أحلام بشارات: تهريب فلستيا المعتم

2014-06-06

أنس أبو رحمة
تقول أحلام بشارات إنها ستكتب رواية للفتيان فتكتب رواية تربك الفتيان وتتحدى لغتهم وطمأنينتهم، ويحتفي بها الكبار ويحبونها، ثم يغضبون منها "إنها لا تصلح للصغار".
صاحبة "تأبينات زرقاء" والمولودة في "طمون"، لا تكف عن البحث في عوالم هذا الجيل ومشكلاته والتباس الهوية واللغة لديه.
في روايتها الأولى "اسمي الحركي فراشة" حملت أسئلة الفتيات، من عتمة المدارس وحصص البيولوجيا إلى ضوء السرد، لتقول بعضا من أسئلة يخبئها هذا الجيل، خجلا أو خوفا، سواء عن الوطن، أو المجتمع، أو الجسد.
وفي روايتها الجديدة "أشجار للناس الغائبين"، منشورات مؤسسة تامر - رام الله " تواصل زرع الشجرة ذاتها في أكثر من حقل فتشتبك مع الكل، كالعادة، الصغار والكبار، على الموضوع وعلى اللغة.
فلستيا السارد في الرواية والبطلة، تسحبنا معها الى زمن الهزائم والفشل الوطني والاجتماعي، الذي تعيشه هي وعائلتها. عائلتها في قرية دير صبرا، وهي تتنقل بين دير صبرا ومدينة نابلس، حيث تدرس وتعمل في حمام النساء.
إنه زمن مصادر تقريبا، من الجنود الذين يسجنون ابا الساردة - من خمس سنوات-، ويقطعون أشجار الزيتون كما في فصل " هل من مكان آخر تنمو فيه الاشجار"، ومن عمة فلستيا التي لا تريد لها أن تعمل في حمام المدينة، حيث تجتمع النساء عاريات هناك.
بشارات تكتب رواية عن فتيان يعيشون في زمن التيه، وتكرر الاشتباك: لعبتها مع نفسها ومع الآخرين، ليكون المكان/ البطل في روايتها الحمام النابلسي، بما يخبئة من ثيمات الجسد، والتعري، والاجتماعي المكبوت. مكان معتم وممنوع على الفتيات، وممنوع الخوض فيه كتابيا لفئة الفتيان.
زمنان بلا هواء تقريبا: زمن الكاتبة وزمن الساردة، لذا تُهّرب الكاتبة ساردتها إلى أمكنة مفتوحة لتبدد هي عن زمنها جزءا من الاختناق الذي يشل المكان والعقلية والمخيلة الاجتماعية. أما ساردتها فتهربها داخل الرواية إلى زمان آخر، زمن حبيبها بيرقدار.
ترث فلستيا حكمة الجسد والتعامل معه من جدتها زهية، ولادة القرية وغاسلة الأموات فيها "علمتني أول اسرار الحياة وأول اسرار الموت. مدت يدها وعصرت بطن الميتة. مسحت بالفوطة ما خرج من أنفها ومن فمها، ومن بين فخذيها"، وحين تموت الجدة لا تجد من يغسلها إلا الساردة الحفيدة ابنة الرابعة عشرة.
تدخلنا بشارات من خلال فلستيا إلى الحمام وحياته اليومية :5 أيام للرجال ويومين للنساء، لكنها لا ترسمه تماما، تؤثثه بالماء والصابون وبعض الأحاديث الجريئة عن العانة والثدي واليومي، وقصص الحب خاصة الزائرات، " تمددت أمامي على الحجر فوضعتُ في كفي الكيس الأسود الخشن القادم من حلب، ودعكتُ لها جسمها، قالت لي أريد أن أضحك، افركي لي باطن قدمي"، لكنها لا تذهب بعيدا في وصفه وخلق عالم متكامل له من خلال الغوص أعمق في مادياته ولغته وسيكولوجيته، بل تكتفي، وهو هدفها الأساس، بأن تصنع من المكان فسحة حُلمية لساردتها، حيث تلتقي فيه ببيرقدار، فتى كان يعمل في ذات المكان، لكن في زمان آخر.
تبني بشارات بطلا موازيا للبطلة الساردة، بيرقدار، شخصية روائية بملامح وصفات وتاريخ.
هو يعمل في الحمام زمن الانتداب الانكليزي، وهي تعمل في الحمام زمن الاغتراب الفلسطيني بعد الانتفاضة الثانية واجتياح الميركافا والبنوك والمستثمرين للمكان الفلسطيني وتحويله الى سوق للاتجار بالبشري والفكري ومقصلة لقتل الأحلام.
وتتقاطع الشخصيتان ليس فقط في مكان العمل بل في الحالة الوطنية والاجتماعية، فأبو بيرقدار سجين في عهد الانتداب البريطاني، وجده "بيرقدار" يهرب من الجيش التركي ويقاتل ضد الانجليز، ويستشهد في الحرب العالمية الثانية.
لكن بيرقدار في زمن مهزوم أيضا، فهو يسكب الماء في الحمام على رجال يخدمون في الجيش الإنكليزي، أما أقارب الساردة فيعملون في المستوطنات.
بشارات كتبت ذلك قبلا في اسمي الحركي فراشة عن الصراع النفسي لفتاة يعمل ابوها في المستوطنة.
إنها تورطنا في ذلك دائما، دون أن تعطي أي وصف أو تنتقد، تسحبُ أبطالها إلى أماكن التباس في حياتهم، ثم يشيرون عليها كما لو أنها صدفة سردية، دون تخطيط مسبق منها ومنهم.
"قلت له تمرد يا بيرقدار. لقد مضى الزمن يا فلستيا.أنا الآن في الماضي. أما أنت فمن الحاضر".
تكتب أحلام عن زمنين يكادان يكونا ذات الزمن، زمن الغزاة والهزيمة في الروح والجغرافيا، لكن هناك من يناضل كالأب في كلا الزمنين، وعن فلسطين المحتلة ذاتها، التي تُسمى فلستيا على اسمها، وبيرقدار " حامل الراية" يسمى على اسم جده، لكن كل ما حول الشخصيتين يقود إلى السقوط.
لهذا تخلق بشارات حقيقة أخرى "الحقيقة ما نصدقه ونحميه"، فتحب فلستيا بيرقدار الذي يزورها في الحلم دائما، وتمشي معه يدا بيد في طرقات نابلس، إنه حقيقتها الوحيدة، في زمن الهشاشة، هشاشة الحب حتى، وبشارات تعرف ذلك جيدا إذ تقول في مكان آخر: "إن استطعتم أن تحبوا فأحبوا وإن استطعتم أن لا تفشلوا فلا تفشلوا"، لهذا لا تريد بشارات لفلستيا أن تحب وتعيش في زمانها الحقيقي، لأن الفشل بكل حالاته هو المصير شبه المحتوم لكل ما يُجترح هنا في منطقة أشجار الناس الغائبين، لكن تهريبها لفلستيا يظهر كما لو أنه مغامرة: مغامرة سردية ناجحة، لكنها معتمة على صعيد حياة كائنات الرواية.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: