فلسطين ومصر وصناعة التاريخ ... بقلم: طلال عوكل

2014-06-09



حدثان كبيران وتاريخيان في المنطقة العربية وقعا على نحو متلازم خلال الأسبوع الماضي، يقدمان مؤشرات قوية على طبيعة المرحلة المقبلة، وسط الاضطراب المستمر في أوضاع العديد من الدول العربية، نظراً لمكانة وأهمية كل منهما في التأثير على مجريات الأمور داخلياً وخارجياً.
المصالحة الفلسطينية التي بدأت أولى خطواتها العملية بتشكيل وإعلان حكومة التوافق الوطني، تشكل بداية مرحلة تاريخية في حياة الشعب الفلسطيني، ومعالجة لانقسام يمتد زمنه إلى ما قبل وقوع الانقسام الأخير قبل سبع سنوات، إلى ما قبل اتفاقيات أوسلو. كان دقيقاً في خطاب الوداع، حين قال الرجل الثاني في حركة حماس اسماعيل هنية «إن المصالحة شكل من أشكال الاستدراك التاريخي».
ربما لا يتذكر الفلسطينيون لغة الاستدراكات، بالخير، نظراً لأنها ارتبطت في أذهانهم، بقسط من منظومة التبريرات التي رافقت حوارات المصالحة، وأنتجت العديد من خيبات الأمل، لكن الاستدراك التاريخي الذي يتحدث عنه هنية يلخص بقوة، عنوانا بحثيا، لمدى عمق وأهمية المتغيرات التي شهدتها «حماس» منذ تأسيسها حتى اللحظة، وجعل المصالحة أمراً ممكناً، ينطوي على كل خصائص الضرورة.
يذهب الاستدراك التاريخي، إلى مراجعة وتعديل أسس وقواعد نشأت عليها «حماس» منذ تأسيسها وما قبل، وتتصل بموقف الحركة من منظمة التحرير الفلسطينية وحيث تأسست الحركة كبديل للمنظمة التي توصف بالعلمانية، وتتصل أيضاً بالموقف من أوسلو، والسلطة التي أنجبها اتفاق أوسلو، واستطراداً، يذهب الاستدراك التاريخي إلى الموقف من الأمم المتحدة، وقراراتها ودورها، والموقف من أشكال النضال، والموقف من أولويات الحركة، باعتبارها جزءا من جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم أممي.
المصالحة ليست استدارة تكتيكية، تفرضها ضرورة الاستجابة لمتغيرات الواقع عربياً وفلسطينياً، وحتى لو ظن البعض أنها كذلك، فإن قراءة القادم من التطورات العربية والفلسطينية، تشير إلى أن مفاعيل هذه الضرورة مستمرة في تأثيراتها وانعكاساتها على المشهد السياسي الفلسطيني.
في قراءة أبعاد المصالحة نلاحظ أن حركة حماس، تتجه نحو تركيز أولوياتها على الأجندة والعناوين الوطنية الفلسطينية، بما يعنيه ذلك من حرص على الابتعاد عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، ومغادرة سياسة المحاور، وإقامة الحسابات السياسية على خطى سياسة تنظيم الإخوان في المنطقة، ما يعطي تفسيراً لقول هنية إن غزة ليست ولن تكون إمارة ظلامية، وإنما هي منارة مضيئة. ونلاحظ أيضاً أن الحركة تناضل من أجل الانخراط في منظمة التحرير الفلسطينية وفي مكونات النظام السياسي الفلسطيني بما في ذلك سلطة أوسلو، بكل التزاماتها، وأدواتها واستتباعاتها السياسية وغير السياسية. الحركة لا تتنازل عن برنامجها ولا عن أهدافها وإنما هي بذلك، تقرر خوض التنافس مع البرامج والفصائل الأخرى، على سلطة القرار من داخل المؤسسة الفلسطينية الرسمية.
وفي السياق ذاته، تنسجم المفردات السياسية مع هذا التوجه العام، حيث تعبر الحركة عن تصاعد اهتمامها بالشرعية الدولية وقراراتها، وبالساحة الدولية عموماً، كما تعبر عن مرونة في النظر لديناميكية أشكال النضال، وأولوياتها في ضوء كل مرحلة من المراحل، بحيث لم تعد تصر على الكفاح المسلح، كأسلوب وحيد، لتحقيق الحرية والاستقلال، وهو موقف غادرته فصائل منظمة التحرير الفلسطينية منذ زمن بعيد.
وعلى امتداد هذه الرؤية، ثمة تغيير في النظر لقضية الشرعيات، إذ لا تكفي الشرعية الدينية، ولا الشرعية الثورية، ولا شرعية صندوق الانتخابات، أو الشرعية الشعبية، لتحقيق النجاح للبرامج والأهداف، فكل من هذه الشرعيات وكلها لا يمكن أن تنجح بدون النظر لمواقف الشرعيات العربية والدولية.
وإذا كان علينا أن نراقب ونتابع هذه التحولات، ومدى جديتها وعمقها واستمراريتها فإن المصالحة بما أنها عملية طويلة، معقدة، وشائكة طالما أنها تستهدف إعادة بناء الحركة الوطنية، والمؤسسة الوطنية الفلسطينية، هذه المصالحة ستكون ميدان اختبار حقيقي، لمدى قدرة حماس والحركة الوطنية القائمة على إدخال التعديلات الضرورية وتجديد الخطاب السياسي والعملي، انطلاقاً من قراءة سليمة وموضوعية للمتغيرات التي تحيط بكل الملف الفلسطيني.
وباختصار شديد، لا يخفى على أحد، أن أول وربما أهم مخرجات المصالحة وتشكيل وإعلان حكومة الوفاق الوطني، هو هذا المشهد الدولي، الذي يرحب ويتعاون مع هذه العملية، ويحشر إسرائيل في زاوية، تجعلها تعبر عن خيبة أملها من موقف حليفتها التاريخية، الولايات المتحدة، كحدث نادر في تاريخ العلاقات بينهما.
وبدون أن ننتظر أو حتى أن نتمنى من حركة حماس تغيير موقفها من إسرائيل أو حتى من المفاوضات، فإنها، قد أصبحت على قدم المساواة مع فصائل منظمة التحرير وبما في ذلك حركة فتح، التي تقود المنظمة، والتي لم تعترف بإسرائيل، لا هي ولا غيرها من الفصائل الفلسطينية التي ظل معظمها يرفض ويعارض اتفاقية أوسلو ويرفض ويعارض المفاوضات، والتنازلات عن الثوابت الفلسطينية.
أما الحدث التاريخي الآخر، الذي ينطوي على أهمية، فهو إنجاز مصر الاستحقاق الثاني في خارطة الطريق، وهو الانتخابات الرئاسية، بعد إقرار الدستور، وفي انتظار، إتمام هذه الخارطة بإجراء الانتخابات البرلمانية.
للمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث، يتسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي، الرئاسة خلفاً لرئيس وهو عدلي منصور، ففي كل مرة تسلم فيها رئيس مهامه، لا يكون الرئيس السابق، إلاّ مقتولاً، أو معزولاً، أو متوفى.
والحقيقة أن فوز الرئيس السيسي، لم يكن عادياً، ولم يكن استفتاء على مرشح كما حصل مع الرئيس السابق المخلوع حسني مبارك، وإنما من خلال انتخابات ديمقراطية نزيهة، حصل من خلالها على تفويض شعبي حاسم، كانت المرحلة التي سبقت الانتخابات قد حضرت له، حين برز خلالها السيسي كمخلص ومنقذ.
مصر القوية، مصر الديمقراطية، مصر الفاعلة إقليمياً، هي مؤشر إلى أمة عربية قوية، وناهضة، وهي مؤشر إلى بداية تعديل في موازين القوى الإقليمية لصالح القضية الفلسطينية، وهي التي تستطيع التأثير في الاستراتيجيات الدولية إزاء المنطقة العربية وأهلها.
مصر اليوم تقف على أعتاب مرحلة جديدة، تحتاج إلى الدعم المالي، والسياسي، والمعنوي، أكثر مما تحتاج إلى النصائح والدعوات، فشعبها الحي، عرف طريقه إلى المستقبل الواعد، وليس لنا إلاّ أن نتمنى لها، الاستقرار، والهدوء، والبدء بمعالجة الأزمات الكبيرة التي ألمّت بها خلال المرحلة السابقة، وتسببت في إرهاقها اقتصادياً، واجتماعياً وسياسياً.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: