نتنياهو بين مطرقة اليمين وسندان المجتمع الدولي

2014-07-03


بقلم: عاموس هرئيل

ما زالت اسرائيل تصوغ خطوات ردها بعد الكشف عن جثث الفتيان الثلاثة المخطوفين. فقد انعقد المجلس الوزاري المصغر مرتين ليبحث في ذلك، ولم ينجح في حسم الامر. وتدل الانباء المسربة من الجلسة الاولى على أن اللقاء كان مشحونا، فقد طلب الوزير نفتالي بينيت عقابا شديدا ضد الفلسطينيين؛ وطلب وزير الدفاع يعلون ورئيس هيئة الاركان غانتس صد ذلك. وسُمع رئيس الوزراء نتنياهو ميالا الى الأخذ بموقف جهاز الامن، لكنه كان قلقا من الآثار السياسية لضبط النفس.
المعضلة الاسرائيلية في أساسها هي بين عملية عسكرية عنيفة في قطاع غزة قد تنشب صداماً مع «حماس»، وبين اجراءات أضيق في الضفة الغربية. ويلاحظ أن نتنياهو غير مهتم بجولة حرب في غزة، لكن يجب عليه في مقابل ذلك أن يعمل على نحو يُهدئ النفوس الهائجة من نشطاء «الليكود» والمستوطنين (وقد أصبح التطابق بين هاتين المجموعتين في السنين الاخيرة أكبر مما كان في الماضي). وقد وعد نتنياهو في تصريح نشره بعد كشف الجثث فورا قائلا: «سنحاسب حماس، وستدفع حماس الثمن»، لأن هذا هو ما تطلبه الغريزة الاسرائيلية، الآن.
واقتبس رئيس الوزراء أيضا في تصريحه من شعر الشاعر بيالك الذي قال: «إن الانتقام لدم ولد صغير لم يخلقه الشيطان بعد». ووجد هنا فقدان تناسب ما كما هي الحال في كثير من التصريحات الاخرى التي سُمعت في اليوم الذي تلا العثور على الجثث. لا اعتراض على أن المقتولين كانوا فتيانا أبرياء، لكن يُخيل إلينا أن نتنياهو كآخرين ينسى أن الحديث لا يدور عن ضحايا عملية تنكيل في اوكرانيا قبل مئة سنة بل عن مواطني دولة قوية كثيراً مسلحة حتى بقدرة ذرية بحسب ما تقوله أنباء غير رسمية.
في أحاديث مع نشطاء غاضبين من «الليكود» وعد وزراء بأن الدولة «ستُعد عددا من الساحات لوقوف السيارات الجديدة» في الخليل. وهذه اشارة خفية إلى نية استئناف سياسة هدم البيوت التي حظيت، أول من أمس، بموافقة المحكمة العليا التي رفضت استئنافا يعترض على هدم بيت المتهم بقتل ضابط الشرطة، باروخ مزراحي. وبُحثت في الوقت نفسه خطوات اخرى موجهة ضد الجهاز المدني – الاقتصادي لـ «حماس» وطشطرد ناء كبار من الضفة.
  وتظهر مقدمة مشكلة في المادة الاخيرة أثارها المستشار القانوني للحكومة، يهودا فينشتاين، فالقانون الدولي يبيح نقل مدنيين من مكان الى مكان داخل أرض محتلة لا خارجها – وقد أعلنت اسرائيل أنها تخلت عن مسؤوليتها عن قطاع غزة بالانفصال (كان طرد السجناء الذين أُفرج عنهم في صفقة شاليت من الضفة الى غزة ممكنا في حينه لأنهم وقعوا على كتاب موافقة). وترمي كل هذه الخطوات الى عرض سقف عقاب رسمي من اسرائيل ضد الفلسطينيين وأن تحبط بذلك عمليات «تدفيع ثمن» مستقلة من اليمين المتطرف الذي تخشى الشرطة و»الشاباك» أن يحاول الانتقام قريباً لقتل الفتيان من خلال عمليات يقوم بها. ومع تفهم العوامل القسرية السياسية عند نتنياهو فإن هذا هو السبب الذي جعل أفراد الجناح، الذين هم أكثر حمائمية في الائتلاف الحكومي، مستعدين للتفكير فيه.

مزيداً من الشقق
  القضية الجوهرية الثانية المطروحة للنقاش هي البناء في المستوطنات. فالمستوطنون يأملون بموافقة غير عادية على بناء عشرات آلاف الوحدات السكنية الجديدة. وينضم يعلون، الذي يعرض في المسائل العسكرية خطا معتدلا، هنا الى جناح الصقور؛ فقد عرض قبل ايام استئناف انشاء مستوطنة في البؤرة الاستيطانية المهجورة جفعوت، غرب غوش عصيون.
وقال ساسة إن نتنياهو التقى، أول من أمس، عددا من قادة المستوطنين منهم زئيف (زمبيش) حفير، المدير العام لـ «أمانه». وزمبيش غير معني بغزة بل يريد وحدات سكنية. وهنا ايضا يقوم الجناح الاكثر اعتدالا في المجلس الوزاري المصغر – الوزيران لفني ولبيد واهارونوفيتش أحيانا على نحو مفاجئ ايضا – بمعركة صد. سيكون هناك بناء، لكن الحمائم يفضلون أن يتم داخل غوش عصيون لا في مستوطنات مفرقة. وسيحاولون ايضا أن يضائلوا عدد الوحدات التي تتم الموافقة عليها. يتوقع بالطبع أن يثير البناء في المستوطنات نقدا دوليا ضد اسرائيل، لكنه سيفضي مع كل ذلك الى غضب أقل من الغضب تجاه عملية عسكرية كبيرة في غزة.
  نشر اللواء (احتياط) غيورا آيلاند، الذي كان رئيس مجلس الامن القومي في الماضي، مقالة في صحيفة «يديعوت احرونوت» أوصى الحكومة فيها بأن تفكر مع كل ذلك بهجوم واسع على القطاع. فـ آيلاند يلاحظ فرصة، ويلاحظ ضعف «حماس» بسبب القطيعة مع مصر. والى جانب ذلك يلاحظ الحاجة الى عملية والمس بقدرة «حماس» على صنع قذائف صاروخية ذات مدى متوسط تستطيع أن تصيب غوش دان. وقد اعتاد آيلاند بعد أن تولى مناصب رفيعة في عهد حكومتي شارون أن يصف بشيء من السخرية المباحثات العاجلة التي تمت على أثر عمليات «انتحارية» قاتلة. وفي الاكثر كان يوجد فرق بين تصريحات البدء القتالية وبين القرارات التي اتخذت في النهاية، وقد يتكرر هذا الامر عند نتنياهو ايضا.
  اسرائيل ردها منضبط الى الآن. ووامتح الجيش الاسرائيلي نفسه بهجوم ليلي على 34 هدفا في القطاع. وهوجمت في واقع الامر مكاتب ومستودعات داخل موقع عسكري لـ «حماس»، وأصيب اربعة سكان اصابات طفيفة. وتشهد الساعة المتأخرة وعدد المصابين القليل على أن المخططين أرادوا أن يتحققوا من أن يكون آخر موظفي «حماس» قد خرج الى بيته ليشاهد لعبة كرة القدم، التي تخوضها الجزائر، قبل الموافقة على يتحدث عدد من الخبراء في النقاشات التلفزيونية الطويلة عن الحاجة الى عمليات اغتيال لكبار قادة «حماس» في غزة. وليس ثمة احتمال بأن تتاح هذه الفرصة في الايام القريبة، لأن أكثر القادة الكبار من المنظمة بادروا الى الاختفاء بعد العثور على الجثث فوراً، ومن المؤكد أنهم سيحرصون على حذر زائد في الايام القريبة.

الحفاظ على الروح العامة
   بعد العثور على الجثث بيوم واحد سمحت المحكمة بنشر الشريط المسجل للمكالمة الهاتفية بين الفتى المخطوف ومركز طوارئ الشرطة. والشريط المسجل يحدد عظم التقصير بخلاف اللغة التي كانت تستعملها الشرطة في الايام الاولى التي تلت الاختطاف – وبخلاف كلام الطمس والتضليل للوزير يائير لبيد مع مجري المقابلات الصحافية من القناة الثانية في 20 حزيران. ففي النسخة التي نشرت يُسمع بوضوح الهمس بقول «خطفوني»، وبعدها صرخات «الرأس إلى أسفل» وما يُسمع على أنه ضجيج طلقات.
   حتى لو كان الصوت يُسمع في المكالمة الاصلية أكثر غموضا بسبب قوة الضجيج في السيارة، فان حقيقة أن من يعملون في مركز الطوارئ اتصلوا ثماني مرات بالهاتف المحمول للفتى تشهد كألف شاهد على أن الارتياب ثار عندهم وبأنه كان يجب عليهم أن يستصرخوا كل الاذرع الامنية، وأن يبدأوا المطاردة. ويبدو أن هذا ما كان لينقذ الفتيان (الذين أطلقت النار عليهم اثناء المكالمة)، لكن ذلك كان سيسلب الخاطفين مهلة بضع ساعات فازوا بها قبل أن تبدأ المطاردة، وربما كانت المطاردة تبلغ نهايتها في وقت أسرع ويُحل مع ذلك لغز مصير المخطوفين بدل الدراما الفظيعة في الاسبوعين ونصف الاسبوع الاخير.
    أنتج نشر التفاصيل كما كان متوقعا نظريات مؤامرة كثيرة احدى الشائعات منها سياسية من قبل اليسار، وهي أن القيادتين السياسية والعسكرية عرفتا فورا أن الفتيان أموات بسبب تحليل الشريط المسجل، وآثار الرصاص في السيارة المحروقة التي استخدمت للخطف. وبدل قول ذلك للجمهور اختبأتا وراء مقولة: «فرض عملنا أن المخطوفين أحياء». وأخفيت المعلومة لخدمة اجراء عسكري واسع ضد الفلسطينيين ولإحباط المصالحة بين السلطة و»حماس» بذلك أو لصرف التباحث عن الحاجة الملحة الى تغيير ترتيب الأولويات الاقتصادي (وتتعلق النهاية بوجهة نظر المتأمل).
  لا تثبت هذه النظريات لامتحان الواقع، لأن الذي منع اعلان موت الفتيان في بداية القضية عدم وجود معلومة قاطعة. فقد كان المحققون يملكون الشريط المسجل، وآثار رصاص وتحليل قضايا اختطاف سابقة شهد بأن خلايا «حماس» في الضفة تفضل ألا تورط نفسها في الابقاء على المخطوفين أحياء وتترك وراءها في الاكثر «أثرا» استخباريا لـ «قوات الامن». ولم تبق في السيارة المحروقة آثار دم تشهد على مصير المخطوفين، ولهذا بقي شيء من الأمل على الأقل أن يكون أحد الفتيان بخلاف المنطق قد بقي حيا بعد اطلاق النار واحتجز حيا.
وكانت هناك حاجة مع ذلك الى الحفاظ على الروح العامة، أعني توجه الجيش الاسرائيلي الذي يرى عدم ترك جرحى أو مفقودين في الميدان (حتى لو كانوا مدنيين) وواجب حث القادة والجنود على الاستمرار في اعمال البحث بكامل القوة رغم الحرارة الشديدة. قبل اسبوع وعلى نحو متأخر بدأت محاولة للجم توقعات الجمهور، وكان الذي بادر اليها رئيس هيئة الاركان، بني غانتس، الذي تحدث عن خوف متزايد على حياة المخطوفين بعد زيارة لقوات التمشيط.
ومع ذلك وكما كتب هنا اكثر من مرة طول القضية، كان يجب قول ذلك في وقت أبكر، وعلى نحو أكثر قطعا. فقد دخلت في الفراغ، الذي خلفته القيادة، وسائل الاعلام التي شجع بعضها عمداً مهرجاناً شعورياً على شاكلة قضية شاليت. ومن حاول أن يعرض نهجا مختلفا، قد يكون أكثر براغماتية، اضطر الى أن يتكلم بالإشارات الخفية والرموز بسبب قيود الرقابة وأوامر حظر النشر. ومن هنا نبعت الدعوى المكررة في صحيفة «هآرتس» الى أنه يحسن عدم انشاء أمل باطل في نهاية جيدة هوليوودية للقضية.
والآن ايضا ما زال بعض أوامر الحظر ساري المفعول، وهذا توجه غريب في أحسن الاحوال. لأن «المخربين» يدركان أن هويتهما معلومة ومنشورة، ويعلمان بالضبط ما الذي يُنسب اليهما. والاثنان مسلحان وموجودان في مكان سري لكن «الشاباك» والجيش الاسرائيلي سيكشف عنهما في وقت ما. وحينما يوجدان فان أكثر الاحتمالات أن ينتهي الامر بمعركة وجهاً الى وجه لا بإجراء اعتقال مشتبه به ومحاكمة.

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: