دفاتر الأيام

وأد المصالحة في المهد؟

توفيق وصفي

2014-06-11



لم أر غزة قط كما هي عليه الآن من بؤس ويأس وكراهية، يكاد أهلها يلتهمون بعضهم بعضا، في الشارع والمجالس والأرصفة وعلى مواقع التواصل كافة، فيفضل الغزي الذي يؤثر السكينة واللجوء إلى الله أن يغمض عينيه، تفاديا لقذى المشهد الآيل للانفجار، ويصم أذنيه لتجنب التورط في ملهاة تبادل الكراهية بذرائع ومزاعم متناقضة، تبرر لكل طرف كراهيته ورفضه الآخر، مسكونا بالخشية من التأثر بقصة أي منهما أو التمزق بين القصتين، لإدراكه أنه الضائع والخاسر و»المنَيّل» في كل الأحوال.
ينقسم الناس في غزة بنسب متفاوتة حول المشهد نفسه، والعنوان الذي ينشده منشدو الفئات كافة «الراتب»، وبعبارة أخرى «رزق العيال»، ليس فقط الموظفون التابعون لهذه الحكومة أو تلك، بل كل من يعيش على أرض غزة من رفح إلى بيت حانون، البائع والشاري، العامل والموظف، السائق والراكب، الطبيب وزبائنه، وغيرهم من أهل الرباط في غزة «العزة».
 المشهد تلخصه صورة يراها كل المارين ببنوك غزة وأجهزة الصراف، فعلى باب كل بنك وأمام كل صراف آلي شرطة في الليل والنهار، يمنعون أحدا من الاقتراب منها، من موظفيها وعملائها الموظفين وغير الموظفين كالتجار والراغبين في تحويل أموال أو استلام حوالات، وكل هؤلاء يتمنون في أعماقهم ألا يطول هذا المشهد أكثر من ذلك، كي لا ينفجر المشهد الكلي، ورأس ماله شرارة، أمام هذا البنك أو الصراف أو ذاك.. وزاد الطين بلة أن رجال المباحث التابعين لحكومة غزة «السابقة» صادروا أجهزة «الماستر كارد» من محال الصرافة والسوبرماركت، بعد لجوء عدد كبير من الموظفين المحرومين من بلوغ المصارف وأجهزة الصراف الآلي إلى الشراء ببطاقات الصرف من هذه المحال، مع إصرار أفراد المباحث على عدم إعطاء أي إيصال رسمي بالأجهزة المصادرة، والتحذير من مغبة إبلاغ وسائل الإعلام بما جرى معهم.
وأرى في ثرثرة المغردين والمغردات على الفيسبوك ما لا يبشر بخير، ليس في حدود «أزمة الرواتب» المزدوجة وحسب، بل بما تكشفه السخرية والتهكم والاستظراف من انقسام عميق في النسيج الاجتماعي الغزي وبالضرورة الفلسطيني، نجح الانقساميون ومَن وراءهم في شقه وتحصينه بعوامل البقاء والتعمق بسيف الكراهية والحقد وتمني الشر للآخر، وبلوغ مرحلة «إما أنا وإما أنت».. ولا تخلو هذه التغريدات من بؤس التسرع والتعميم في إصدار الأحكام، من خلال عقد مقارنات غير واقعية بين ما يحدث في غزة وما يحدث في مكان آخر، يستكثرون فيها على أهل غزة أن تضطرب أحوالهم بسبب «الراتب»، مع سيل من الاستهزاء ببطولات غزة وصمودها، التي هز مناضليها ومجاهديها أسبوع واحد بدون رواتب، وأصابهم بالجنون.
وبالرغم من محاولة كثيرين الظهور كموضوعيين من خلال التنويه إلى أهمية العودة إلى نصوص اتفاق الشاطئ بشأن الموظفين فإنهم يغمزون إلى أن الأمر أبعد من قضية رواتب، ولا يستبعدون أن ثمة مؤامرة تحاك لإفشال المصالحة «عديمة الأسنان»، ربما تتضمن إشعال حرب أهلية في غزة، دون أن يكشفوا عن المتآمرين.. ومن هؤلاء ذو حمية وكرامة بالغة، ما زالت لديه بقية من تفاؤل، يناشد الجميع أن يفيقوا ويعودوا إلى رشدهم وفلسطينيتهم، ويذكرهم بأن قضيتنا قضية وطن وقدس ولاجئين، ولم تكن يوما صراعا على الرواتب، ويختتم بقوله «بعوض الله علينا»!
ولا أعتب على من قال في تغريدته «ما بالكم لا ترون من حكومة الوحدة الوطنية إلا «الصراف الآلي»؟ أين كلامكم عن وحدة الصف الفلسطيني ومقارعة الاحتلال وتحرير القدس؟ أين دروس الصمود التي كنتم توزعونها يمينا ويسارا؟ كل هذا سقط أمام بضع مئات من الشيكلات.. ياحيف»! ولا أستهجن ما ذهب إليه آخر بقوله «بعد ما حصل وسيحصل يؤسفنا أن نقول بأن المصالحة ولدت ميتة، وما يجري ليس أكثر من مراسم لدفنها.. وحدووووه»!
tawfiqwasfi@yahoo.com

      
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: