آراء

لنتوحد بالدعوة لحماية دولية مؤقتة

علي جرادات

2014-07-02



منذ ثلاثة أسابيع وحتى كتابة هذه السطور ما انفك جيش الاحتلال بإيعاز من حكومة المستوطنين بقيادة نتنياهو، وتحت سمع العالم وبصره، يستبيح حياة فلسطينيي الضفة بعملية عسكرية برية متدحرجة، ويمطر فلسطينيي قطاع غزة بغارات جوية متصاعدة، لتحقيق أهداف سياسية في مقدمتها إعادة فصل الضفة عن غزة، إلى ما قبل تشكيل حكومة التوافق الوطني الفلسطيني الهشة المترنحة والمتعثرة لأسباب داخلية، أولها أنها نشأت لتجاوز أزمات طرفيْ الانقسام، ولم تقم على أساس أو برنامج سياسي متفق أو متوافق عليه.
هذا هو بيت القصيد السياسي للتصعيد العسكري، ذلك أن فصل الضفة عن غزة  جزء من إستراتيجية سياسية ثابتة لحكومات الاحتلال المتعاقبة، أما لماذا؟
في أيار 1999 انتهى العمر الزمني لتعاقد «أوسلو» دون التوصل لاتفاق حول «قضايا الوضع النهائي»، أو بحث جدي فيها، بل حتى دون تنفيذ حكومات الاحتلال لجوهر بنود «المرحلة الانتقالية»، أو التوقف عن سياساتها الاحتلالية العدوانية التوسعية، وجوهرها الاستيطان والتهويد والتفريغ.
كان ذلك دليلاً قاطعاً على أن دولة إسرائيل كمنظومة أيديولوجية سياسية حزبية عسكرية أمنية ومجتمعية وأخلاقية سائدة، (وليس كحكومات فقط)، ما زالت في غير وارد إنهاء احتلالها للضفة وغزة.
وقد جاءت نتائج مفاوضات كامب ديفيد 2000 لتقطع الشك باليقين، ولتميط لثام إستراتيجية حكومات الاحتلال ومواقفها الثابتة تجاه حق عودة اللاجئين والقدس والحدود والمستوطنات والمياه.
لذلك لم يكن مفاجئاً أو مستغرباً أن تفضي السياسة الإسرائيلية إلى اندلاع «انتفاضة الأقصى» التي فرطت ميدانياً تعاقد «أوسلو»، بينما بادر شارون إلى فرطه سياسياً، سواء بالاجتياح العسكري الشامل للضفة المساوي لإعادة «الإدارة المدنية» سلطة فعلية لإدارة الضفة، حتى وإن لم تجرِ إعادة مقرها إلى رام الله، أو بفك الارتباط العسكري والاستيطاني مع غزة من طرف واحد المعادل لسحب الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية» كـ»شريك مفاوض» على الضفة وغزة كأرض محتلة تشكل وحدة سياسية وقانونية واحدة.
لم يجرِ الإفصاح عن ذلك صراحة، ونتائج جولات المفاوضات اللاحقة لخطوتيْ شارون في الضفة وغزة أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن حكومات الاحتلال تريد إطالة أمد، بل تأبيد، «المرحلة الانتقالية» وفصل الضفة عن غزة، عبر إدارة تفاوض من أجل التفاوض، وفرض تنسيق أمني مجاني، و»تهدئة» ممتدة من طرف واحد، لكسب المزيد من الوقت لتعميق الاحتلال، والتغطية على استباحاته الميدانية الشاملة، بل وتصعيدها لفرض شروط حكومة نتنياهو السياسية التعجيزية، وهي:
شطب حق عودة اللاجئين، إخراج القدس من دائرة التفاوض، اقتطاع منطقة الأغوار، ثلث مساحة الضفة، إبقاء الكتل الاستيطانية الثلاث أو الأربع تحت السيادة الإسرائيلية، تحويل جدار الفصل والتوسع بما ابتلع من أراضي الضفة إلى حدود سياسية، «إرجاء البحث في مصير قطاع غزة إلى حين»، والاعتراف بإسرائيل غير محددة الحدود «دولة للشعب اليهودي». وكل ذلك في إطار موافقة رسمية أميركية معلنة. ماذا يعني هذا الكلام؟
*أولاً: التصعيد العسكري الذي يجري في الضفة وغزة على يد حكومة نتنياهو، وتصمت عنه الولايات المتحدة وحلفاؤها، هو تصعيد مبيت له أهداف سياسية إسرائيلية إستراتيجية تتجاوز «تدفيع حركة حماس وقيادتها الثمن» كجهة متهمة بحادثة اختفاء ومقتل المستوطنين الثلاثة، ما يوجب على أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية، بمستوييها الرسمي والشعبي، التوحد الميداني لصد هذا العدوان تحت شعار سياسي ناظم: «توفير الحماية الدولية المؤقتة لشعبنا كخطوة على طريق إنهاء الاحتلال وانتزاع حقوقه المشروعة في الحرية والاستقلال والعودة.
*ثانياً: لئن كان مهماً رؤية هذا التصعيد العسكري الإسرائيلي في إطار أن حكومة المستوطنين بقيادة نتنياهو هي أكثر حكومات إسرائيل تطرفاً سياسياً، فإن الأهم هو رؤيته في إطار أن تطرف هذه الحكومة ليس نبتاً شيطانياً، بل قفزة نوعية في سياق تطور منظومة أيديولوجية صهيونية تحرك إسرائيل وتحكمها وتتحكم بها، من رأسها حتى أخمص قدمها، سياسياً وعسكرياً وأمنياً وحزبياً ومجتمعياً، ما يجعل قادتها في غير وارد التسوية السياسية وإنهاء احتلالهم للضفة والقدس وغزة، بل ويدفعهم للاعتقاد بإمكان فرض الاعتراف بدولتهم غير محددة الحدود «دولة للشعب اليهودي»، والحفاظ عليها «دولة لجيش» أو «دولة قلعة» مارقة ومفروضة بالعدوان والتوسع ليس داخل حدود فلسطين، فحسب، إنما داخل المنطقة العربية، وغلافها الإقليمي، أيضا، ما يوجب على طرفيْ تشكيل حكومة التوافق الوطني، «فتح» و»حماس»، تجميد خلافاتهما حتى وقف العدوان، والمبادرة فوراً  إلى إجراء حوار وطني بمشاركة بقية أطراف الحركة الوطنية، للبحث جدياً في سبل وأسس الاتفاق أو التوافق على برنامج سياسي وطني جامع، به، وبه فقط، يمكن التصدي للتصعيد السياسي والميداني الإسرائيلي، والحيلولة دون التراجع عن خطوة تشكيل حكومة التوافق الوطني، التي من شأن فرط عقدها أن يعيد شعبنا إلى مربع الانقسام وفصل الضفة عن غزة كهدف سياسي إستراتيجي ليس لحكومة المستوطنين بقيادة نتنياهو، فقط، إنما لحكومات الاحتلال كافة، أيضاً.
عليه، بمعزل عن متى وكيف ستنتهي هذه الجولة من التصعيد العسكري الإسرائيلي غير المسبوق منذ اجتياح الضفة الشامل في العام 2002، وبمعزل عما ستؤول إليه حال حكومة نتنياهو التي أعماها فائض أيديولوجيتها عن رؤية أن تصعيد قمع الاحتلال وجرائم حربه الموصوفة هو الوصفة السحرية لتصعيد المقاومة الفلسطينية بمعناها الواسع، تقدم الأمر أو تأخر، فإن أحداً لا يضمن عدم لجوء حكومة نتنياهو أو أي من حكومات الاحتلال اللاحقة إلى شن اعتداءات أو حروب قادمة.
فنحن لسنا في مواجهة حكومة يمينية متطرفة وُلدت فجأة، بل في مواجهة حكومة أنتجها نظام صهيوني عدواني توسعي من مقتضياته إفراز حكومات لشن الحروب، ذلك ببساطة لأنه نظام قائم على رفْض التسويات السياسية للصراع.
إن كل مقاربة غير هذه المقاربة لفهم الأسباب والأهداف الفعلية للتصعيد السياسي والعسكري لحكومة نتنياهو، هي مقاربة ذاتية لن تقود صاحبها إلا إلى فشل السير في المداخل الخاطئة التي تجعل التقدم تراجعاً أو مراوحة في المكان في أحسن الأحوال، وإلا لكان بلا معنى أن جميع حكومات الاحتلال، وصولاً إلى أكثرها تطرفاً بقيادة نتنياهو، اعتمدت إستراتيجية ما أن تنهي حرباً حتى تبدأ الإعداد لحرب قادمة، ذلك بمعزل عن الذريعة أو الحجة.
بل اعتمدت إستراتيجية أن ما لا يأتي بالقوة يأتي بمزيد من القوة، خذوا آخر تقليعات نتنياهو وحججه لرفض التوصل إلى تسوية سياسية تلبي الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، حيث انتقل من الحديث عن خطر «النووي الإيراني» كذريعة لرفض التخلي عن منطقة الأغوار، إلى الحديث عن خطر «داعش» كذريعة لاعتبار أن الأمن القومي الإسرائيلي يبدأ عند الحدود الأردنية العراقية وينتهي عند شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
قصارى القول: إن الأسباب والأهداف السياسية الفعلية للتصعيد العسكري الإسرائيلي الجاري في الضفة وقطاع غزة نابعة، أولاً وعاشراً، من رفض إسرائيل إنهاء احتلالها للضفة وغزة كاحتلال استيطاني اقتلاعي احلالي لن يرحل إلا إذا تحول إلى مشروع خاسر بالمعنى الشامل للكلمة، ما يفرض على الكل الوطني الفلسطيني التوحد في مواجهة هذا العدوان المبيت، واستكمال خطوات إنهاء الانقسام الداخلي، ومطالبة العالم بتوفير حماية دولية مؤقتة لشعبنا من جرائم الحرب التي تمارس بحق المدنيين والأطفال من أبنائه، بل ولا يضمن أحد عدم ارتكاب المزيد منها في المستقبل القريب أو البعيد.
وغير ذلك إن هو إلا دوران في تيه سبع سنوات من الانقسام المدمر وبعيداً عن العمل الوطني الموحد والجاد لإنهاء الاحتلال أصل كل داء، وأساس كل بلاء، وسبب كل ما يتعرض له أبناء شعبنا من استباحة شاملة لا في الضفة والقطاع، فحسب، إنما في أماكن تواجده كافة، أيضاً.    
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: