دفاتر الأيام

فلسطين في الرواية الفلسطينية قبل العام 1948

عادل الأسطة

2018-10-21

قرأت في الأسابيع الأخيرة ثلاث روايات لثلاثة كتاب من فلسطين (1948) هي: "اورفوار عكا" (2014) لعلاء حليحل و"بردقانة "(2014) لإياد البرغوثي و"بلد المنحوس" (2018) لسهيل كيوان، ولفت انتباهي أن الروائيين الثلاثة يكتبون عن عكا في فترة لم يكونوا شهودا عليها.
كتب علاء عن عكا أيام حكم أحمد باشا الجزار، في أثناء حصار( نابليون بونابرت) لها، وكتب إياد عن العامين 1945 و1946، وكتب سهيل عن ثلاثينيات وأربعينيات ق 20 مركزا تركيزا لافتا على الأعوام 1948 حتى 1952.
وإذا ما بحثنا عن صورتها في الرواية الفلسطينية التي كتبت حتى 1967 فإننا بالكاد نقرأ شيئا، وربما لفت اميل حبيبي في "المتشائل" (1974) النظر إلى عكا أيام الانتداب البريطاني وخلال الأشهر الأولى للنكبة.
لم اقرأ الروايات الفلسطينية كلها التي صدرت في فلسطين لأعرف الكثير عن المدينة بعد قيام الدولة الإسرائيلية.
وقد أثارت الروايات الثلاث لدي أسئلة عديدة أهمها: لماذا لم يقارب الروائيون الفلسطينيون قبل النكبة في رواياتهم الموضوع الفلسطيني الوطني؟
وأنا أعود إلى بعض الدراسات التي خاضت في النتاج الأدبي الفلسطيني، في تلك الحقبة، لاحظت أن قسما من الدارسين والأدباء التفتوا أيضا إلى هذه الظاهرة وناقشوها، وكان بعض الأدباء الفلسطينيين والعرب ناقشوها أصلا قبل النكبة.
من الكتب التي عدت إليها كتاب فاروق وادي "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية "(1985) وشمعون بلاص "رواد ومبدعون: دراسات في الأدب العربي المعاصر" (1991ط1/ 2003 ط2).
أشار وادي إلى آراء كتاب عرب لاحظوا الظاهرة قبل 1948، حيث رأوا أن أدباء فلسطين لم يهتموا بشؤون التأليف، وقد برر قسم من هؤلاء الأمر بأن الميدان كان للخطابة وليس للكتابة، وأن الأجواء كانت مضطربة، فهل يتطور الأدب في أجواء كهذه، ثم إن حكومة الانتداب كانت تمارس مراقبة مشددة على المؤلفات.
ثمة رأي لاسحق موسى الحسيني هو أن الأدب المنثور الذي ظهر في فلسطين في الربع الثاني من القرن 20 هو أدب مقالات أكثر منه أدب مؤلفات.(ص25و26)
يذهب وادي إلى أن ما قرأه من روايات صدرت قبل 1948 أو ما قرأه عنها يشير إلى أنها روايات استنكفت عن الكتابة في الموضوع الوطني واغتربت عنه، بل وخانته في الطرح، ويشير إلى روايتين مهمتين لجمال الحسيني اختلفتا فـ "لم تستنكفا ولم تغتربا ولم تخونا" ولكنهما ضاعتا، وفقط من خلال الإشارات التي حصل عليها عنهما استطاع أن يكون انطباعا أوليا عنهما يتمثل في "أنهما ظلتا ملتصقتين بواقعهما ومخلصتين في استلهامه والتعبير الأكثر عن قضاياه" (ص  32و33)
شمعون بلاص التفت إلى غياب موضوع النزاع العربي - اليهودي (هكذا؟) في الأعمال القصصية حتى 1948، "فعلى نقيض الشعراء.....امتنع كتاب القصة عن تناول هذا الموضوع من قريب أو بعيد "(ص 107) وحاول الوقوف على هذه الظاهرة الغريبة "في موقف كتاب القصة من القيادة السياسية، إذ إن أغلبهم كانوا ينتمون إلى اليسار ولم يروا أنفسهم....مقيدين بالخط السياسي لهذه القيادة ذات الطابع الديني" (ص108) ويتوقف بلاص أمام روايتي جمال الحسيني "ثريا" و"على سكة الحجاز"، فقد عثر عليهما ودرسهما ولاحظ أنهما قاربتا الموضوع، وأشار بلاص إلى أن صاحبهما كان ينتمي إلى التيار القومي التقليدي.
لقد انفرد الحسيني - كما يقول بلاص - "باتخاذه موضوع النزاع، أو بالأحرى موضوع بيع الأرض العربية لليهود، كنقطة انطلاق للحبكة الغرامية في عمله الروائي" (ص108)، وخلص إلى أن روايتي الحسيني "تسجلان سبقا في الرواية الفلسطينية التي تعكس النزاع العربي - اليهودي في فلسطين"(121).
كلام بلاص صحيح إن أغفلنا المسرحيات التي عالجت الموضوع بصورة موسعة أكثر منها في روايتي الحسيني.وبخصوص القصة القصيرة فإن بلاص يشير إلى قصة لمحمود سيف الدين الإيراني.
هناك كاتبان مسرحيان قاربا الموضوع هما محمد عزة دروزة في مسرحيته "الملاك والسمسار"(1934) - وقد ضاعت - وبرهان الدين العبوشي في مسرحيته "وطن الشهيد "(1946) وهي متوفرة، واتجاه دروزة قومي وتوجه العبوشي ديني ريفي محافظ، وقد كتبا عن بيع الأرض وأبرز الثاني في مسرحيته شخصيات يهودية صهيونية.
وأستطيع القول، بعد قراءة ملخص بلاص للروايتين ومناقشتهما، إن ملامسة الحسيني للموضوع كانت مدخلا للكتابة عن موضوعات اجتماعية، وهو ما قاله بلاص أصلا.
شخصيا قرأت من الأعمال الروائية التي صدرت قبل 1948 "الوارث "(1920) لخليل بيدس و"الحياة بعد الموت "(1920) لاسكندر الخوري البيتجالي و"مذكرات دجاجة "(1943) لاسحق الحسيني و"في السرير"(1947) لمحمد العدناني، وباستثناء "مذكرات دجاجة" - إن أخذنا بالتفسير الرمزي لها الذي ينفيه المؤلف بشدة - فإن الروايات الثلاث الباقية لم تقارب موضوع الصراع الفلسطيني الصهيوني.
لقد لامسه العدناني ملامسة عابرة خجولة حين كتب عن اليهود بعامة، وتبقى مسرحية العبوشي الأكثر معالجة للموضوع، ومثلها يوميات خليل السكاكيني في حدود ما اطلعت عليه منها.
إذا أخذنا بتفسير بعض من التفت إلى الظاهرة من الدارسين، بخاصة فيما يخص خوف الكتاب من ملاحقة الانجليز لهم، فإننا واجدون في جنوح اسحق الحسيني إلى الرمز ما يعزز استنتاج أصحاب الرأي، ويعززه أكثر اختلاف طبعتي رواية العدناني، فحين أصدرها المؤلف بعد النكبة في حلب استبدل مفردات بأخرى وهذا ما التفت إليه في رسالة الدكتوراه.
شخصيا لي رأي آخر مختلف كنت أشرت إليه وأنا أكتب عن القدس في الأدبين الفلسطيني والصهيوني "القدس بين روايتين".
لقد لاحظت أن (ثيودور هرتسل) كتب عن القدس في روايته "أرض قديمة - جديدة" (1902) في حين لم يلامس الموضوع أي روائي فلسطيني حتى ممن أقاموا في المدينة مثل الحسيني، باستثناء خليل السكاكيني في يومياته إذا اعتبرنا اليوميات نصوصا أدبية. ومرة كتبت أننا إذا أردنا أن نقرأ عن المكان الفلسطيني قبل 1948 فعلينا أن نقرأ الأدب العبري الذي كتب قبل 1948، ولي وجهة نظر في الأمر.
كان النثر القصصي والروائي في فلسطين في بداياته، بخلاف النثر القصصي والروائي العبري، فقد كتبه كتاب جاؤوا من أوروبا وكانوا على صلة واطلاع على القصة والرواية الأوروبية فقد كانت لغتها لغتهم الأم، والموضوع يطول.
والخلاصة أن فلسطين التاريخية تحضر في القصة والرواية الفلسطينية المكتوبتين بعد العام 1948، بل وبعد العام 1967 أكثر مما حضرت في النصوص الروائية المنجزة قبل العام 1948 وهذا موضوع يستحق مقاربة.
يتبع

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: