دفاتر الأيام

من يتذكر ابتسامة رائد؟

زياد خدّاش

2018-10-23

  ما الذي أتذكره من رائد دبس؟
مات «رائد الدبس»، قبل سنوات عن ابتسامة جميلة لا حدود لصفائها وصداقات قليلة لكنها مكثفة وأصيلة، وصفحة «مبدعون فلسطينيون» الإلكترونية، الـ«فيسبوكية»، التي كانت ولا تزال بمثابة اتحاد كتّاب حقيقي للفلسطينيين في كل مكان، ووكالة أنباء ثقافية حرة وشريفة، ومنبر للجدال الحضاري، ونافذة رائعة للتعرف إلى رموز فلسطين في حقول الأدب والاقتصاد والتاريخ والعلوم والتراث والفنون البصرية والنقد.
فلسطيني خمسيني مثقف يرحل فجأة في ذروة مشروعه التحرري الثقافي، فنصاب جميعاً بالصدمة، كان بالكاد قد وصل الى بلاده عائداً من تونس بعد سنوات أمضاها هناك باحثاً في دائرة شؤون اللاجئين، مخلصاً لفكرة فلسطين الحلوة المبدعة والبعيدة عن الصدأ الفكري والحزبية والانقسام، كان يحلم بفلسطين أخرى محررة ليس فقط من الاحتلال، بل من التخلف والجمود الفكري والموت الداخلي، فلسطين التي تبتسم لقسمات العالم وتزهو بجمال عينيها، فلسطين التي تعتبر ذاتها جزءاً من العالم، فلسطين التي تعرف أن هناك بلاداً أخرى جميلة مثلها وشعوباً اخرى مبدعة مثلها، في صفحة «مبدعون فلسطينيون» كان رائد يدعونا دوماً الى الانفتاح على ثقافات العالم والنقاش الهادئ البعيد عن المشاحنات والشتائم والتخوين.
 أتذكر كم كنتُ متشنجاً حين هاجمت فيصل دراج في صفحتي على «فيس بوك» مع عشرات الغاضبين من المبدعين الفلسطينيين الشّبان حين كتب «في ما معناه» عن عدم وجود مبدعين فلسطينيين حقيقيين بعد جيل العمالقة: محمود درويش وإميل حبيبي والقاسم وجبرا وآخرون، كنّا نظن أننا نمثّل وحدنا الحقيقة فكتبنا بانفعال ممتعض ضد رؤية درّاج، لم يكن رائد ضد رؤيتنا، كان يريد منا أن نهدأ ونناقش الموضوع باحترام ودون سخرية أو إقصاء أو تسخيف، انتصر رائد، دائما كان ينتصر علينا نحن ملوك التشنج العصابيين، أعترفُ بحب أني تعلّمتُ، كيف أحترم مخالفيّ الرأي، كيف أصونُ صداقاتي مع من لا يعجبه ما أكتب، وأن أفكر طويلاً في ما يعتقده الآخرون مما لا ينسجم مع رؤيتي، وأن أبحث بثقة وشجاعة عمن يكتشف خللي وسقمي، بل أحتفي به وأن أكف عن «حفلات تهنئة ذاتي»، بالنجاح كما كان حسين يصف هذه الصفة الشنيعة في الإنسان.
 قبل رحيله بسنوات عدة، عاد رائد الى فلسطين، في زيارة قصيرة، كانت المرة الأولى التي أراه فيها وجهاً لوجه، صرنا أصحاباً حقيقيين بعد صحبة افتراضية (فيسبوكية) طويلة، انتظرته حول ضريح محمود درويش، على العشب تماماً، وكان أغسطس المجنون يلهب المكان بحرارة لا تطاق، لكن ندى وبرودة العشب حول غرفة نوم الشاعر الكبير كانا سفينتَي إنقاذ لإبحار حميم جميل أمضيناه معاً نجدّف موج الحكايات ونتحدث بحرية وعفوية عن كل شيء: صدمة الـ«فيس بوك»، أدب الكتّاب الشبان الـ«فيسبوكي»، ظاهرة الإعدامات الثقافية، الحب الـ«فيسبوكي»، فلسطين الأخرى، كتابة المرأة... الخ، كل ذلك الكلام ورائد يهديني ويهدي المكان ابتسامة لم أشاهدها على وجه رجل آخر، ابتسامة تشبه جائزة كلّها خير وتفهم وطفولة وحب وثقة، في اللقاء العشبي الطويل لم يشتم رائد أحداً، لم يخوّن شخصاً، لم يلغ تجربة، لم يعدم نصاً، وحين كنت أنفعل كعادتي التعيسة وألغي تجربة شخص ما، كان رائد يبتسم، فقط يبتسم ويصمت فأشعر بحرج، كم نحتاج إلى رائد! كم نشتاق إليه! في وقت ثقافي فلسطيني دقيق جداً، ينتظر من يصفيّه من العفن الفصائلي و«الزوان» الفكري، والترهل الإبداعي البلاغي الشعري.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: