مصر اختارت طريقها ولم تعد على أي مفترق بقلم: د. عبد المجيد سويلم

2014-06-09



ما زالت أصوات كثيرة بما فيها أصوات محسوبة على الجماعة الوطنية في مصر ترى في واقع مصر اليوم وحتى بعد الانتخابات الرئاسية المصرية والنجاح الساحق للمشير السيسي، وبعد أن بلغت نسبة المشاركين في الانتخابات ما فاق كل التوقعات السابقة على هذه الانتخابات... ما زالت تلك الأصوات ترى مصر على مفترق طرق كبير.
يمكن الحديث دائماً عن مفترق الطرق ولكن مفترق الطرق في الحالة المصرية هو الاختيار ما بين توجهات ورؤى وسياسات مختلفة إلى درجة «الافتراق» أو متعارضة إلى درجة السير في اتجاهات متعاكسة أو حتى متناقضة إلى درجة الصراع والاحتراب المكشوف.
فهل ما زالت مصر على مفترق من هذا القبيل؟ وأين هو المفترق الذي قد يؤدي بمصر إلى اختيارات بديلة عن خارطة الطريق وعن التوجهات ببناء دولة ديمقراطية حديثة وعصرية ومدنية؟
وأين هو مفترق الطرق إذا كان الدستور نفسه يقيد الرئيس في أكثر مفاصل العمل السياسي أهمية وتأثيراً (السلطة التنفيذية) على الأقل في المرحلة القادمة في حياة مصر السياسية؟ وكيف يمكن الحديث عن مفترق الطرق إذا كان الشعب المصري قد تجاوز كل حواجز الخوف والتخويف ونزل بالملايين للإدلاء بصوته في ظل كل مظاهر الترهيب التي سادت الأجواء قبل وأثناء الانتخابات؟
عن أي مفترق يتم الحديث؟
هل هو مفترق الدولة الأمنية التي سبقت ثورة الخامس والعشرين من يناير؟
هل هو مفترق «العودة» إلى الدولة الإخوانية؟
هل يوجد أي ظهير سياسي على المستوى الداخلي وعلى المستوى الإقليمي وكذلك الدولي لمثل هذا المفترق؟
هل تدخل الجيش أصلاً في الحالتين، حالة مصر بعيد ثورة يناير وحالة مصر بعيد ثورة يونيو إلاّ على وقع الموقف الشعبي؟
في منهج قراءة «الربيع العربي» هناك الكثير من الارتباك وهناك القليل القليل من وضوح الرؤية.
إن استخدام كلمة الثورة في وصف الانتفاضات الشعبية أمر تعوزه الدقة العلمية، ذلك أن الثورة تطلق في «الاستخدام العربي» لها على حالات لا تعكس بالضرورة مثل هذه الدقة.
الثورة على كل حال هي فعل عميق ومتغير جوهري في العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ينطوي على توازنات اجتماعية جديدة واصطفافات طبقية جديدة، وعلى أسس وركائز سياسية واقتصادية مختلفة عن مرحلة ما قبل الثورة بصورة جذرية أو صميمية.
أما الانتفاضات فإنها مجرد مشاريع للثورة وهي لا تتحول إلى ثورة حقيقية بدون إحداث ذلك الفعل العميق والجوهري في العلاقات التي أشرنا إليها.
في العادة يبدأ التغيير في العلاقات السياسية ومع تعمق المحتوى الاجتماعي للتغيير تبدأ العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بالتغيير سواءً بصورة متدرجة أو متسارعة وحادة.
وبهذا المعنى فإن الثورة العربية الحديثة الوحيدة هي الثورة الناصرية لأنها أحدثت هذا التغيير مع أنها لم تكتمل في شقها الديمقراطي، وربما أن هذا العامل بالذات هو الذي أودى بها.
أما واننا نستخدم مصطلح الثورة للتعبير عن حالة التغيير فإن مصر اليوم ليست على مفترق طرق على الإطلاق، بل هي في الواقع بدأت بهذا التغيير من خلال إسقاط النظام الأمني السابق على ثورة الخامس والعشرين من يناير ثم تنحية المجلس العسكري والشروع بالعملية الديمقراطية.
 «الإخوان» سرقوا الثورة وحاولوا تأسيس دولتهم على أنقاض الدولة الأمنية السابقة لكنهم في إطار سعيهم هذا لم يتوانوا عن معاداة الكل الوطني من الجيش ومروراً بالشرطة فالقضاء والإعلام والنقابات والمثقفين والأدباء والكتّاب، إلى درجة أن العقل الإخواني دمر أكبر تنظيم عربي وإسلامي عرفته المنطقة على مدى عقود كاملة وضحوا بكل شيء بما في ذلك الأمن القومي وألقوا بأنفسهم وبصورة خسيسة في أحضان الولايات المتحدة في محاولة الحفاظ على «دولتهم» الدينية «المنشودة».
هنا انتفض الشعب المصري وصحّح المسار واختار الطريق. حاول الإخوان وأعوانهم إعاقة الاختيار المصري الجديد ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً رغم الإرهاب والقتل ومحاولة إعاقة التقدم نحو مشروع جاد للثورة في مصر.
بعد إقرار الدستور وانتخاب الرئيس والتحضير للانتخابات النيابية تكون مصر قد تجاوزت المفترق وشقت طريقها وحددت مسارها واتجاهها ووجهتها.
من يعتقد أن خط الثورة هو خط مستقيم هو واهم، ذلك أن كل المتغيرات الثورية الكبيرة تشهد الكثير من التعرجات وأحياناً المنحنيات، وهناك فرق شاسع بين قراءة هذه التعرجات والمنحنيات باعتبارها هي الوجهة والاتجاه وبين قراءتها باعتبارها مرافقات طبيعية لحالة التغيير على طريق الثورة.
وكما كانت ثورة 23 يوليو مجرد انقلاب عسكري وطني تحول إلى ثورة عميقة فيما بعد، فإن ثورة 25 يناير وثورة الثلاثين من يونيو ليستا سوى بداية التحول التاريخي الجديد في مصر مع فارق كبير ولكنه فارق جوهري على كل حال.
مشروع الثورة الجديد يحدث في ظل وعي شعبي عارم لمتطلبات نجاح المشروع والاستعداد التام لحمايته في كل لحظة وعند كل خطر أو محاولة للالتفاف عليه.
لهذا كله، فإن مصر تدشن مرحلة التحول إلى الدولة الحديثة وإلى دولة التنمية والحرية والعدالة والكرامة الوطنية، ومصر تعود تماماً كما كانت عليه الدولة المصرية في العهد الناصري للدور القومي والعالمي الكبير بكبر هذه الدولة العملاقة والعريقة.
ومصر هي اليوم في مرحلة متقدمة من مشروعها الثوري.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: