8/9/2013) وأتيت فيها على رحيل هذين والإقامة في المنفى، متتبعيْن خطى محمود درويش الذي غادر في 1970، ولم يعد إلاّ بعد (أوسلو) ليستقر في رام الله.
وكانت هجرته أثارت ضجة كبيرة، وظل هو يعبّر عن ندمه لقيامه بها: لماذا نزلت عن الكرمل؟ سحر خليفة غضبت مني، ولا أعرف رد فعل عزمي بشارة.
ملاحظة فتحي أبو مغلي هي ملاحظة قديمة جديدة، فقد ترددت على لسان بعض موظفي وزارة الثقافة، وهم يتحدثون عن أسماء أدبية بارزة عادت إلى الضفة إثر أوسلو، ولكنها سرعان ما غادرت الوطن، بعد أن حصلت على وظيفة في الوزارة، ولم تعد تتردد على الوزارة إلاّ لتسأل عن العلاوة السنوية، كأن الضفة لم ترق لهؤلاء، وكأنهم اعتادوا على العواصم الكبيرة أو.. أو.. أو....

ورقة من غزة :
فكرة الصمود على أرض الوطن وعدم مغادرته تعود إلى فترة مبكرة.
إميل حبيبي عاد إلى فلسطين، إثر نكبة 1948، متسللاً وقرر أن يظل في حيفا، وكلنا نعرف عبارته الشهيرة التي طلب من أهله وأصدقائه أن يكتبوها على شاهد قبره «باقٍ في حيفا». هل كان غسان كنفاني حين كتب قصته «ورقة من غزة» (1956) سمع بإميل حبيبي؟
كان كنفاني، يوم كتب قصته، يقيم في الكويت، ومن خلال إقامته هناك استوحى أفكاراً وشخصيات وأحداثاً مر بها الفلسطينيون المقيمون هناك. فكرة رواية «رجال في الشمس» (1963) مثلاً، وربما فكرة «ورقة من غزة» فلم يكن غسان يقيم في غزة، ولم يكن أقام فيها، وأظن أنه زارها في 60 ق20.

قصة القصة:
القصة التي اتخذت شكل الرسالة تدور حول صديقين تربيا معاً في غزة، وتعلّما، وقررا أن يعملا في الكويت ليوفرا المال، ومن ثم ليسافرا إلى كاليفورنيا، ويواصلا الدراسة هناك في جامعاتها، وبذلك يصبحان غنيين، يودعان الفقر، ويهربان من غزة، ويستمتعان بملذات الحياة، «إنني أكره غزة، ومن في غزة: كل شيء في هذا البلد المقطوع يذكرني بلوحات فاشلة رسمها بالدهان الرمادي إنسان مريض، نعم..» «ما هذا الشيء الغامض الذي كان يربطنا إلى غزة فيحد من حماسنا إلى الهروب؟» وحين يعود إليها الراوي/ كاتب الرسالة الضمني، بعد إقامة عام في الكويت، ليقضي إجازته فيها وجدها كما عهدها وصديقه مصطفى تماماً: «انغلاقاً كأنه غلاف داخلي، ملتف على نفسه، لقوقعة صدفة قذفها الموج إلى الشاطئ الرملي اللزج قرب المسلخ، غزة هذه أضيق من نفس نائم أصابه كابوس مريع، بأزقتها الضيقة، ذات الرائحة الخاصة، رائحة الهزيمة والفقر....» (ص344، أ. ك).
ومع أن مصطفى سافر إلى كاليفورنيا، ودرس في جامعتها، وأعد العدة لصديقه حتى يلتحق به، إلاّ أن الصديق يقرر البقاء في غزة وعدم العودة إلى الكويت أو السفر إلى كاليفورنيا والسبب يكمن في أنه رأى ابنة أخيه الشهيد نادية، وقد بترت ساقها، في غارة صهيونية، من أعلى الفخذ.
أرادت نادية أن تنقذ أخويها، فأصيبت، وكان بإمكانها أن تهرب فتنجو، ولكنها لم تفعل، وهكذا تعلم عمها منها درس التضحية بالذات من أجل الآخرين.» لن آتي إليك.. بل عد أنت لنا. عد.. لتتعلم من ساق نادية المبتورة من أعلى الفخذ، ما هي الحياة، وما قيمة الوجود.. عد يا صديقي فكلنا ننتظرك». (ص350).

سميح القاسم: إليك هناك حيث تموت
بعد كتابة كنفاني قصته بعشر سنوات كتب سميح القاسم قصيدته الشهيرة «إليك هناك حيث تموت» ووجهها لصديق قديم يقيم في بيروت طلب منه، بعد هزيمة حزيران مباشرة، أن يغادر حيفا وأن يقيم في بيروت، ففيها الحياة أرحب -لم يكن محمود درويش هاجر بعد، والقصيدة أسيئت قراءتها - ولم ترق الرسالة لسميح فهاجم صديقه القديم وأنهى قصيدته بقوله:
«إليك هناك.. يا جرحي ويا عاري/ ويا ساكب ماء الوجه في ناري/ إليك إليك من قلبي المقاوم جائعاً عاري/ تحياتي وأشواقي/ ولعنة بيتك الباقي». هل اختلفت قصيدة عبد اللطيف عقل التي كتبها بعد عشرين عاماً تقريباً من كتابة القاسم قصيدته عن قصيدة الأخير؟ وسينهي عقل قصيدته بقوله:
«شكراً يا صديق طفولتي/ اختلفت بنا السبلُ
أنا نبض التراب دمي/ فكيف أخون نبض دمي وارتحل».
كأننا لا رحنا ولا جينا. ما كتبه كنفاني كتبه القاسم وعقل، بل ومحمود درويش أيضاً في 2002: «واقفون هنا. قاعدون هنا. دائمون هنا/ خالدون هنا. ولنا هدف واحد واحد: أن نكون». و... و... كأن كنفاني كتب للتو قصته!! كأنه.

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: