"وطن الجيب الخلفي" لمنى الشيمي .. تسجيلية درامية روائية تقتحم مناطق جديدة في مصر القديمة

2018-11-20


كتبت بديعة زيدان:

تسير بنا منى الشيمي في روايتها "وطن الجيب الخلفي"، الصادرة حديثاً عن جائزة كتارا للرواية العربية، بسرد يتقلب ما بين أحداث الرواية المبنية على متابعة حكايات الشخصية المحورية فيها، وهو هنا "ناصر" الخبير في ترميم الآثار، وما بين سيناريو الفيلم الذي يساعد في كتابته "ناصر" نفسه، فما بين أحداث الرواية وتفاصيل السيناريو داخلها نمشي في خطوط ليست مستقيمة، ما بين واقع معاش، وما بين العودة إلى القرن الخامس قبل الميلاد، حيث الشخصيات المتعددة ما بين يهودية ومصرية وفارسية، وهو ما يجعل من النص السردي والسيناريو الذي بداخله أشبه بأحجية تحتاج القراءة أكثر من مرة، لاكتشاف إضاءة هنا أو هناك، خاصة أن تعدد الشخصيات بأسمائها غير المألوفة قد تحرف بوصلة القارئ في متاهة الرواية المتجددة على صعيد التقنية والمضمون، وهو ربما ما دفع كاتبتها إلى إرفاق ما يشبه الملحق التعريفي ذي النكهة التفسيرية تحت عنوان "أسماء شخصيات الدراما الوثائقية"، وتعني السيناريو هنا، وقسمها على أجزاء الرواية، والتسلسل الزمني لخروج الشخصيات إلى شاشة النص.

فعلى سبيل المثال، هناك "إبسيمبت بن بيف بونت: شاب مصري جاور بيته بيت أم محسيه"، و"أم يوشع: امرأة من عجائز اليهود تحفظ تاريخ الشتات الأول"، و"تاموت: عبدة مصرية مملوكة للعجوز اليهودي مشولام، لديها ابن اسمه بلطاي، وابنة اسمها يهويشما"، وغيرهم.
ولندخل في أجواء الرواية، لا بد من الإشارة إلى ما اختير منها على غلافها الخارجي، الذي هو في الغالب إما تعريفي، أو ينقل جزءاً محورياً من النص السردي، أو تلخيصاً له .. "في القرن الخامس قبل الميلاد، كان اليهود يتمتعون بالعيش في مصر، مثل أهلها، وفي جزيرة "إلفنتين" بنيل أسوان، كانت لهم معابدهم، وتجارتهم، وحياة تبدو في جوانب منها أرغد من حياة المصريين. لكن مع احتلال الفرس لمصر، نسوا حقوق الوطن الذي آواهم، ومالوا مع الغازي، وعاونوه ضد المواطنين الذين استوعبهم اجتماعياً بأريحية، وأتاحوا أفقاً رحباً لطموحهم الاقتصادي، وتقبلوا بناء معابدهم، وإقامتهم شعائرهم الدينية ببساطة تخلو من العنصرية، لكن تاريخ اليهود في الانقلاب على المجتمعات التي رحبت بهم عتيد، ومتجذر في جيناتهم .. وفي العام 2013 بعد ثورة يناير، تصل بعثة أثرية لمعاينة المكان قبل الشروع في كتابة فيلم تسجيلي عن حياة اليهود على الجزيرة في القرن الخامس قبل الميلاد، ويتبدى من السيناريو الذي شارك فيه آثاري مصريّ خائن، أن هدف الفيلم الأساسي تزييف الحقائق لصالح اليهود".

و"الآثاري الخائن" هو ذاته "ناصر"، الذي كان يتأرجح ما بين شغفه نحو المال، وبقايا ضمير جعلته كثير الاعتراض على أحداث وتفاصيل السيناريو الساعي إلى تحريف وتشويه الأحداث والتلاعب في التواريخ لصالح اليهود.

"ناصر" الذي درس في كلية الاثار وتخرج وانضم لصفوف العاطلين عن العمل، يتعرف إلى طاقم عمل ألماني يوكل له مهمة حصر أضرار الاثار بعد الزلزال الذي ضرب مصر في العام 1992 .. يتعرف الى إحدى فتيات الطاقم الألماني، ويتزوج منها، بل ويسافر معها الى موطنها، وهناك ينخرط في العمل مع المنظمة الالمانية كخبير في الترميم.

وتتنقل الشيمي في روايتها بين أزمنة مختلفة، انطلاقاً من العام 2013، عندما يعود ناصر الى القاهرة بعد غياب طويل امتد نحو عشرين عاماً، ليكون ضمن فريق عمل لكتابة واعداد سيناريو فيلم حول البرديات الآرامية وجوانب الحياة اليومية عن الجالية اليهودية، وهو الفيلم الذي من المفترض أن تدور أحداثه في الأشهر القليلة التي سبقت تشتت اليهود وبالتحديد في جزير "إلفنتين" بأسوان، نفس الجزيرة التي يزورها ناصر بعد غيابه الطويل في ألمانيا لتكون مقر سكنه وأبحاثه أثناء كتابة السيناريو، الذي يقوم به توم بمساعدة "ناصر" شبه الإجبارية من المنظمة، حيث أوكلت له هذه المهمة دون رغبة منه، هو ممزق الهوى والهوية، حيث بات عضواً في منظمة مهمتها تهريب الاثار العربية بشكل عام والمصرية بالتحديد.

تتنقل الرواية ما بين طفولة "ناصر" ومراهقته وشبابه حتى عودته من المانيا الى مصر، مسلطة عدستها على طفولة فقيرة بائسة وصعبة في اسرة غاب عنها الأب الناصري الذي سمى طفله على اسم الزعيم المصري جمال عبد الناصر، واختفى بعد شجار مع زوجته انتهى إلى الطلاق، عقب احتفاله بإعلان السادات بدء الشروع في عملية سلام مع إسرائيل من داخل مبنى الكنيست الإسرائيلي في القدس.

في مرحلة الجامعة، وبعد قصة حب وخطبة فاشلة من زميلته هالة، ينضم "ناصر" إلى اجتماعات بعض الطلاب المناهضين للعدو، ولا عدو إلا اسرائيل في تلك الفترة، وفعلا يتم تنفيذ عدة اغتيالات طالت شخصيات دبلوماسية اسرائيلية، ثم ما لبث ان تلاشى هذا التنظيم، وعاد "ناصر" ليكمل دراسته بعيداً عن السياسة.

ومن اللافت في الرواية التي اعتمدت تقنيات الفيلم التسجيلي تارة، والدراما الروائية تارة أخرى، أن أدخلت السيناريو في الرواية، كما انه من اللافت أيضاً استعانة الشيمي بقائمة مراجع لتدعيم ما ورد في مقاطع الرواية المختلفة من معلومات امتزج فيها الواقع بالخيال غير الهدّام .. وعن هذا قالت لـ"أيام الثقافة": استعنت بمترجم لترجمة البرديات، ولي صديق في المنيا ترجم لي برديتين من الآرامية مباشرة، كما استعنت بكتاب انكليزي حقق البرديات باللغة الإنكليزية، وثمة برديات غير محققة ترجمها لي الصديق الذي في برلين من الآرامية، أما المصطلحات العبرية فقرأت ثمانية أسفار على تماس بموضوعات الرواية من التوراة، إضافة الى كتاب جوناثان كيرتش "حكايا محرمة من التوراة"، وكتب أخرى عن العبرية.

وحول الرواية قالت الشيمي لـ"أيام الثقافة": كان لديّ أكثر من فكرة قبل أن أكتب "وطن الجيب الخلفي"، فتجسيد فكرة تأرجح الهوية من الممكن أن ينعجن بكثير من القصص، ليس بالضرورة أن يكون عن مهاجر خارج الوطن، بل من الممكن أن تصاب هوية الشخص بالعطب داخل وطنه، كان لديّ أيضاً معلومة عن اكتشاف نجمتي داود في جزيرة "إلفنتين"، وآلية تعاطي وزارة الآثار مع الأمر بإخفاء المدماكين اللذين وجد نقش النجمتين عليهما، ومنع الأشخاص من رؤيتهما! .. كذلك كنت أرغب بشدة في تجربة كتابة "الدوكدراما"، تلك التي تستعير أدوات العمل الدرامي أو الروائي لإقناع المتلقي، هذا من حيث الأفكار.

وأضافت: من حيث التقنية، لم أجرب من قبل تقنية ضمير المخاطب، بل أجده مظلوماً مثل الفعل المضارع، وهكذا بدأت كتابة رواية كلها خارج الذات لأول مرة، ليس هذا فحسب، بل كانت مغامرة أن أجعلها على لسان ذكر، اخترق أعماقه ونفسيته وردود فعله!

"سافرت إلى أسوان ودرست موقع الأحداث، حاولت أن أنحي كل الإضافات الحديثة لأصل إلى شكل المكان الأول، بالطبع كان يجب الاستعانة بالمراجع والخرائط والتحدث مع الناس والاستعانة بالأصدقاء المعنيين بالآثار، ومن حسن الحظ أنني آثارية، حقاً تركت الآثار منذ زمن، لكن الرجوع إلى المجال لم يكن صعباً، خاصة وأن روايتين لي من قبل دارت أحداثهما في إطار تاريخي.. وفي الأخير إطلاق العنان لخيالي، لا ليتجاوز الكتابة المألوفة فقط، بل ليعود إلى الوراء كل هذه السنين! ويكتب عن الماضي كتابة غير مألوفة".

"أتذكر أجواء كتابة وطن الجيب الخلفي، كنت أشعر بسعادة، أظنها من رواياتي التي انثالت على الورق، لم أشعر بمعاناة، تحديداً في جزء الدوكودراما، بل كنت أحب كتابة الجزء الوثائقي أكثر من غيره، ولأول مرة أقع في غرام بطلين اختلقهما قلمي: أسحور بن زيحو، ومفطحية كأنني عشت على جزيرة إلفنتين في القرن الخامس قبل الميلاد".

وتعريّ الرواية التي تقتحم عوالم جديدة من تاريخ مصر القديمة، طرائق تلاعب الصهيونية بحقائق التاريخ بما يصب باتجاه تثبيت روايتها الملفقة، دون إغفال التحولات الخطيرة في مرحلة ما بعد الثورة. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: