أطراف النهار

«يوم من أيام» .. فلسطين!

حسن البطل

2018-11-18

يدأب الأستاذ والمربي المتقاعد، عبد المجيد حمدان، على قراءة متقطّعة ونقدية لكتب المدنيات والأدبيات في المنهاج المدرسي الفلسطيني (اللغة العربية، التربية الدينية، التاريخ والجغرافية).
لا أعرف، هل هذا سوف يشمل، حصراً أو مثلاً، معالجة نص إعلان الاستقلال، الذي كتبه شاعرنا محمود درويش، في مُقرَّري اللغة العربية، والتربية الوطنية.
واحدة، فقط، من صحفنا اليومية الثلاث، نشرت نص الإعلان، ولكن تذييلاً لأخبار الاحتفال به، وليس في إطار مستقل، لتذكير الأجيال الجديدة، وإنعاش ذاكرة الأجيال الكبيرة!
كانت العرب تقول عن أيام معيّنة بأنها «يوم من أيام العرب» بينما ترصّع أيام فلسطين رزنامة العام. يوم معركة الكرامة، مثلاً، من ضمنها، وربما يمكن القول إن ما جرى في غزة مؤخّراً، وتصادف مع احتفالات يوم الاستقلال، هو بمثابة يوم كرامة جديد للنضال الفلسطيني.
يمكن فهم مبالغة «فتح» وفصائل الثورة في تضخيم النصر يوم الكرامة، كما يمكن ذلك في مبالغة وتضخيم حركة «حماس» للمواجهة الأخيرة في غزة!
لكن، لا يمكن فهم التقليل من شأن يوم إعلان الاستقلال كما في صفحات «السوشيال ميديا» على المنوال القديم المطروق «بأي حال عدت يا عيد». تستحق الانتفاضة الأولى 1987 اعتبارها من أيام فلسطين؛ والثانية عام 2000 تستحق التمجيد والنقد، ايضاً، كما تشكيل السلطة وحالها الراهنة في السنوية الثلاثين لإعلان الاستقلال.
لعلّ الاسم الآخر للانتفاضة الأولى هو انتفاضة العلم الفلسطيني، فقد كان محظوراً قبلها، وصار شرعياً بعدها. كان بالنسبة لإسرائيل هو علم (م.ت.ف) وصار العلم الفلسطيني!
يمكن تمجيد ونقد «مسيرات العودة الكبرى» في غزة، لكنها ومسيرات الاحتجاج على الاستيطان في الضفة، صارت ترفع العلم الفلسطيني وحده، دون رايات الفصائل كما خلال الانتفاضة الثانية.
لماذا، مع كل سنوية احتفال، رسمية وشعبية، في ذكرى يوم إعلان الاستقلال لا نطلق عليه يوم العلم الوطني والى يوم يتحقق فيه الاستقلال الفعلي والسيادة، حيث سيغدو اليوم يستحق وصفه «عيد الاستقلال»؟.
يرى فريق من الناس أن «العيد» يقتصر على عيدي الفطر والأضحى (العيد الصغير، والعيد الكبير)، علماً أن «العيد» في اللغة العربية هو «الموسم» كما في شبكة التسلية (الكلمات المتقاطعة).
«بأي حال عدت يا عيد» أو «عيدنا عودتنا» فلماذا لا يكون يوم «إعلان» الاستقلال عندما يتحقق الاستقلال هو «عيد الاستقلال» الكبير، كما يطلقون في سورية، مثلاً، على يوم الجلاء «عيد الجلاء»، وربما سوف نطلق على إنجاز المصالحة نعتاً آخر هو «عيد الوحدة الوطنية».
ما الذي جرى في جولة غزة الأخيرة، التي تصادفت مع احتفالات باهتة في يوم إعلان الاستقلال؟ منذ بعض الوقت صارت فصائل غزة تطلق على نفسها «المقاومة الفلسطينية» كما وترفع «مسيرات العودة الكبرى» العلم الفلسطيني وحده، الذي يرفعه، أيضاً، الشعب الفلسطيني في إسرائيل.
لكن، الهزّة الأمنية والسياسية في إسرائيل جرّاء جولة العنف الأخيرة في غزة، هي نتيجة توازن معيّن في ميزان الردع والارتداع المتبادل، كما يقولون في إسرائيل أن ميليشيا «حزب الله» صارت جيشاً حقق الردع والارتداع العسكري المتبادل مع جيش العدو الإسرائيلي، لأنه صار قادراً على تهديد الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ونقل الحرب إليها.
ليس هناك توازن قوى استراتيجي مع جيش إسرائيل القوي، لكن صار هناك توازن ردع وارتداع، وفي هذه الحالة لم تعد إسرائيل، وحدها، قادرة على نقل الحرب إلى أرض الخصم.
هذه الحالة ذات بُعد استراتيجي، لأن إسرائيل كانت تنقل الحرب مع الجيوش العربية النظامية إلى العمق العربي، دون أن تنال هذه من الجبهة الداخلية الإسرائيلية، العمل الفدائي الفلسطيني وحده تمكن من المسّ بالعمق الإسرائيلي بدرجة معينة، والآن صار «حزب الله» قادراً على ذلك.
لسنوات قليلة أمكن للمقاومة الفلسطينية أن تكون قوة رديفة للجيوش العربية، كما في معركة الكرامة مثلاً، لكن حزب الله تمكن من جعل الجيش اللبناني النظامي قوة رديفة ومساعدة له منذ طرد جيش الاحتلال من جنوب لبنان، إلى الوقت الحالي، حيث تمكن من إنجاز توازن الردع والارتداع، كما في خطابات نصر الله الأخيرة.
في هذه الحالة، يبدو الجيش الإسرائيلي درعاً خارجياً قوياً، لكن بطنه الطرية هي الجهة الداخلية الحسّاسة أمام الخسائر، في حين تبدو غزة ولبنان في حال ضعيفة لدرعها الخارجي، لكن ذات قدرة كبيرة على تحمُّل الضربات الإسرائيلية والخسائر البشرية في الأرواح وفي بناها الداخلية.
قبل جولة غزة، التي اعتبرت الأعنف منذ العام 2014، قال نتنياهو شيئاً مهماً، وهو أن سياسة إسرائيل الأمنية تجاه غزة، يحكمها حاجتها السياسية لإدامة انفصال غزة عن الضفة الغربية، لأن ما تخشاه إسرائيل هو أن تؤدي الصلحة الصعبة الفلسطينية، إلى جعل الاستقلال الفعلي الفلسطيني والدولة الفلسطينية المستقلة أقربَ إلى التحقق.
تلعب مصر المتسالمة مع إسرائيل دور الوساطة الأمنية والسياسية في حروب غزة منذ العام 2006، ومع أن فصائل غزة تلوم السلطة على «التنسيق الأمني» لكن خسائر إسرائيل البشرية منذ ذلك العام هي أكبر في الضفة منها في حروب حماس وإسرائيل.. الفاشلة في الردع السياسي في الضفة!
حسن البطل
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: