آراء

المغرب: ثبات النهج وشجاعة المبادرة

عبد المجيد سويلم

2018-11-15

مذكراً بوحدة المصير والدين واللغة والتاريخ، ومستذكراً بالمساحة الواسعة للكفاح الوطني المشترك ضد الاستعمار، وبدعم العرش المغربي لأشقائه الجزائريين في حرب التحرير الوطنية، ومنبهاً إلى الاحتياطات الاستراتيجية الهائلة الكامنة في تعاون البلدين الشقيقين في المحيط القومي والإقليمي والدولي، أعلن العاهل المغربي مبادرته الشجاعة نحو الجزائر لتجاوز ما حدّده من واقع في علاقات البلدين يتسم بالتناقض الصارخ وغير المعقول مع ما يجمع بينهما، مستدركاً أن «مصالح شعوبنا هي في الوحدة والتكامل والاندماج دون الحاجة لطرف ثالث أو لوساطة بيننا».
وانطلاقاً من الوضع الواقعي أكد أن واقع العلاقات بين البلدين «غير طبيعي وغير مقبول».
في هذا الإطار جاءت مبادرة الملك محمد السادس للحوار المباشر والصريح بهدف تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية كما جاء نصاً.
وفي هذا الإطار وهذا السياق اقترح العاهل المغربي على الأشقاء الجزائريين إحداث آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور على كل المستويات من حيث مستوى التمثيل والشكل والطبيعة أو المضمون، بانفتاح كامل عن أية مبادرات جزائرية في هذا الإطار، ولبحث كل القضايا بالصراحة والموضوعية المطلوبة، وبالصدق وحسن النية، وبأجندة مفتوحة ودون شروط أو استثناءات، كما ورد نصاً في خطابه، منوهاً إلى أهمية تشكيل الاطار العملي المناسب لاستثمار الفرص والإمكانيات التنموية المغاربية.
وكما أكد الملك المغربي على هذه الآفاق بما في ذلك قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب عاد ليؤكد من جديد في لفتة هامة إلى أهمية التنسيق بين البلدين في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية على هذه الأصعدة كلها.
ليس صعباً على كل مراقب منصف لتطور المغرب في السنوات الأخيرة، والنهضة التي يشهدها في المجالات كافة، كيف أن هذه المبادرة الشجاعة والحكمة إنما جاءت في سياق هذه النهضة واستناداً إلى تلاحم عزّ مثيله بين العرش والشعب حول الوحدة الترابية للبلاد المغربية، وحول التمسك الكامل بهذه الوحدة والدفاع عنها واستكمالها، وعلى قاعدة أعلى درجة من الحكم الذاتي لأقاليم الصحراء المغربية.
ليس صدفةً أبداً أن تلقى هذه المبادرة هذا الاهتمام الذي شاهدناه على مستوى الإقليم العربي وفي كل الفضاءات الدولية المعنية، ذلك أن مبادرةً من هذا النوع من شأنها أن تضع الإقليم المغاربي برمته أمام مسار تطور جديد ومرحلة نوعية جديدة من التعاون والعمل المشترك، وبما يخدم الشعبين الشقيقين أولاً والإقليم المغاربي ثانياً والمحيط القومي والدولي ثالثاً.
كما من شأن هذه المبادرة إن تم التجاوب المطلوب معها ـ وهذا ما نتمناه جميعاً ـ أن تؤسس لنموذج مختلف عن حالة الفرقة والتشرذم التي يشهدها الإقليم العربي، وأن تشكل رافعة جديدة وبديلة عن حالة الضعف والهوان الذي يشهده الإقليم. أما بالنسبة لفلسطين فإن لهذه المبادرة أهمية أكبر بكثير من الأهمية الكبيرة التي لها على مستوى الإقليم العربي.
الشعب المغربي وقيادته والشعب الجزائري وقيادته يكنُّون حُبّاً استثنائياً للشعب الفلسطيني، ويحتضنون الكفاح الوطني له بصورة تبعث على أعلى درجات الفخر والاعتزاز.
الشعب الفلسطيني يشعر بهذا الاحتضان في كل مكان، في الشارع وبين الأزقة، في المدينة والريف، عند الفقراء والأغنياء وعند الباعة المتجولين والوزراء والشعراء.
ينفطر قلب الفلسطيني من خلافات الأشقاء، ويحبط الفلسطيني من حالة التشرذم التي لا تولّد إلاّ الضعف والهوان، وهو يعاني الأمرّين من حالة الانقسام الواقعة.
كل وطني فلسطيني يرى أن عودة العلاقات بين المغرب والجزائر إلى عهد التضامن والتعاطف والتعاضد إنما تبعث فينا الأمل بأن يقوم من بيننا من يتجشّم عناء العمل الشجاع والمبادرة الجريئة لنبذ الخلافات والتطلع إلى المستقبل، بثقةٍ وإخلاص وصدق وحكمة.
لهذا فإن مبادرة الملك المغربي في هذا الزمن العربي الرديء هي بارقة أمل، وعلامة مضيئة في ظلام عصر الانحطاط الجديد الذي يجتاح الإقليم العربي، بل والفضاء الإسلامي برمته.
فهل ستكون هذه المبادرة الشجاعة بداية لتحول جديد نحو الخروج من شرنقة التقوقع نحو الانفتاح والحوار والتشاور بحثاً عن المصالح الوطنية المشتركة، ونحو بناء أفق جديد في مواجهة تحديات التنمية والتحديث ونحو بناء أسس وقواعد قوية وراسخة للعبور إلى المستقبل؟
هذا ما يتمنّاه كل فلسطيني، وربما ما يتمنّاه كل عربي ومسلم مؤمن بوطنه ودينه وعروبته ومستقبل أبنائه، في زمن انبعاث منطق الأصوليات والطوائف والجهل، في زمن تُنحّى فيه المصالح الوطنية جانباً لكي يتمكن أعداء شعوبنا وأمتنا منا، ويستفردون ويستأثرون بثرواتنا ومقدراتنا ومستقبل أجيالنا.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: