فصل من رواية جديدة لـ عاطف أبو سيف

2014-06-06

الجنازة
خرج سكان المخيم لاستقبال الجثمان. اصطفت النسوة في طابور على جانبي الطريق الترابي المفضي إلى التلة. ريح الخريف اقتلعت الأوراق عن أغصان شجرة التين خلف سور البيت، حيث كان كبار السن يقفون، يتقون أشعة الشمس الباهتة. العميد صبحي لم يحسن هندام سترته الزرقاء فيما جعبة مسدسه فارغة، ويده اليمنى تتحسس خصلات شعره المصبوغة ليتأكد من أنها تغطي جلدة رأسه. ناحت النسوة وهن يلوحن أيديهن في وجه السماء التي بدأت تتلبد بالغيوم، فيما جاء مئات التلاميذ يحملون حقائبهم المدرسية على ظهورهم. لم يبد على وجوههم الحزن، فهم لم يدركوا الموقف. لم يكن الأمر أكثر من مجرد فرصة لتعطيل الدراسة لنصف نهار آخر. بعد هنيهة جاء ناظر المدرسة محفوفاً بالمدرسين والعاملين في المدرسة، لابد أن يمسح عرقه بمنديله الزهري اللامع حتى يلتفت الجميع للمجهود الذي بذله في الوصول إلى التلة حيث ستنطلق الجنازة. مال على عضو المجلس التشريعي سائلاً لماذا لم تقم مديرية التربية والتعليم بإخراج المدارس للمشاركة في الجنازة، فالمصاب جلل والفقيد ابن عزيز على المخيم وساكنيه.
اشتدت الريح قليلاً وتطايرت أوراق أشجار التين، حملت معها بعض الرمل، في عواصف صغيرة تسير على وجه الطريق مثل خربشات طفل بقلم الرصاص ... دوائر دوائر دوائر. تدلي غصن الشجرة من فوق الجدار ومع اشتداد الريح صار يدور معها مثل يد تلوح بالوداع. أطلت يافا من نافذة الشباك خلف سور البيت. أمسكت بمنديلها الابيض المطرز بزهرات حمراء وشدته على رأسها، إلا أن الريح افلحت في اقتلاع المنديل عن رأسها فطار خارج السور، مثل طير خفق فوق غصن التينة قبل أن يعلق به. بدا شعرها الكستنائي أملس ناعماً ينسدل خلف كتفيها حين باغتتها الريح. لم ينتبه أحد بعد للشعر الذي صار عليه لزاماً ان يقاوم الرغبة في الطيران أيضاً. وضعت يدها على شعرها ثم راقها أن أحداً لا ينظر إليها، فوضعت يدها على حافة النافذة وواصلت تأملها للمشهد.
كان الحزن يطلي الوجوه، يسكن الأعين، ينتشر عبر النظرات، يسيطر على رعشة الأيدي وهمهمة الشفاه، يدفع الأرجل للحركة المقيدة على طين التلة. ثم سكنت الريح واستقرت أوراق أشجار التين على الأرض، وسقط المنديل المعلق بأغصان الشجرة على وجوه الواقفين خلف السور، وطار من وجه إلى وجه مثل فرخ عصفور يتعلم الطيران، اشرأبت الأعناق إلى فوق، وجالت الأنظار في كل مكان بحثاً عن الشعر المكشوف "اللي بان سره" قبل قليل. كانت يافا قد ابتعدت عن النافذة بل وأغلقتها، وبان البيت من خلف المربعات الخشبية المصفوفة بعناية، مثل صندوق حكايا غريب، لابد أن تخرج منه القصص مثل ماء يجري بين الأصابع. هرعت للحاق بالجنازة.
خرج الشباب يحملون الجثمان على دكة خشبية ملفوفاً بالأعلام والكوفيات، وجوههم صارمة تفصح عن غضب كبير داخلهم. هكذا كانت نهاية نعيم. صفقت الريح باب البيت فيما الموكب يسير ببطء تاركاً إياه لنهش الأخيلة والصور المكسرة التي ستموت مع الزمن. كان البيت الصغير المكون من غرفة وصالة صغيرة، مسقوفاً بالقرميد الرمادي، يجلس في حضن التلة الصغيرة، غير بعيد عنه يوجد بيت الحاج خليل. في الحقيقة لم يكن على التلة إلا خمسة بيوت، تبدو مثل عيون ماء في صحراء. وكان الضوء الخافت المشتعل داخل البيوت في ساعات الليل الأولى يجعلها تبدو مثل فوانيس رمضان ملقاة على الأرض. ثم سرعان - وبعد ساعات قليلة وفيما الليل في مطالعه- ما يخفت الضوء ويموت فتغطس البيوت في العتمة. ومن خلف الستائر الشفافة للنوافذ، كان يمكن أن يُرى ظلال الساكنين مشغولين في ترتيب أشيائهم قبل النوم، وقبل أن تهدأ الحركة بشكل نهائي. لم يكن يصدر عن التلة أي صوت إلا مواء القطة التي كان نعيم يعتني بها ويسكنها بجواره. أو ثغاء الماعز البيضاء المرقطة التي كان الحاج خليل يُرى كل صباح جالساً على حجر صغير أمام البيت يحلبها ليشرب حليبها. أما الديك الهرم في حظيرة منزل أبو جورج، فلم يسبق له أن صاح، بل لم يكن يصدر عنه أي صوت، لدرجة أن الجميع ظن أنه أخرس.
"وهل تكون الحيوانات خرساء!!".
" يمكن".
سار الجثمان محمولاً على أكتاف الشبان وسط الهتاف والتكبير، التحق الواقفون بالمسيرة التي صارت تكبر وتكبر حتى ابتلعتها بوابة المسجد الكبير وسط المخيم. وضع الجثمان امام المحراب ووقف الشيخ حسن يلقي موعظة عن الجنة والحور العين ووعد الله بالنصر الذي لا يتأخر، وسرد قصصاُ عن بطولات الصحابة والتابعين، واجتهد في توصيف الواقع الذي يحياه الناس على أنه محنة وابتلاء من الله وأن عليهم أن يصبروا مثل صبر السابقين. بدأ الناس يتثاءبون ويتنحنحون، فقد أطال في الحديث وأسهب في الشرح. لكنه لم يلتفت إلى هذا. في معمعة هذا الاحتفال البلاغي الذي كان يستعرضه ضاع الجثمان، لم يذكر عنه شيئاً، حتى وقف العم يوسف متكئاً على عكازه، وقال "يا شيخ حسن بكرا بتكمل خطبتك، خلينا نصلي على الشهيد وندفنه قبل ما تشتي الدنيا". ارتبك الشيخ، لملم أطراف عباءته التي اشتراها من مكة خلال حج السنة الماضية، وأراد أن يهم بالصلاة، فوقف العم يوسف مرة أخرى، هذه المرة حاملاً عكازه بيده مشيراً للشيخ "يا شيخ حسن أذكر مناقب الميت".
وقبل أن تدلف المسيرة الجنائزية إلى الطريق العام، الذي سيسيرون فيه مئات الأمتار، حيث سيدلفون منه إلى الطريق الطيني الذي تقع فيه المقبرة، ذهبت الأنظار فجأة صوب نهاية الطريق الترابي حيث ترقد التلة التي سكن فيها الفقيد طوال السنين الماضية، انثنت رقابهم للخلف حيث رمقت عيونهم المكان، كأن عيون المشيعين تودع التلة، وربما اعطوا الميت الفرصة ليلقي النظرة الأخيرة على عالمه الحقيقي في التلة.
تفصل التلة المخيم عن العالم الخارجي من جهة الشرق، حيث ترقد على حافة الطريق المسفلت العريض الذي يفد إلى المخيم من جهة البيارات والحقول التي تفصل المخيم عن الحدود. ثمة مداخل كثيرة للمخيم واحد لجهة مدينة غزة وآخر لجهة طريق البحر وثالث لجهة الأحياء السكنية الجديدة التي تلف المخيم من جهة الشمال. في الحقيقة التلة ليست أكثر من مساحة مرتفعة من الأرض الطينية تكسوها أشجار السرو والكينيا وبعض الحمضيات، لكنها تبدو مثل أسد رابض يراقب الطريق. فيما مضى وقبل سنوات لم يكن ثمة شيء على التلة إلا البيت الطيني القديم الذي يسكنه الحاج خليل، حيث النوافذ مشرعة على المخيم، وباب البيت يقف شاهداً على المارة والعربات. الآن صار هناك خمسة بيوت وصارت الحركة اكثر ألفة فيها.
عموما كل شيء كان يبدو هادئاً في جهة التلة مثل رسمة أنتيكا معلقة على جدار البيت، لا أحد يخربش عليها، هادئة ثابتة رزينة وربما مملة بعض الشيء، خاصة لسكان المخيم الذين اعتادوا الأكشن منذ أن سكنوا المخيم لاجئين من قراهم ومدنهم بعد حرب 1948، حيث لم تتوقف الحروب ولا هجمات الجيش عليهم. كانت حياتهم ترانزيت لا ينتهي. لا شيء في المخيم يقترح الاستقرار والاستدامة، فالبيوت غير منتظمة، الشوارع والأزقة تضيق وتتسع بدون أي تخطيط. وحده البيت على التلة كان يدعو إلى استقرار لا يتحقق.
في حقيقة الأمر لم يكن هناك تلة ولا ما يحزنون. على طرف المخيم الشرقي ثمة قطعة صغيرة من الأرض مرتفعة عشرين متراً ليس أكثر، أرضها طينية مع بعض التكلسات الجيرية في بعض أطرافها. كانت في الماضي وقبل أن يقام المخيم محطة للجيش البريطاني ومن قبله التركي ينصبون الخيام ويفككونها ويذهبون، وكان الناس في الماضي يسمونها تلة الجيش. بعد احتلال إسرائيل للمخيم عام 1967 قام الجيش الإسرائيلي بما قام به سابقوه فنصب خيامه على التلة، بيد أن رصاصة، لا أحد يعرف حتى الآن من أين أطلقت، أصابت ضابط الدورية الإسرائيلية فأردته قتيلاً. يومها كان يراقب المخيم بمنظاره العسكري حين وقع مثل حجر ضخم من فوق التلة وتدحرج حتى قاع الشارع. اعتقل الجيش كل رجال المخيم فوق سن 18 سنة، وفتش البيوت بيتاً بيتاً، قلب عاليها واطيها، كسر الأثاث والزجاج، مزقوا فرشات الأسّرة. لم يجدوا شيئاً. بدؤوا بإطلاق سراح العشرات بعد شهر، وبقي عندهم أكثر من عشرين شاباً قيل أن لهم علاقة بالتنظيمات. لم يكن هذا بيت القصيد. المهم رحل الجيش عن التلة. في تلك الليلة التي رأى فيها الناس الجيش ينسل في عتمة الليل تاركاً التلة، ضحك المختار الكبير. ضحك ضحكة جلجلت المخيم. قال ساعتها لندمائه في حوش البيت وهو يمسك مبسم نرجيلته، التي سيعيد التأكيد على مسامع مجالسيه كل مرة أنها نرجيلته في شبابه حملها معه من دكانته في يافا عند النكبة "عزيزة وغالية". قال المختار الكبير: "هاي مش تلة، هاي جبل". أخذت النشوة الجميع وضحكوا، وقرقرت النرجيلة، وأعاد الليل ترديد صدى ضحكاتهم. وصار الناس يطلقون على التلة الصغيرة "الجبل". وصاروا ينظرون إليها بكثير من الكبرياء، فعلى سطحها قتل الضابط ومنها فر الجنود حاملين امتعتهم في الليل. تستحق أن تكون جبلاً.
كانت تلك حكاية شكلت ذاكرة صلبة حول التلة، تعارضت مع ذاكرة سابقة سيطرت على نظرة الناس للتلة طوال الفترة السابقة لقصة مقتل الضابط الإسرائيلي. أما الذاكرة السابقة فكانت قصة القصف المدفعي الذي تعرضت له الخيام التي نصبها بعض سكان المخيم أول أشهر لهم بعد النكبة على التلة، وأدى إلى احتراق بعض الخيام ومقتل عائلتين وإصابة عائلات أخرى. ظلت التلة مكاناً منحوساً لا يقترب منه أحد، فارتفاعها يجعلها أكثر عرضة من غيرها للقصف ولنيران القناصة، خاصة أن ما يفصلها عن الشريط الحدودي حزام عريض من بيارات البرتقال والليمون. يومها اشتعلت النيران في الخيام واستيقظ الناس مفزوعين وهم يرون خيامهم ألسنة لهب، ولم تكن ذاكرتهم قد جف منها حبر الأحداث المؤلمة التي طردتهم خارج بيوتهم الآمنة وحقولهم الخضراء. كانوا مثل الممسوسين يتلفتون كلما سمعوا صوتاً أو شكوا في شيء. النتيجة أن التلة لم تعد مكاناً آمناً بالنسبة لهم. حتى الصعود إلى التلة لم يكن مرغوباً. وصارت التلة جزءاً من الذكريات الأليمة. مع قصة مقتل الضابط الإسرائيلي وعبارة المختار "هاي مش تلة، هاي جبل" اختلف كل شيء. صارت التلة شيئاً أثيراً محبباً. لم تعد عدواً يخشى، بل صديقاً ينظر إليه بالرضى والمحبة. حتى حين تمدد المخيم وصارت الناس تبتني بيوتاً في الأراضي المجاورة للمخيم، لم يقترب أحد من حواف التلة. بل إن دعاوى ناظر المدرسة بتحويل التلة إلى متنزه مثلاً أو ملعب كرة قدم يلعب فيه الأطفال، بدل أن يغبروا ملابسهم وهم يلعبون في شوارع المخيم، كلها دعوات باءت بالفشل. لم يرد أحد أن يقترب من التلة. يجب أن تترك على حالها.
ولم تترك على حالها كثيراً، إذ بعد أقل من شهر من دعوة ناظر المدرسة، جاء الحاج خليل وسكن فيها. وصل فجأة، هبط من سيارة البيجو "504" البيضاء وسار باتجاه الجبل. ألقى التحية على من يمر بهم. في الصباح كان العمال قد بدؤوا في تشييد البيت الصغير، كان يراقبهم ممسكاً بمسبحته الفضية والفرحة واضحة على وجهه المستدير. وعلى عكس المتوقع لم تثر ثورة الناس في المخيم، ولم يصدر عنهم احتجاج كثير. بل إن المختار ذهب بعد يومين وعزم الوافد الجديد على الغداء.
لا أحد يعرف تحديداً القصة كاملة، فالحاج خليل قرر أن يبني بيتاً على التلة قبالة المخيم في ذلك النهار التموزي القائظ، قبل أكثر من عشرين سنة. هب كل رجال المخيم لمساعدة الحاج في بناء بيت من الطوب والطين يؤويه وزوجته وطفلته التي بالكاد كانت قد بلغت الخامسة. وقف المختار وناظر المدرسة يشرفون على عملية البناء. جلس المختار على كرسي خشبي عريض وأخذ يقوم بدوره الاجتماعي يعطي التعليمات ويقدم المشورة، وكان على الجميع أن يسمع. مر الحاكم العسكري من الشارع الذي كان ترابياً في ذلك الوقت. نزل من الجيب ونظر إلى أعلى حيث الناس منهمكة في العمل، ثم صعد الممر الصغير المفضي إلى البيت الجديد وأشار للمختار وهو يقول إن الجيش سيحّمل المختار أي مسؤولية أمنية عن ذلك. وقف المختار وسار بعيداً باتجاه شجرات السرو، فيما نزل الحاكم العسكري الطريق، واثار غباراً كثيفا خلف عجلات جيبه المصفح.
في البداية كان الناس يسمونه الغريب، بعد ذلك عرفوا ان اسمه الحاج خليل. توافد الناس إلى بيت المختار يسألون عن سبب سكن الغريب على التلة، التي لم يجرؤ أحد على السكن فيها منذ نشوء المخيم في أوائل الخمسينيات بعد النكبة. "يعني مين هو يا مختار؟" لم يملك المختار إجابات محددة، أو على الأقل لم يكن يرغب الخوض في التفاصيل. كان نعيم أول من قابل الغريب. كان ذلك في ساعات الظهر حيث كان الغريب يقف على مدخل الشارع المفضي إلى المخيم مع زوجته وطفلته. كانت الحيرة تشتعل في داخل الغريب، وكان لهيبها يمس من يمر بجواره. ابتسم نعيم وهو يلقي التحية ثم لم يصبر كثيراً حيث أدرك بأن الرجل غريب. عرض عليه أن يقيم عنده في البيت وخلال ذلك يفكر فيما سيفعل. أشار الغريب إلى التلة وقال انه سيبني بيتاً هناك. حرك نعيم حاجبيه في استغراب واضح وهو يقول إن أحداً لم يسبق أن سكن على التلة. سكان المخيم نصبوا عليها الخيام بعد النكبة مباشرة إلا أن الجيش الإسرائيلي قصفها بالمورتر فقتل عائلتين وحرق الخيام وتمزقت الجثث. منذ ذلك الوقت نزل الناس عن التلة وسكنوا في السهل الممتد الذي بات يعرف بالمخيم. ومنذ ذلك الوقت، التلة بالنسبة لهم شيء جميل لكنه غير مرغوب. في تلك الليلة التي بات فيها الغريب في بيت نعيم التقى الفتى سليم ابن الرابعة عشرة مع الطفلة ذات الجديلة الطويلة خلف ظهرها وعرف أن اسمها "يافا" ولعبا سوية قليلاً، قبل أن تغفو الطفلة في حضن أمها بعد يوم سفر مرهق. وفي الصباح صعد الجميع إلى التلة، وقبل أن ينتهي النهار كان البيت يقف على صدرها حارساً للمخيم.
مر الأمر بسهولة رغم الأسئلة الكثيرة التي دارت في مجالس الناس حول الغريب والتلة التي قرر أن يقطنها، وكيف لم تأت جرافات الجيش وتهدم البيت الجديد، ولماذا لا يسكن الغريب بينهم في حارات المخيم؟ ولماذا سكت المختار وكبار المخيم عن الامر؟ لم تكن الاجابات شافية، ولم ترو ظمأ المستفسرين. وكانت آخر إجابة تلقوها "معلش الرجل طيب ومنا وفينا"، وهذه لم تكن كافية ووافية بالنسبة للناس، وهو ما دفعهم لتأليف القصص وابتداع الحكايات حول أصل وفصل الساكن الجديد، وهي قصص تأخذ شرعيتها النسبية من حادثة بسيطة، أو من تفسير غير منطقي لموقف صغير، أو من معلومة غير مؤكدة وردت إلى مسمع أحدهم. أما الحقيقة فلا أحد يعرف تحديداً ما هي، ولم يكن أحد حقاً منشغلاً بالبحث عنها، بل كان القصد كله هو أن يبلوا رمقهم وعطشهم وفضولهم في الحديث عن الرجل الذي صار واحداً منهم في ليلة وضحاها، دون أن يعرفوا الحقيقة.
قالوا إن الجيش قام بإبعاد الحاج خليل من الضفة الغربية بعد أن اتهم ابنه بإطلاق النار على الجيش في منطقة جنين. وفق هذه الحكاية فإن الحاج اعتقل لأكثر من ثلاثة أشهر هو وزوجته فيما تعهد الجيران برعاية الطفلة. تعرض الحاج لتعذيب قاس، بعدها أطلق الجيش سراحه وزوجته بعد أن تقرر إبعاد العائلة إلى غزة. ولم تنفع كل مطالب منظمات حقوق الإنسان بوقف قرار الإبعاد. حملت السيارة العسكرية الحاج من سجن نفحة الصحراوي إلى غزة معصوب العينين مكبل اليدين حيث ستصعد الزوجة والطفلة اللتان أقلتهما سيارة عسكرية أخرى، وعند الحاجز العسكري "إيرز"، قام الجندي بفك يدي وعيني الحاج. فرك عينيه ونظر إلى أشجار البرتقال المزروعة أمام الحاجز. قال له الجندي بلكنة عربية مسكرة "أهلاً بك في مملكة غزة". دفع الجندي الحاج والزوجة والطفلة خارج السيارة، وطلب منهم أن يسيروا باتجاه الشارع حيث يقف بعض العمال ينتظرون سيارات تقلهم إلى وسط المدينة. كانت غزة قد بدأت بالاحتراق قبل وصول الحاج إليها بشهر من اندلاع الانتفاضة في كانون الأول 1987. وصارت الإطارات المشتعلة ومسيرات الغضب والجنود الذين يلاحقون الأطفال في الأزقة العلامة التجارية المميزة لمملكة الحاج التي وصل إليها حديثاً.
أما في رواية أخرى فإن الشيخ هارب من قصة ثأر عائلية كبرى لم يعرف أحد أين كانت أحداثها، لكن من المؤكد أن رأس الحاج كان مطلوباً للانتقام، ولم يكن أمامه إلا أن يهرب. أما ورعه وتقواه فليسا بأكثر من عتاب النفس ويقظة الروح بعد الجريمة التي لابد أن يكون قد ارتكبها. بل إن بعضهم حاول تقصي نسب الحاج والسؤال عنه للتأكد من الجريمة المزعومة، وإلا لماذا يفضل رجل شارف على الستين العيش وحيداً في تلة بجوار المخيم، ويكتفي بحلب عنزته والعناية ببعض الزهور والنزول إلى السوق يوم الجمعة قبل الصلاة. لم يكن الحاج يفعل أكثر من ذلك.
آخر ما قالوا إنه حقيقة الأمر: أن الحاج عاش طوال حياته في الخليج. خرج من يافا بعد حرب 1948 وذهب إلى الكويت، وعاش هناك مدرساً في المدارس الحكومية وتنقل في المواقع حتى صار مديراً للتفتيش في المدينة. لقد أنسته حمأة الحياة ووطأتها ومباهجها العودة إلى البلاد. وذهب طرف آخر إلى أن عائلة الشيخ قتلت في مذبحة صبرا وشاتيلا في جنوب لبنان، ولم يبق له أحد من العائلة فتزوج بسيدة نجت مثله من ويلات الحرب، ثم انتقل معها إلى سورية، ومن هناك إلى الأردن، ثم إلى مصر ثم تسلل إلى غزة عبر الحدود، وجاء إلى التلة. حاول المرور أكثر من مرة إلى يافا حيث يقولون إن له أقرباء بقوا بعد النكبة في بيوتهم، لكنه فشل فقرر أن يظل في غزة، لا شيء متاحا أمامه من فلسطين إلا هي. وكانت ذكريات أطفاله وهم يلهون في المخيم قبل المذبحة تدمي قلبه، وحين يتذكر زوجته التي بقرت على عتبة البيت ترشح عيناه دمعاً مالحاً مثل جمرات تسقط على خده. رحلة قاسية من يافا إلى جنوب لبنان ثم سورية فالأردن فمصر ثم غزة. المخيمات مثل خناجر تدمي ذاكرته. من كل تلك الروايات التي لم يتم التأكد من صحة واحدة منها، المؤكد أنه من يافا حيث أن المختار قال إن اسم عائلته حقاً يعود لعائلة في البلدة القديمة في يافا. بل إن الحاج قال إن والده كان يمتلك دكاناً للخضار في سوق اسكندر عوض.
لم يكن ذلك مهماً، إذ أن الحاج خليل سرعان ما صار واحداً منهم، وأصبح ساكناً أصيلاً من سكان المخيم وصار لرأيه وزن يعتد به في الأزمات وفي النقاشات، خاصة أن أمتاراً قليلة تفصل التلة عن الحارة الشرقية في المخيم، كما أن نافذة البيت تراقب شارع الحارة وحركة الناس. مر الوقت سريعاً، وسريعاً صارت تلك الحكايات جزءاً من الماضي، ولم يعد الناس يولون اهتماماً كثيراً لها، إذ أن الايام أثبتت صحة بعضها وفندت الآخر. لكن حتى هذا لم يعد مهماً، حيث أن الشيخ صار واحداً من المخيم، وصار له ذكريات واسعة وخصبة مع الجميع. كان الحاج وعقب كل صلاة في المسجد وحين يهبط من التلة يمضي ساعة أو أكثر في المطبعة. يدفع الباب الحديدي ويدلف إلى الكرسي الخشبي قبالة طاولة المكتب، يجلس ويتجاذب الحديث مع نعيم، فيما الأخير يواصل أشغاله قبل أن يجلس قبالته بعد أن يعد له اليانسون، مشروبه المفضل. يكاد يكون نعيم لا يشتري اليانسون إلا لضيافة الحاج.
توسعت التلة وكان أبو جورج أول من قرر بناء بيت بجوار بيت الحاج. جاء الحاكم العسكري محاطاً بالجنود وصرخ في وجه أبي جورج ان البناء ممنوع على التلة.
الناس تحدد المسموح. قال المختار.
ثم بعد سنة انتقل نعيم وأم فوزي والرجل العجوز وزوجته. صار عليها خمسة بيوت. هذه المرة قال الحاكم العسكري إنه لن يسمح بالمزيد من السكان على التلة، وهدد بإقامة موقع عسكري هناك. وهو تهديد لم يستغرقه شهر حتى نفذه. الموقع الجديد حوّل حياة العائلات الخمسة إلى جحيم لكن البقاء على التلة صار تحدياً لابد منه. وصار مجرد البقاء هناك كسراً لرغبة الحاكم العسكري.
في ذلك الصباح، كان الحاج يقطف حبات البندورة والخيار عن الشجيرات التي زرعها أمام البيت، ليحضر سلطة الخضار. يقول أحس بقلبه ينقبض ويسقط بين رجليه. استغفر الله وواصل التحديق في الخضار اليانعة المكللة بالندى. لم يصعد أحد إلى التلة لإخبار الحاج. فقط حين هبط وقت الظهر للمخيم عرف بالفاجعة. انضم إلى الجموع الواقفة أمام بيت المختار. بعد ساعة قالوا إن سيارة الإسعاف حملت نعيم في محاولة أخيرة لإنقاذه لنقله إلى المستشفى. ثم عادت تحمل الجسد هامداً ليوارى الثرى. - See

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: