الاختطاف: إسرائيل تدفع ثمن رفضها للسلام

2014-07-02



بقلم: أمير أورن

استمرت قضية خطف الفتيان الثلاثة 19 يوما كحرب "يوم الغفران" بالضبط. وكحرب "يوم الغفران" حدث أهم إجراء فيها في بدايتها حقا؛ وكما حدث في تشرين الاول 1973 والذي استمر قدما الى أن انتهت ملحقاته، يستمر حزيران 2014 ايضا الى الفترة التالية، الى أن نعثر على الخاطفين القاتلين على الأقل.
  يُحتاج في هذه المقابلة الى عامل مميز آخر، وهو جهد أعلى للتحقيق فيما حدث ولماذا. لكن بخلاف لجنة التحقيق برئاسة رئيس المحكمة العليا، شمعون اغرينات، التي تجاهلت تماما الممهد السياسي لحرب "يوم الغفران"، يُحتاج في هذه المرة ايضا الى محاسبة نفس سياسية، تضاف الى التحقيق العملياتي. وهذان مستويان مختلفان يُسوغان علاجا سياسيا عاما من جهة ومهنيا أمنيا من جهة اخرى، كل على حدة،.
لا داعي الى الدعوة الى انشاء لجنة تحقيق رسمية؛ لأنه حتى لو استجابت حكومة نتنياهو لهذه الدعوات فانها تعرف درس سابقاتها، وستعمل على مضاءلة قوة اللجنة بحيث لا يتضرر الساسة.
لكن هناك مكانا لتحقيق البلبلة الداخلية في الممهد السياسي للخطف. إن الحكومة تُصرف سياسة تُمتحن في ظاهر الامر – وتُجاز – بانتخابات الكنيست وباختراعات حجب الثقة عنها. وهذا حقها. ومن الواجب عليها في الوقت ذاته أن تحرص على الاتساق في تحقيق السياسة، وقد فشلت حكومة نتنياهو السابقة والحالية في ذلك.
حينما أفرج نتنياهو عن أكثر من 1000 سجين مقابل جلعاد شاليت منح "الارهاب" جائزة، وقوى "حماس المتطرفة" مقابل محمود عباس المعتدل. ووافق كي يضعف وخز هذه الرسالة على منح عباس إفراجا عن سجناء في اطار تفاوض سياسي لا باستسلام للتهديد الكامن في الخطف.
الافراج عن السجناء، الذي كان معيباً جداً في نظر نتنياهو حينما استعمله رؤساء وزراء سابقون لإعادة اسرائيليين أحياء أو أمواتا، أصبح في نظره أكثر عملية من تجميد البناء في "المناطق"؛ لكن بعد أن قضى ثلاثة ارباع دينه رفض أن يقضي الربع الأخير. وعند هذه النقطة كما يزعم جهاز الامن اتجه السجناء، الذين خاب أملهم، الى "حماس" فاستُجيب لهم بوعد معلن من قيادة "حماس" في الخارج بأن تساعدهم، وترجم هذا الوعد الى الاختطاف في 12 حزيران.
يجب أن تحقق لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست في سلسلة الاحداث هذه مع علاقات سببية أو ظرفية بينها، على نحو يشبه التحقيقات التي أجرتها لجان خاصة من داخل هذه اللجنة في قضية استخدام الجاسوس جونثان بولارد وقضية اغتيال خالد مشعل. وينبغي أن لا يؤخر التحقيق الى أن تهدأ النفوس الثائرة، أو الى أن تعود القوات من عملية قد تُرسل اليها لا سمح الله لغاية مريبة. تذكرون أنه على أثر اختطاف شاليت وقتل اثنين من رفاقه قبل ثماني سنوات خرج الجيش الاسرائيلي في عملية كبيرة في غزة هي "أمطار الصيف". ولم تُعد العملية شاليت ولم تشوش على "حماس" الاستيلاء على غزة.
يُحتاج الى تحقيق مهني شامل صائب لفحص أداء الساسة المشاركين في التدبير للاستعداد الاستخباري والعملياتي (رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الامن الداخلي والمجلس الوزاري المصغر) والمنظمات الامنية (الجيش الاسرائيلي و"الشاباك" والشرطة)، ويجب أن يشمل هذا التحقيق كل الاجسام بلا اعفاء ولا تهرب.
حينما كلف رئيس هيئة الاركان آنذاك، دان حلوتس، اللواء (احتياط) غيورا آيلاند أن يحقق في اختطاف شاليت تهرب "الشاباك" حتى لا يُحقق معه، بزعم أنه لا يخضع لرئيس هيئة الاركان ولا لوزير الدفاع بل يخضع لرئيس الوزراء مباشرة. واذا كان أُجري في "الشاباك" تحقيق داخلي شمل مواد استخلصت على أثر عملية دورية هيئة القيادة العامة لإحباط الاختطاف فان نتائجه لم تسلم الى الجيش حتى هذا اليوم. وهذا استمرار على طريقة "كل منظمة تسكن وحدها" – يوجد تعاون وثيق في الجانب الهجومي، لا في الدفاعي ولا في التحقيقي بيقين، وقت الفشل.
إن الشرطة التي هي الضعيفة المضروبة بين كل الاجهزة التي تشارك في العمل الامني، هي الوحيدة التي حققت الى الآن في نصيبها من الاختطاف. ونشر عرضا اعلان الشرطة عن تنحية ضباط في منطقة شاي قبل الكشف عن الجثث بساعتين. وأحدث تقارب الحدثين ارتباطا خاطئا في الوعي. إذا كان قتل الثلاثة تم بعد اختطافهم بوقت قصير جداً بل ربما اثناء الرحلة الاولى، فانه لم تكن توجد أية صلة بين تأخر فهم معنى المكالمة الهاتفية الى مركز الطوارئ والانذار بها وبين موتهم على أيدي الخاطفين. إن هذا التأخر أفضى الى اختفاء الخاطفين وأخر العثور على الجثث، لكن نتيجته لم تكن قاتلة، فالشرطة تستحق التبرئة في هذا الشأن.
بعد أن يُعثر على الخاطفين أو على شركائهم ويتم الحصول على معلومات موثوق بها عن نواياهم، سيتبين هل خططوا جيداً للاختباء وحدهم أو مع الرهائن، وهل تشوش الاختطاف – ربما على أثر تلك المكالمة الهاتفية الى الشرطة ورد الخاطفين عليها. وسواء كانت النتيجة مخططا لها أم لا كما كانت الحال في قضية اختفاء مساعد الطيار، رون أراد، فانها أثقلت على اسرائيل أكثر من عمليات المساومة، لأن صمت الموت أصم الآذان. وقد كانت الهواجس موجودة حتى اول من أمس.
لا تستطيع اسرائيل في وضعها الحالي، وهي ترفض دفع ثمن السلام، الامتناع عن دفع ثمن عدم السلام. ولهذا تتورط في تناقضات بائسة حينما يسمي متحدثوها المنظمات التي تطلق القذائف الصاروخية على النقب "عاصية" – أي أنها لا تخضع لسلطة "حماس" – وتسميها في الوقت ذاته "مرسلة من قبل حماس". وكأنها نسيت القصة القديمة عن منظمة معتدلة نسبيا (فتح) انفصل عنها "نسور" و"صقور"، ومجاهدون وجبهات وكتائب على اختلافها آلت على نفسها أن تبقى "متطرفة".
قضية الاختطاف اذا نظرنا الى الوراء – والتي ستنتهي باعتقال الخاطفين فقط – هي الاكثر لذعا في نجاحات أعداء "الشباك". وبنظرة الى الأمام فان المسؤولية، لا التحقيق المطلوب فقط، مزدوجة تقع على الجهات المختصة التي يجب أن تسبق الأعداء بخطوتين (مثل اقتراح ضابط مجرب اقامة قوات رد سريع تشمل مروحيات حربية في تأهب في قواعد عسكرية قريبة)، والجهات المعتدلة في المستوى السياسي التي ستكف محمومي الأدمغة الذين يجلسون معهم في حكومة نتنياهو ويطلقون مبادرة سياسية، لن ينجح من غيرها أي استعداد أمني في احباط الهجمات وقتا طويلا.

 عن "هآرتس"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: