آراء

مـحـمـد أبـو خـضـيـر وحملة «جزّ الرؤوس»

ريما كتانة نزال

2014-07-06



حملة «جزّ الرؤوس»، آخر ماركة مسجلة باسم جيش الاحتلال الذي لا يُقهر، حملة مشتركة مع المستوطنين لممارسة فنون العقوبات الجماعية على الشعب والأطفال العُزّل.
«جزّ الرؤوس» هو الاسم الذي وقع عليه الاختيار لحملة الجيش المستنسخة عن مسلسل الحملات المتتالية في طبعتها الأخيرة. اسم مختلف لعنوان واحد معادل في معناه لحرب الإبادة والتطهير العرقي الجارية في فلسطين.
انتقاء أسماء الحملات العسكرية الإسرائيلية عملية ليست بريئة، وتُحصر صلاحية انتقائها على الدائرة النفسية في جيش الاحتلال. فاسم الحملة يُدْرَسُ بعناية ليخدم البعد الداخلي لينسج من وحي النصوص التوراتية، وليكون تحت تصرف البعد الخارجي كذلك، كأداة قادرة على بثّ الرعب في قلب «الغوييم» الفلسطينيين المستهدفين بالعمليات.
حملة «جز الرؤوس» اسم يمتاز بالمهنيّة والمصداقية، ويبدو أنه الاسم الوحيد الذي يعكس عنوانه وأهدافه الحقيقية من بين جميع الحملات الوحشية التي اختبرها الفلسطينيون. فقد نجح الاسم في طبعته الأخيرة وعكس وظيفته المرجوة منه ومدلولها، كما تفوَّق من زاوية انطباقه على وصف المهمة ومؤشراتها. ويشهد للدائرة النفسية في جيش الاحتلال عدم لجوئه للخداع أو التضليل في انتقاء اسم حملته الأخيرة، فلم تذهب لاختيار اسم مشوب بالغموض، بل جاء الاسم مصطحبا معانيه وإيحاته ومؤشراته الواضحة، على طبيعة الحملة ودوافعها ومطالبها. فكان اسم «جزّ الرؤوس» الاسم الشفاف المختلف عن أسماء الحملات المستخدمة سابقاً، وكنا أمام منتوج مختلف عن حملة «رحلة بالألوان» ضد المخيمات الفلسطينية، وعن حملة «السور الواقي» المخصصة لمدن الضفة، وعن «مطر الصيف وعمود السحاب» المخصصتين لقطاع غزة، وعن «قوس قزح» الخاصة بهدم البيوت، وعملية «تنظيف الإسطبلات» المخصصة لنابلس.
حملة جزّ الرؤوس، حلقة من حلقات المسلسل الاعتيادي المعهود الخالي من الخيال. مسلسل مجنون بشبق القتل دون نهاية منظورة له. مسلسل يوثِّق قصة المدينة الفلسطينية الممنوعة من العيش، مدينة كان يعمل فيها النساء والرجال في حقولهم ومصالحهم بسلام ورخاء، وفجأة يهاجمها قُطّاع الطرق، فتتغير الطقوس والأحوال والأعمال، ليعمل الرجال والنساء في الدفاع عن حقهم في الهواء والماء، وحقهم في الحياة والتكاثر.
ومنذ ذلك اليوم الذي تلى دخول قُطّاع الطرق البلد عنوة، بدأت تتشكل لوحة صاخبة الألوان. ويتوسط اللوحة الموسوعية للموت الصارم الذي يأتي بغتة.. الفتى «محمد أبو خضير» كما توسطها محمد الدرة في حملة أخرى. «محمد أبو خضير» يتابع مقتله بذعر كما تابعه «محمد الدرة»، لكن «محمد أبو خضير» يتابع نهايته وحيدا بهدوء وصمت، فليس لديه حضن الوالد أو يد الأم. ولم يكن بوسعه سوى قضاء وقته الميِّت، لا محالة، في تأمل وجوه القتلة وفي الاستماع إلى ضحكاتهم البربرية.
توقع الفتى أن يشاوره القتلة في الطريقة التي يرغبها لنهايته، وعندما لم يفعلوا، تأكد من أن كل شيء معدّ بهستيرية مسبقة، وبأنهم يتصرفون أمامه بحرية مطلقة. توقع قبل بدء طقوس الإعدام أن يستمعوا لرغبة واحدة أو اثنتين قبل قدوم لحظته الأخيرة، لكن شيئاً من هذا القبيل لم يحدث.
وراء كل شهيد قصة، وكل شهيد يترك حكاية وعويل أم مشلوعة القلب وأصدقاء يستكملون باقي الحكاية. إنها قصص القتل على الهويّة، على مسمع من عالَمٍ يتمسك بنصوص خشبية موجودة في كتب القانون المغلقة. ويبقى يتابع مسلسل الحملات المتدحرج وشعاراته العنصرية، لجماعة دفع الثمن الاستيطانية، بدبلوماسية هادئة، مستطيباً ممارسة لعبة مكشوفة اسمها في فلسطين: «لا أرى ولا أسمع ولا أتكلم»..

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: