ماذا لو أدركت "حماس" مبكراً ..! بقلم: أكرم عطا الله

2014-06-09


ماذا لو طلبت حركة حماس قبل أكثر من ثماني سنوات أي بعد انتخابات 2006 من حركة فتح أن تسمي وفدا للتباحث معها حول حكومة تكنوقراط ؟ وهو ما فعلته متأخرا ومن موقع الأضعف، ماذا لو اجتمعت قيادة الحركة بعد الفوز وأجرت قراءة للظرف الفلسطيني والواقع الإقليمي والدولي وقررت التنازل عن تشكيل الحكومة ولكن التحكم بها من خلال المجلس التشريعي ومن موقع القوي ؟ لقد طلبت حماس الاستشارة فنصحها البعض ألا تغامر بقيادة السلطة التنفيذية وأبرزهم أستاذ السياسة وخبيرها لعقود طويلة الكاتب محمد حسنين هيكل لكن وهج السلطة كان أكبر من كل النصائح.
لو لم تفعلها "حماس" حينها لأعفتنا أن نكون فئران تجارب في مختبر تتعلم فيه السياسة حتى تصل للنتيجة التي قالها الكثيرون في تلك الفترة والتي احتاجت كل تلك السنوات الثقيلة حتى تعرف أن مسألة السياسة أعقد كثيرا من استسهال الحكم، ولكنها أصرت مأخوذة بنشوة الصندوق الذي أفقد العقول اتزانها ومنعها من إجراء الحسابات الهادئة لتلقي بكل نصائح العقل جانبا وتذهب إلى مغامرة لم تحسب عواقبها إلا بعد كل هذه السنوات.
ماذا لو أدركت حماس مبكرا أن النظام السياسي الفلسطيني متعدد الشرعيات وأن شرعية منظمة التحرير تعلو على شرعية السلطة ؟ وماذا لو أدركت أن نظام السلطة الفلسطينية يعطي للرئيس سلطة أعلى من الحكومة ؟ لعرفت حينها أنها حصلت فقط على جزء من الشرعية الفلسطينية ولتصرفت بغير ذلك، وماذا لو أدركت حينها أن الشرعية حتى تكتمل يجب أن يكون لها امتداد إقليمي دولي.
ماذا لو لم تغامر حماس بالسيطرة بالقوة المسلحة على قطاع غزة ؟ وأبقت على حكومة الوحدة الوطنية برئاسة السيد إسماعيل هنية المدعومة من كل الفصائل الفلسطينية ومن الشعب الفلسطيني والتي كانت تدير الضفة الغربية والقطاع والقدس لكنا على الأقل قد أجرينا الانتخابات مرتين ولما بقي الرئيس يحكم تسع سنوات ونصف السنة ولما بقي أعضاء التشريعي ثماني سنوات ونصف السنة ربما كنا نؤسس لثقافة الانتخابات وتداول السلطة ولكنها حرمتنا من ذلك.
ماذا لو التقطت حماس اللحظة التاريخية للمصالحة قبل سنوات حين كان حكمها أكثر استقرارا ورواتب موظفيها أكثر انتظاما إلى الحد الذي أعلن نائب رئيس وزرائها ذات مرة استعداده لتغطية أزمة حكومة رام الله ؟ فأواخر 2010 عاد وفدها للحوار عن المعبر لأن رام الله تعتقل أنصار حماس، وفي العام 2011 كانت الثورة المصرية قد أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك وهذا أضعف خصمها اللدود في الساحة الفلسطينية "حركة فتح "كان يمكن أن تكون أقوى لو تمت المصالحة وهذا ما التقطه رجلها الذكي خالد مشعل، ولكن كان لغزة موقف آخر أوصلها لهذه النتيجة، وفي العام 2013 كان رجل الإخوان المسلمين في سدة الحكم في القاهرة كان يمكن أن تكون أيضا اللحظة التاريخية الأنسب لحركة حماس لكنها لم تلتقطها عملا بمقولة أحد أبرز القادة التاريخيين في القرن الماضي "بالأمس مبكرا وغدا متأخرا" فقد ذهبت حماس بعد غد بكثير متأخرة جدا بعد أن فقدت كل أوراقها.
فقد كانت موازنتها على شفا الافلاس عاجزة لأشهر عن تسديد رواتب موظفيها الذين أصبحوا عبئا تسارع الخطى للتخلص منه، وهي عبء على حلفائها وتحديدا قطر وتركيا، فقطر التي يتخذ الخليج إجراءات ضدها بسبب دعم الإخوان وحماس، وتركيا التي أصبح استمرار الحصار على غزة عثرة أمام طريقها لتل أبيب تريد مصالحة ترفع الحصار، والإقليم أصبح معاديا أكثر لها وخصوصا القاهرة.
كان من الطبيعي أن يكون الشكل الذي خرجت فيه المصالحة يعكس كل تلك التوازنات، فالسياسة أولا هي ممكنات قوة وليست حسن نوايا، وهذا ما كان واضحا في الأيام الأخيرة لمفاوضات تشكيل الحكومة ويوم إعلانها حين حسم رئيس وفد فتح ساعة الإعلان عنها، بينما كانت حماس تؤكد التأجيل وما نتج عن تداعيات التطبيق وأزمة رواتب موظفيها وملاحقتهم لموظفي السلطة وإغلاق البنوك في مشهد مسيء لحركة حماس بالرغم من أحقية مطلبهم، لكن التعبير عنه أضاف لحماس خصوما جددا حين كان تسلسل اقتصاد غزة الهش يتوقف على تلك الرواتب ليبدأ دورة حياته الجديدة، فقد كان مشهد الصراع أمام البنوك يعكس بؤس الحالة وفي ذروة الأزمة لم ينتبه الموظفون أنهم ينتقلون بسلاسة من حكومة الممانعة إلى حكومة الاعتراف بإسرائيل وباتفاقيات أوسلو وأنهم سيتحولون إلى الذراع التنفيذية لتلك السياسة.
انسحبت حماس من واجهة الحكم في قطاع غزة وكان الانسحاب سريعا ومرتبكا حال حتى دون إخراجه بما يليق بحركة فازت بالأغلبية في آخر انتخابات تشريعية، وقدمت ما يكفي من الشهداء والعمليات الجديرة بالاحترام بحيث بدا أنها فقدت كل شيء، صحيح أن زلزال الإقليم الأخير الذي كانت القاهرة مركزه جعل الأرض تهتز تحتها وأفقدها توازنها، لكن أساس الأزمة بدأ في الصراع بين ثبات الأيدلوجيا ومرونة السياسة والذي أدى إلى ارتباك الخيارات مبكرا ولم يتدخل مفكرو الحركة لاستيلاد تجربة قادرة على التنقل بمرونة بين الأيدلوجيا والسياسة أو فض الاشتباك بينهما.
ومن تداعيات الأيدلوجيا أنها قسمت المجتمع ما بين أخيار وأشرار وأن أبناء الحركة هم الأخيار وصفوة المجتمع، وأن باقي المجتمع في درجة أدنى وقد عبرت مقولات "الحركة الربانية "و"الحكومة الربانية" عن هذا التصنيف الذي يحمل قدرا كبيرا من التعالي على شركاء الدم والمصير وأبناء الوطن الواحد وترجمت هذا إلى سلوك سواء في إغلاق المؤسسات الأخرى أو ملاحقة حريات الناس وحتى نمط لباسهم في عملية تنميط قسرية لمجتمع أساسه وسمته الأبرز التعدد الديني والسياسي والاجتماعي والإنساني كمجتمع زراعي قروي حيث لكل قرية ثوبها الخاص ومختارها الخاص ونظام حكمها الخاص.
لو أدركت حماس مبكرا أنها قوة فلسطينية كباقي القوى تخطئ وتصيب وأن أفرادها كذلك وأن للسياسة عثراتها وأن الظروف أحيانا أكبر من الآمال وأن تعقيداتها ودهاليزها تحتاج إلى قدر من الخبرة والدهاء وأنها تحتاج إلى حسابات هائلة لم تكن وصلت وأوصلتنا معها إلى هذا الطريق .. هي دعوة للمراجعة صحيح أن انسحاب حماس هو بداية مراجعة على النمط التونسي الذي تجاوز أزمته باقتدار، لكن من المهم إعادة التفكير بكل شيء فهي جزء من النظام السياسي الفلسطيني الذي يشكل وجودها خلاله لكن بتواضع اكبر أحد أشكال التعددية التي يحتاجها أي نظام ديمقراطي نتمناه ..!

Atallah.akram@hotmail.com
   
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: