آراء

لحظة عراقية جديدة

عبير بشير

2018-10-23

كانت النخبة العراقية من النخب المشرقية السباقة التي أدركت مبكرا، وسبقت النخبة السورية، في تلمس وجود قضية وطنية وديمقراطية للعراقيين، إلى جانب وجود القضية الإسلامية والعروبية. وكان لصدام حسين فضل مزدوج في ذلك: فهو بالغ في استخدام العروبة والإسلام، وخاض حروباً شديدة التكلفة باسمهما. وسقط قبل أقرانه، فأتاح للعراق أن يظهر على حقيقته بدون أقنعة، بوصفه مسرحا لجماعات متنافرة ومتناحرة تنخر جسد الوطن.
وكان المعارضون العراقيون يحاولون إقناع العالم وإقناع أنفسهم أن مشكلة العراق تختصر في وجود حاكم متسلط ومستبد اسمه صدام حسين. وأن شطب هذا الديكتاتور من الخارطة العراقية، سيفتح الطريق أمام ولادة العراق الديمقراطي، والغد المشرق. غير أنه سرعان ما تبين أن القوى السياسية العراقية بمختلف مكوناتها، لم تكن مؤهلة للقيام بمثل هذه المهمة المستحيلة. أصيب المنتصرون بنشوة عارمة لم تحتمله عملية إعادة ترميم المعادلة الوطنية الهشة، وأصيب الخاسرون بإحباط قاتل، منعهم من التكيف مع المستجدات وتبني نهج يحد من الخسائر.
الآن هناك فرصة جديدة، وأمل جديد في العراق العربي، الذي هو النافذة العربية مع الشيعة، والجسر التاريخي مع الأكراد. وذلك مع الإعلان عن الرئيس الجديد لجمهورية العراق برهم صالح ورئيس الوزراء المكلف عادل عبد المهدي، ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي. والأهم من أسماء تلك الشخصيات هو برنامج الحكومة المقبلة وأولوياتها. ولا شك بأن نجاح هذا الثلاثي كل من موقعه في رئاسة الدولة والوزراء والنواب، جاء حصيلة موازين قوى داخلية، وعكست تفاهما غير معلن، وغير مباشر بين طهران وواشنطن، نظرا لنفوذ العاصمتين على بغداد.
ويمر الكيان العراقي بأزمة بنيوية، تتمسك به القوى السياسية المختلفة، بما تبقى من هيكلية الدولة الزبائنية، وتصارع للحفاظ على دورها الريعي الذي يؤمن لها حضورا اجتماعيا وسياسيا لافتا، على حساب المصلحة الوطنية، وهي لذلك تخوض مفاوضات شرسة في الغرف المغلقة مع عبد المهدي من أجل الحصول على وزارات، توفر لها إعطاء خدمات اجتماعية لجمهورها وأتباعها، وتستخدم من خلالها ملكيات الدولة العامة في مشاريع حزبية خاصة.
وحتى اللحظة لم تتنازل هذه الطبقة السياسية عن مبدأ المحاصصة، لكنها تخلت عن شكلها الكلاسيكي السابق الذي استند إلى أحجام الكيانات العراقية، غير أنه في الوقت الحالي، أصبحت المحاصصة وفق التحالفات السياسية وليس على أساس حصص المكونات من الشيعة والسنة والأكراد.
ورفعت الكتل السياسية سقف مطالبها مع بدء العد التنازلي لإعلان التشكيلة الحكومية لعبد المهدي. حيث شعرت الكتل السياسية بأن عبد المهدي يريد أن يتصرف باستقلالية عنها نوعا ما، مستفيداً من سقف الحرية الذي منحه له كل من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، والمزاج الشعبي العراقي الجديد. ونجح عبد المهدي عبر فتح البوابة الإلكترونية لقبول طلبات الترشيح لكابينته من المواطنين العراقيين، في وضع القوى العراقية أمام إحراج كبير مرده أنها يجب عليها أن تقدم له شخصيات ذات كفاءة ونزاهة للتوزير، على ألا يكون من بينها نوابها الحاليون أو وزراؤها السابقين.
ويواجه عبد المهدي ثلاث عقبات جسام، الأولى هي التجاذبات بين البابين العاليين. والمقصود بهما إيران والولايات المتحدة التي كانت في المرحلة الأوبامية منضبطة إلى حد ما، أما الآن في المرحلة الترامبية فهي مشدودة، وفي دائرة الصراع. وأكثر ما يمكن للأذكياء فعله، هو النجاح في المشي على الحبل الرفيع بين البابين، من دون أن يبدو منهم الانحياز الكامل لأحد، وإلا تعرضوا للنفي أو الذبح السياسي.
 أما الثانية، فهو ما يعرف بالمرجعية العراقية الدينية في النجف، وهي شكل محسن من المرجعية الإيرانية، مع فارق وهو أنه في إيران، تمتلك المرجعية سلطات واسعة، وتتحمل المسؤولية أمام الرأي العام. أما في العراق، فلها سلطات معنوية كبيرة ولكن بلا مسؤولية، وممكن أن تسحب البساط من تحت أقدام أي رئيس وزراء عراقي قادم.
أما العقبة الأهم، فهي سقف طموحات الشعب العراقي، ولائحة المطالب الطويلة والمحقة من الحكومة الجديدة. بعد أن مر العراق بأوقات عصيبة منذ سقوط نظام صدام حسين. ويأتي في مقدمتها إرساء الأمن والاستقرار في العراق، من خلال الاستمرار في بناء القوات المسلحة العراقية وإصلاحها، وحصر السلاح بيد الدولة، ومحاصرة المليشيات. ويترقب الجمهور العراقي عملاً دؤوباً، لجهة إصلاح النظام السياسي، وكيفية إدارة النظام الفيدرالي، عبر دستور قوي، مرتكز على سيادة القانون وحماية القضاء، لأنه بدون ذلك، لن يكون بالإمكان بناء ثقة المواطن بالدولة، وبناء دولة المواطنة، ولا محاربة الفساد المالي والسياسي، ولا يزال الفساد مشكلة مستوطنة في العراق، حيث صنفت منظمة الشفافية الدولية العراق الدولة الـ 169 من أصل 180 دولة على مؤشر الفساد الخاص بها.
وانتصار الحكومة العراقية عسكريا على داعش لم يترجم بعد إلى فرص عمل لأولئك الذين فقدوا سبل معيشتهم في المناطق التي كان يحكمها التنظيم سابقا.
وكما يتطلع الجمهور العراقي إلى بناء اقتصاد قوي، عبر الإصلاحات المالية والإدارية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار.
ويشكل العمل على تعزيز المواطنة وجعلها جزءا محوريا من المعادلة الداخلية، بعد أن حل الحزب والطائفة، محل الدولة الوطنية مطلباً مهماً للشعب العراقي، ولا يمكن للحكومة العراقية أن تتقدم على طريق المواطنة، بدون إيلاء اهتمام خاص لمسألة حقوق المرأة في العراق، ويمثل منح جائزة نوبل للسلام لنادية مراد اليزيدية، فرصة حقيقية للإصلاحيين العراقيين في هذا المضمار.
إلى جانب تأمين حياة كريمة للشعب العراقي، والنهوض بالتعليم والصحة، وتوفير الخدمات الأساسية، فمن الصعب التصديق بأن العراق المصدر لما يقارب من أربعة ملايين برميل من النفط يوميا، يعاني من شح الكهرباء والمياه الصالحة للشرب. ووضع آلية لمساعدة الفئات المهمشة مثل الأرامل والأيتام، وبحسب آخر إحصائية موثوقة، هناك في العراق حوالي مليون طفل فقد أحد أبويه بسبب الصراعات الدامية التي شهدها العراق، وغالبية هؤلاء يعيشون دون خط الفقر.
وأخيرا لجأت دولة2003 أي ما بعد صدام حسين، إلى الاستعانة بعبد المهدي باعتباره الفرصة الأخيرة التي يمكن الرهان عليها لإنقاذ ما تبقى من هذه الدولة، خصوصا أن عبد المهدي يعد آخر حاكم للعراق من مجلس الحكم الذي تم تشكيله على يد القوات الأميركية، ويشكل اختياره آخر فرصة لهذه المنظومة من أجل الدفاع عن نفسها وخياراتها، وفي حال تسببت بإفشاله فإنها تكون قد رسمت بنفسها خط النهاية.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: