سلوى خضيري .. هكذا ارتكب الاحتلال مجزرة الشاحنة في 1967

2014-06-06


طوباس - محمد بلاص: بفيض من الدموع، أعادت المواطنة سلوى شهيل خضيري، من مدينة طوباس، بناء اللحظات المرعبة التي أعقبت إقدام طائرة إسرائيلية على قصف شاحنة كانت محملة بعشرات الفلسطينيين الذين كان معظمهم من الأطفال والنساء ممن حاولوا الفرار إلى الأردن، ظهيرة اليوم الأول من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، في نكسة الرابع من حزيران العام 1967، وكانت إحدى الناجيات من تلك المجزرة.
وتروي خضيري وهي تمسك صورة بالأبيض والأسود، التقطتها عائلتها قبل أيام من النكسة، فتقول: "استشهد أخي هشام وهو ابن سنتين ونصف، وهو في حضن أمي فاطمة يوسف عوض التي أصيبت بشظايا، وخسرنا أختي أسمى بنت السبع سنوات، وأصيب أخي جلال في قدمه، واحترق شعر شقيقي جمال الذي أنقذه ابن عمي غالب فهيد من الموت، بعد أن حمله وأبعده عن الشاحنة قبل أن تنفجر، أما أنا فبترت ساقي اليمني، وفقدت إصبعين من يدي اليمنى، واستشهدت رقية غوانم، وإخلاص عبد اللطيف خضيري بنت السبع سنوات، وشقيقها أيمن ابن السنتين، ويوسف صبري أبو عليان (12 سنة)، وشقيقته تغريد بنت التسع سنوات، وأصيبت ربيحة المصري في الرأس، وأصيب يزن صبري ثم استشهد، وفقدت جميلة حامد مساعيد عينها".
تختزل سلوى خلال الحلقة الثانية عشرة من برنامج "أصوات من طوباس"، والذي تنفذه وزارة الإعلام: "بالفعل كانت مجزرة، ولحظات مرعبة ما زالت تعيش في صدورنا إلى اليوم، ونتألم من رصاصها، ومنذ وقت قريب أخرجنا شظايا القذائف من جسد أمي التي تتجنب الحديث عن المجزرة، لحزنها على إخوتي".
وكانت آخر لحظات وعي سلوى بعد القصف، مشاهد الجثث والجرحى، وشعورها بالعطش الشديد وهي تنزف، ما دفعها لطلب الماء من أحد الجنود الأردنيين الذين وصلوا إلى الموقع لإسعاف الجرحى، لكنه رفض، ورد عليها بالقول: "الماء سيزيد من النزيف".

ذكريات من دم
ووفق خضيري (51 عاما)، فإنها شاهدت طائرة إسرائيلية ترش على الحافلة التي كان يستقلها عشرات الفلسطينيين من الفارين إلى الأردن، مادة بيضاء تشبه "البودرة"، على حد تعبيرها، قبل أن تفرغ حمولتها من القنابل، بعد أن اجتازت الحافلة نهر الأردن، ووصلت الضفة الشرقية منه، بجانب إحدى بيارات البرتقال في منطقة الشونة الجنوبية، داخل أراضي المملكة.
تقول: "كانت معنا عائلات عمي مشهور أبو رياض، وغازي أبو حسن، وجميل أبو هيثم، وحسن أبو غازي، وجيراننا من عائلة صبري، وأناس لا نعرفهم، وقد خرجنا من طوباس في وقت مبكر من يوم 5 حزيران، وتعطلت السيارة التي ركبنا فيها، واختفينا لحين إصلاحها داخل عبارة للمياه في العوجا قرب أريحا، ثم صعدنا إلى شاحنة ثانية عبرت بنا النهر".
وتستذكر: "كلما أمر من العوجا، خلال سفري إلى عمان، تعود إلي اللحظات القاسية التي عشناها، حين تعطلت السيارة، وكيف احتمينا في العبارة، وكلما أسمع عن حادث أو قصف وشهداء، تعود إلى ذاكرتي المشاهد الفظيعة التي ألمت بنا في أول يوم من احتلال الضفة الغربية وغزة".

آمنة مسعفة وحافرة قبور!

وتتابع: "عملت آمنة صبري أبو عليان، الناجية من القصف، بمساعدة رجل من العوجا على إخلاء المصابين ودفن الشهداء، ووجدت شقيقها معلقا على شجرة. ومما أخبرتني به بعد أن التقينا، أنها لم تميز سوى جثث إخوتها، أما سائر الأطفال والشهداء فكانت هويتهم مجهولة بالنسبة لها، ولولا أنها لم تكن معنا لتضاعف عدد الشهداء، فقد كانت رغم صغر سنها، قوية القلب، ولا تخشى من شيء، وعملت دور المسعف وحافر قبور الشهداء".
واستردت خضيري، الوعي في مستشفى "الأشرفية" بالعاصمة الأردنية، والذي وصلته مع غروب يوم النكسة، وعادت إلى طوباس بعد أن فقدت ساقها وإصبعين من يدها، لتبدأ بالعلاج لأكثر من شهر في المستشفى الوطني بمدينة نابلس.
تقول: "بسبب المجزرة، عشت مع ثلاثة أطراف اصطناعية خلال 48 سنة، وانقطعت عن دراستي، فقد كنت في الصف الأول الإعدادي (السابع اليوم)، وأكملت دراسة الثانوية العامة سنة 1973، والتحقت بجامعة بيروت العربية لتعلم الجغرافية، لكن الحرب منعتني من إكمال سنتي الرابعة، وعملت مدرسة لثلاث سنوات، ثم اشتغلت في روضة للأطفال، ونلت درجة الدبلوم في الغذاء الصحي، وأتنقل بين طوباس وعمان والإمارات، حيث أولادي الاثنان وابنتي الوحيدة".

ذاكرة وتوثيق
ولا تكاد تلك المجزرة، تغادر ذاكرة كبار السن في مدينة طوباس، والذين يلمون ببعض تفاصيلها، ويختزلونها بالإشارة إلى سلوى خضيري، باعتبارها أول فتاة جريحة في طوباس وربما في فلسطين بعد النكسة، أما الجيل الجديد فلم تتعرض ذاكرته بعد للمجزرة وتفاصيلها القاسية.
يقول فايز صالح أبو ناصرية "62 عاما": "لا نعرف تفاصيل المجزرة التي حلت بأبناء طوباس في اليوم الأول من النكسة، ولم نقرأ عنها في وسائل الإعلام، وهذا تقصير كبير"، فيما يؤكد الشاب أحمد دراغمة، أنه لم يقرأ أو يسمع شيئا عن المذبحة، بالرغم من أنها مؤلمة جدا.
بدوره، أشار منسق وزارة الإعلام في طوباس، عبد الباسط خلف، إلى أن برنامج "أصوات من طوباس"، سيشهد تطورا من حيث الشكل، وسينحاز للتوثيق المرئي، وخاصة فيما يتعلق بالشهادات الحية والشفهية كمجزرة الشاحنة، والتي يمكن تصنيفها كأول قصف إسرائيلي لسيارة فلسطينية، وهي السياسة ذاتها التي يواصل الاحتلال استخدامها.
وأضاف خلف، إن الوزارة ستخصص وبشكل استثنائي، ثلاث حلقات متتالية الأسبوع القادم من هذا البرنامج الشهري، لتوثيق شهادات وروايات عن نكسة العام 1967 في ذكراها السنوية.
   
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: