إلى خالد نزال :حياة ناقصة في حزن كامل بقلم: ريما كتانة نزال

حسن البطل

2014-06-08

على وقع خطوات حزيران الهمجية، يأتي صوت من بعيد، مطالبا بنص لا يشبه غيره، تنصهر فيه المشاعر في حرارة الواقع، خلطة سحرية تذيب المتناقضات بين حدود السياسة والوجدان.
نص يليق بالشهداء وأسئلة المستقبل الغامض بغرابته، نص يملك نبرة عالية ترتفع على صوت صهيل الجراح المفتوحة، ويتعالى على فيض الألم تحت سماء الوطن، متجاهلاً شوق وحنين المظلومين إلى حزن أقل وحياة تشبه الحياة.
سأتجاوب مع الصوت القادم من خلف حدود الحياة، وأكتشف خلال تفقد مفرداتي فجواتها وتقادمها، بعضها لم يعد يستطيع التعبير عن نبرة الكبرياء، ولا عن تلاطم الموج للقضية وتقاذفها، وبعضها الآخر، فَقَدَ صلاحيته في حضرة الأسرى والشهداء، والبعض الأخير لحقه الوهن والشيخوخة.
فأقرر شراء مليارات الكلمات، التي لا أعرفها، من أجل استكمال مخطوطة رثاء الشهيد، وتلبية الشغف لمعرفة فصول القصة الكاملة لحزن كامل وحياة ناقصة.
وقبل أن أضع مخطوطتي الثامنة والعشرين، أعود لمراجعة بياناتي المعلقة على جدارية الغياب، أتقوقع داخلها وأتأمل في غمغمات ذاكرتي لأكتشف الحقائق الواضحة التي لم تتضح في ذهني الشارد منذ البداية، لكنها اتضحت تدريجيا بمرور السنوات وتقلبات المناخ.
سأستخلص من جدارية الشهداء، انه لم يعد بإمكان أحد التقاط الأنفاس بغيابكم، وبأننا نعيش في عالم مجنون، والضياع الاتجاه غير مسبوق، والإمساك بناصية الحدث غير مقدور عليه، لأننا دون منهجكم، انتقلنا من حالة تزاحم التضحيات إلى فراغها ومن ثم إلى إفلاسها.
من الجدارية أعرف، أني قد هيأتك ووضعتك في صورة انغلاق الأفق أمام أهدافكم، وبأن مجلداتكم لا تتقاطع مع مجلداتنا.
أما الآن، فقد أصبح الواقع عصيا على فهمي لأنقله لك كما اعتدت أن أفعل. فنحن يا خالد، لا نتأثر جميعا بالواقع حولنا، ولم نعد نتشابه في القدرة على عيش تفاصيله، بل إن بعضنا ينجح في تجاهله وتجاوزه، ويستطيع الغرق في تفاصيل أخرى مختلفة، وكأننا نعيش في جغرافيات متباعدة، يفصلها عن بعض الجغرافيا والحدود.
نحن لا نحزن على نفس الأمور، ولا نفرح لنفس الانجازات، محاطون بالغرابة المشهدية.
جميعنا "يتمسمر" خلف نفس الكلمات، لكن ردود أفعالنا تذهب نحو نتائج واتجاهات مختلفة.
وستستغرب ان همست لك بخجل، اننا نعجز عن حمل علم واحد لوطن واحد، رغم الدماء التي سالت من أجله.
جميعنا نشهد ذات الأشرطة المصورة المعروضة في سوق الاحتلال، وتتطاير فوق رؤوسنا ذات القذائف، ويصوب على مستقبلنا ذات الرصاصات، وواجبنا أن ندافع عن تلك الحياة والمستقبل الواحد، لكن بعضنا يضحي من أجلها ذاهباً في تضحياته نحو قمة التلاشي، والبعض الآخر غارق في الخروج عن المعقول والحقيقة.
بعد مقدمتي المختصرة، أجد أني لا يمكن أن أخط نصاً مميزاً كما أراد الصوت القادم من بعيد، ولا أتمكن من جمع الخلطة السحرية للنضال، فأنا أعيش في حياة ناقصة وحزن كامل، وأشعر بأني وكلما اقتربت منه.. وكلما مرّ يوم يفصلني عنه، تصبح علاقتي به أكثر شفافية، وكلما تسربت حلقة من حلقات حياتي، تتآكل الحقيقة وتظهر أمامي عارية أكثر، وأكتشف أن أحلامي غريبة وغامضة وعسيرة الهضم، ولا تفسير لها في معاجم التفسير.
وكلما تماهت الفواصل بين لقاء الروحين، أثق بأننا كنا فرائس لأوهامنا، وتتبدد توقعاتي حول وفاقي مع حياة تشكو من الضياع.
في بياني الثامن والعشرين، أعلن على الملأ بأن قلبي ما زال عامرا بالذكريات، وكل شيء داخلي وحولي يشيخ إلا وحدتي..فهي تزداد نضارة وتألقا.
لكني تعلمت أن اكون أنا، وبأن ما لم أقدر عليه في الواقع يتكفله الخيال، فأنا حزينة جدا وحياتي منقوصة، وأعلن بأني سأبقى أرثيك إلى آخر قطرة من الحبر الأبيض، وسأرثي أكثر من ما زال حياً ومضطراً لمواصلتها وسط عصر متقلِّب وصعب، وسأبقى أوثق بقايا الصور المهشَّمة، فليس من السهل الافلات من صور جمعتنا معا بوعي مكثف.
سأكتشف بعد ثمانية وعشرين عاما، طغيان واستبداد المشاعر، وبأنها لا تتوقف عن النمو، وبأن حواسا جديدة قد نبتت في فضائي تختلف عن الحواس الأخرى، ربما كانت مزيجا من الحواس المعروفة وأخرى مختلفة بداهتها، تبعث بي طاقة غريبة تستدعي التأملات والخيالات، تعوضني وحدتي وتبعد الملل عن حياتي، حاسة تجمع حواس قصّاص الأثر ومؤشرات قياس الخطر، حاسة تقتات على زاد الذاكرة وكِسرات من الصور.
في عامك الثامن والعشرين، ثمة تشابه بينه وبين الأعوام التي سبقته، لذلك، سأجدد نذوري والتزاماتي المعهودة، وسأستمر في تعبئة إبرتي بخيوطي الملونة لأستخدمها في تطريز بياناتي الحزيرانية، أروي فيها سيرة الفقد والافتقاد، وأشكو فيها من حياة ناقصة تطفو فوق حزن كامل.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: