آراء

على حافة الهاوية

حسين حجازي

2019-01-12

لو كان لنا أن نعيد تركيب هذه القصة الحزينة التي ما برحنا منذ اثنا عشر عاما كئيبة نعيش على وقع تقلباتها الساخنة أحياناً والباردة أحياناً أخرى، فان الفصل الأول في هذه الدراما يبدأ في الاحتراب الداخلي الافتتاحية او الحركة الأولى الأكثر صخباً وعنفاً، والتي انتهت يوم 14 حزيران العام 2007 بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة.
أما الفصل الثاني الحركة الأقل صخباً ولكن التي تبدو كرقصة تانغو مملة وفاشلة، فقد تمثل هذا الفصل الثاني بالسلسلة الطويلة والممتدة من المفاوضات والحوارات والاتفاقات الموقعة، ولكن دونما ترجمة هذه الرقصات الأخوية الى شراكة حقيقية وتالياً إزالة آثار الانقلاب الأول العاصف، حتى لكأنه يبدو من منظار اليوم وبعد هذه السنين وكأنما تحول الأمر الى ما يشبه المرض المزمن الذي لم يعد ممكناً علاجه او الشفاء منه بأدوات فكرية من داخل الصندوق. حين أصبح واضحاً ان سلطة اخرى موازية تملك القوة والجغرافيا لم يعد ممكناً إعادتها الى بيت الطاعة أي الى ما كانت عليه قبل العام 2007 دون البحث جدياً في استنباط حلول أكثر واقعية تأخذ بعين الاعتبار الواقع الجديد. ومن جهة أُخرى يكون الفيصل او المبدأ او الحكم هو تحاشي الفشل مهما كان الثمن، أي تحاشي الوصول الى نهاية الطريق. وهو هنا يعني القطيعة او الانفصال، وتالياً الذهاب الى الاحتراب في الفصل الثالث كما تبدو النذر السوداء تلوح هذه الأيام.
والواقع أننا الآن قد نكون عشية الأجواء المسمومة التي شهدناها قبل الذهاب الى الحرب الأهلية في حزيران العام 2007، ولكن مع فارق ان هذا الاحتراب ليس عسكرياً او مباشراً، وانما يتم عن طريق التراشق عن بُعد أي بوسائل الضغوط بلعب كل طرف أوراقه. ولكن المؤسف في هذا الاحتراب الجديد هو الثمن السياسي والمعنوي والإعلامي الذي يأكل من التلاحم السيكولوجي بين الشعب الواحد، ويأكل من صورتنا حول نفسنا على المدى البعيد.
وقد يبدو أن هذه المراحل الثلاث جزء من أزمة أكبر يمر بها الكفاح الوطني الفلسطيني، تتلخص بالمأزق او الانسداد الذي يواجهه الكل الفلسطيني في تحقيق الاستقلال وإنهاء الاحتلال، وهي أزمة قد ينظر إليها ايضا من الزاوية الأخرى على اعتبار ان الفشل الفلسطيني الذاتي في التوصل الى السلام الداخلي فيما بيننا، او العجز عن القدرة على إعادة إنتاج تسوية مبدعة وخلاقة لخلافاتنا او انقسامنا قد يلقي بظلاله او يضعف احتمالات التوصل الى هذا السلام او التسوية الخلاقة مع عدونا الإسرائيلي.
وإن هذه المعادلة قد تفسر الى حد ما هذا التطاول في استمرار الفشل في إنهاء انقسامنا، وربما بلوغنا في المدة الاخيرة هذا القدر من الانزلاق الى ما يمكن اعتباره مخاطر الغرق في وحل الصراع الداخلي، او الوصول الى الفشل وفوات الأوان.
واليوم ربما لا نملك سوى الرجاء والصلاة ان يلهم الله العقلاء في كلا الطرفين، ان يتداركوا الوصول الى هذه الذروة المأساوية، ولكن السؤال الراهن هو ان كان الوقت ما زال ممكناً او ان الابواب لم تغلق تماماً بعد؟ أي ان كانت الفرصة او الخيار الاقل خسارة او كارثية لاستمرار التعايش البراغماتي او الذكي مع مواصلة سير القاطرتين على هذه السكة المتوازنة دون الدفع بإحداهما الاصطدام بالأخرى. اذا كان هذا الصدام لن يؤدي الا الى نتيجة واحدة وهي خسارة الكل الفلسطيني بدون ان يكون هناك حتى رابح وخاسر، لا رابحين وانما خاسرون معاً. وهنا مكمن الخطورة فيما يحدث.
ولعله من الضروري عند هذه اللحظة من بلوغنا هذا الجرف او حافة الهاوية، ان نعاود تذكير انفسنا لأجل تنقية الذاكرة نفسها، لماذا وصلنا الى هذه الحافة؟ وهذه هي العلامات:
في البدء كان موقف الرئيس محمود عباس صحيحاً عندما دعا حركة حماس العام 2006 الدخول في الانتخابات التشريعية، كان هدف الرجل ادماج "حماس" في النظام السياسي الفلسطيني والشرعية الفلسطينية. وكان هذا تحولاً مهماً في حينه كان عرفات نفسه يرغب في تحقيقه العام 1996، لكن "حماس" بذريعة ان هذه الانتخابات تجري على أرضية اتفاق اوسلو ترددت في حينه.
ولكن أما وان نتائج انتخابات عام 2006 كانت مفاجئة للفلسطينيين وحتى لدول الاقليم والعالم الذي كان يرقب الانتخابات الفلسطينية، فقد بدا من الواضح ان الفلسطينيين ككل لم يكونوا مستعدين مسبقاً للتعامل مع هذا الاحتمال بما فيهم "حماس" نفسها. وما أضفى على هذا المشهد من الارتباك ان الدول المانحة ودول الاقليم وإسرائيل والإدارة الأميركية حاول كل طرف منهم معاقبة السلطة الفلسطينية، وبقية القصة معروفة.
في ظل هذه الأجواء التي تميزت بها البيئة السياسية المحيطة والارتباك الفلسطيني الداخلي، وغياب الحنكة السياسية تحت تأثير ما بدا أنها عاصفة سياسية يمكن ان تعيد خلط الأوراق الداخلية والتوازنات، بدا الطريق ممهداً لحسم الصراع ولإعادة التوازن، وهذا ما حدث في صيف العام 2007 الدامي حين قامت "حماس" بالسيطرة المسلحة عل مراكز السلطة، إيذاناً ببدء قيام سلطتها في غزة من دون منازع.
إن مرحلة المفاوضات والحوارات اللاحقة كانت تعبر عن الشعور المتبادل لضرورة التوافق من جديد على تحقيق نفس الهدف، أي الاتفاق على شروط إعادة دمج "حماس" في النظام الفلسطيني، بعد ان تأكد لحركة حماس ان سيطرتها بالقوة على غزة لا يمكن ان تتيح لها حكم غزة منفردة دونما غطاء السلطة الفلسطينية، وخصوصاً في ظل العداء الذي كانت تواجهه من نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك واسرائيل معاً. وكانت المسألة المطروحة في حينه كما لا زالت مطروحة اليوم ان غزة لا يمكنها ان تحكم نفسها بنفسها او تستقل بمفردها دونما التوحد او الاندماج مع قرينة اكبر منها.
ومن وجهة نظر السلطة والرئيس ابو مازن فان هذا التوافق ليس له ان يغير من التوازنات التي يقوم عليها النظام السياسي والشرعية الفلسطينية، وهو ما ادى بالأخير الى فشل التوصل الى تحقيق اي من هذه الاتفاقات او التفاهمات على أرض الواقع، ما دفع بالأخير الى بدء استعمال السلطة لغطائها السياسي والمادي للضغط على حماس. وان دلالة هذا التحول الدرامي في اللعبة لم يكن مصادفة وانما على علاقة واضحة وبالتزامن مع تولي دونالد ترامب رئاسة أميركا، وإعلانه عن خطته المسماة صفقة القرن.
والذي حدث ان مخاوف وهواجس انتابت الرئيس منذ ذلك الوقت أي في السنتين الأخيرتين، من مخطط لا تبدو بعض الأطراف الإقليمية المؤثرة  بعيدة عنه، وكذا بنيامين نتنياهو شخصياً وإدارة ترامب يسعون الى فصل غزة عن الضفة لتقويض حل الدولتين. ومن هنا جاءت تأكيداته او تحذيراته المتكررة من انه لا دولة فلسطينية من دون غزة ولا دولة في غزة.
لكن المأزق الفلسطيني المتبادل عند هذه الحافة انهم قد يكونوا صادقين في حسن نواياهم ورفضهم لهذه الخطة، حين ترى "حماس" بدورها الى ان ضغوط السلطة عليها وعلى الغزيين انما قد تؤدي بالأخير الى عكس ما يحارب من اجله الرئيس، وبالتالي انزلاق غزة في الحفرة أي الى الفصل السياسي والجغرافي لغزة عن الضفة، وبالأخير أن تكون الدولة في غزة.
فهل بلغنا إعلان الوقت الساعة الحادية عشرة، أي نهاية الامر؟ والجواب: لم تدق الساعة بعد، اذا كنا جميعاً على إدراك بأن هذا الخيار أي القطيعة النهائية والفصل ليس خياراً مقبولاً من العالم. ولعل هذه الضغوط هي الذروة التي تسبق التوصل الى المخرج التالي، في أزمة ستظل تراوح الدوران في نفس الحلقة الفارغة طالما ان أياً من الطرفين لا يملك دفع ثمن الوصول الى هذه النهاية.