دفاتر الأيام

غُـرّة رمـضــان فــي غـــزة

توفيق وصفي

2014-07-02



حلّ شهر رمضان علينا ورائحة البارود تعلن أنه لن يكون شهرا للصوم والعبادة ووصل الأرحام وحسب، جاءت غرته نذيرا بما ستحمله الآتيات من أيامه، يؤكد للغزيين أنها ستكون أقسى مما توقعوا، ليس فقط بسبب تفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي في جو حار أعلى من معدله السنوي بنحو ثماني درجات مئوية، ولا لأن جيوبهم خاوية وكشوف ديونهم ثقيلة، فثمة ما هو أكثر بؤسا في انتظارهم، تعززه رياح الفتنة التي تهب من كل مكان، تحت شعار وحدة المصير بالقوة، وتهديدات إسرائيل لهم بالويل والثبور، بعد اتضاح المصير المحتوم للمستوطنين المختفين الثلاثة، وليس لديهم أكثر من الاستعانة بآية "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".
مع انتهاء صلاة الظهر بدت المقبرة الواقعة على الحدود الشرقية لمدينة غزة كمحج لقوافل من السيارات، تتقدم كلا منها شاحنةٌ تحمل نعشا، تداخلت مواكب المشيعين وهم يبحثون عن قبورٍ لضيوف المقبرة الجدد، تحت شمس حارة ووسط غبار خانق.. تصبب العرق من رؤوس زوار المقبرة الصائمين، وضاع الحزن في لجة الحفر والدفن وعظات الشيوخ، وحثت أصواتٌ من بين الصفوف المشيعين على الإسراع في أداء واجب العزاء والتقليل من القبل والعناق الطويل، بينما لاذ أنفار منهم بما تيسر من ظلال، وهم يزفرون أنفاسا حارة وتنهدات غير مفهومة، منهم من همس لجاره "ما أصعب الموت في يوم حار"!   
العامل الأسمر بدا أشد سمرة وهو يثبت أعمدة خيمة العزاء، كتم أنينه تحت وطأة القوس الحديدي وحرقة شمس الظهيرة، لفته صهريج لبيع مياه الشرب يمر بالقرب منه، لاحقت عيناه الماء يقطر من الصنبور، أحس بجفاف مضاعف في حلقه، وكأن هاتفا من داخله يصيح "الماء الماء"، فسارع إلى النظر باتجاه آخر، وهو يردد "اللهم اخزك يا شيطان"!
أصرت السيدة على أن تعبر الشارع لتودع كيسا حاوية القمامة، رغم محاولة زوجها ثنيها عن ذلك، همَّت بوضع قدمها على أرض الشارع، فباغتتها سيارة مسرعة فوق الرصيف قاذفة بها إلى الأعلى، قبل أن تهوي فاقدة للوعي.. السائق في أول العشرينات، لا رخصة ولا تأمين ولا ترخيص، نزقه هو الذي كان يقود السيارة، ليودي بعباد الله إلى التهلكة، أو إلى غرفة العمليات لترميم ما تهشم من العظام!
لم يفكر "أبو العيال" في الإفطار الأول عند عودته من يوم عمل طويل، ولا في رشفة ماء بارد قبل رفع آذان المغرب بقليل، كل ما كان يشغل عقله المتعب أن يغرق جسده في الماء، وعندما وجد خزانه خاويا هرع إلى جاره البحر وألقى بنفسه في مياهه، غير آبه بتحذيرات جيرانه من الغطس في بحر مسموم.. استلقى على صفحة البحر الداكنة، استنشق بعمق الهواء المشبع برائحة المياه العادمة، أغمض عينيه واسترسل في صلاة ما، بانتظار غياب شمس أول أيام رمضان 2014.
tawfiqwasfi@yahoo.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: