آراء

مؤشر الحريات: قضية خاشقجي نموذجاً

مهند عبد الحميد

2018-10-16

منذ أسبوعين احتل حادث اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي مركز الصدارة اعلامياً وسياسياً. روايات تتحدث عن مقتله بأسلوب وحشي، ومطالبات بتحقيق معمق وشفاف حول مصيره، وتهديدات بفرض عقوبات مؤلمة وشديدة على كل من تثبت إدانته، ومقاطعة رجال اعمال ومؤسسات لمؤتمر دافوس في الصحراء على خلفية اختفاء خاشقجي. ومعلومات تسرب عن دور خاشقجي في القتال في صفوف القاعدة واقترابه من زعيمها أسامة بن لادن. حرب سياسية وإعلامية واصطفافات عنوانها حقوق الانسان وحرية التعبير والديمقراطية والقانون والشفافية.
الالتزام بالحريات ومنظومتها المتكاملة يستحق كل التأييد والدعم والاحترام سواء في قضية خاشقجي او في غيرها من القضايا. لا أحد يستطيع رفض تلك المبادئ او التنكر لها. لكن الموقف الغريب هو  قبولها في بلد ورفضها في بلد آخر. وخضوعها للمعايير المزدوجة والانتقائية والتلاعب في اكثر من مكان. ما حدث ويحدث هو انتقاء هذا النوع من الانتهاك والتركيز عليه، وتجاهل انتهاكات أشد وأقسى وكأنها غير موجودة وغير موثقة. هذا النوع من الانتقائية يضعنا امام حقيقة تنكر النظام الدولي الرسمي للمبادئ ومنظومة القيم الانسانية، وقَصْر استخدامها على بعض الانتهاكات «لغاية في نفس يعقوب». ويبدو هنا الوظيفة الاستخدامية لتلك المبادئ السامية، التي يتم عزلها التعسفي عن توق البشر للحرية ولنيل الحقوق البسيطة والكبيرة على حد سواء.
 لم يتوقف كثير من الذين أمسكوا بقضية الخاشقجي -وهم محقون في إمساكها-، عند الكوارث المأساوية التي حلت ولا تزال تحل بالسوريين، ولا بالموت والتشرد الذي يتعرض له اليمنيون، ولا للقمع المنهجي والاستبداد الذي تتعرض له شعوب الربيع العربي عقاباً على مطالبتها بالحرية والكرامة والخبز. ولا لانتهاكات نظم البترو والغاز دولار لجهة دعم التنظيمات الاصولية والوصاية بالمال على المعارضة، ولا لدورها في تقويض كل نضال ديمقراطي سلمي مشروع للشعوب التي عانت من الاستبداد. هكذا وفي شرط طغيان سياسة الاستخدام والتوظيف، على حساب سياسة احترام المبادئ الإنسانية والديمقراطية قولاً وفعلاً. فمن المرجح ان تنتهي قضية خاشقجي الى صفقة ما، بعد ان تكون الحملة الإعلامية والسياسية قد حققت مراميها الاقتصادية وحققت الأرباح  والمكاسب المعول عليها راهناً، ولن يكون ذلك مفاجئاً او غريباً على الجهات ذاتها التي تغض الطرف عن أبشع الجرائم، وتواصل دعم مرتكبيها بالسلاح وبالغطاء السياسي.
إذا انتقلنا من التعميم الى التخصيص، نبدأ بالرئيس الاميركي  ترامب الذي حرر السياسة من مساحيق التجميل والتمويه وجعلها صريحة ونافرة، وحولها الى ربح وخسارة وصفقات. الرئيس ترامب يستثمر في قضية خاشقجي ويسعى الى ابتزاز الحكومة السعودية لاستحصال أكبر مبالغ «كاش» وعَيْني كمان، مستخدماً في ذلك الضغط والتهديد والتخويف. وهو حريص على استثمار دوره في الدفاع عن «الحريات» عبر هذه القضية، لتحسين فرص اللوبي الاقتصادي المتوحش في انتخابات الكونغرس النصفية. لقد قبض ترامب أول ثمن  له بالافراج عن القس الأميركي «أندرو برانسون»  الذي عاد الى واشنطن معترفاً بجميل ترامب وقدرته في الدفاع عن الاميركيين، وما يترتب على ذلك من زيادة في شعبية الرئيس التي تتأثر بالاحداث وخاصة من هذا النوع الذي يستثير العواطف.  وعلى الاغلب لن يتورع ترامب في نهاية المعمعة وبعد قبض الثمن عن انقاذ أصحابه من الورطة، بالتراجع عن العقوبات الجدية وابقاء الشكلية والمحتملة.
 الرئيس التركي اردوغان بدوره استثمر ولا يزال  يستثمر في قضية خاشقجي ويوظفها في التغطية على أزماته الداخلية وعلى انتهاكاته الفادحة بحق كل اطياف المعارضين وبخاصة الإعلاميين. منذ اليوم الاول تحولت السلطات التركية الى مصدر المعلومات شبه الوحيد، وهو العنصر الأهم في قضية خاشقجي. وقد برعت في استخدامها بالتسريب الذي  أحدث أشكالا من البلبلة ونمّى الفضول، ولم يفت السلطات التركية اللعب على الزمن، فيبدو انها غير حريصة على قفل هذا الملف سريعا، بل تحرص على إطالة القضية معلقة أطول وقت ممكن. يهم اردوغان إضعاف السعودية كمنافس اقليمي، والانتصار للاخوان المسلمين وهم أكثر القوى ولاءً وحماساً له. وفي نهاية المطاف تبدي السلطات التركية استعدادها للتسوية مقابل أرباح ومغانم، وهذا ما يستشف من المواقف التركية المزدوجة صعوداً وهبوطاً.
ودول اخرى استثمرت في قضية خاشقجي لا التزاما بالحريات والحقوق التي تنتهكها شر انتهاك وانما لتصفية حسابات وتحسين شروط. الموقف الاوروبي بقي الحاضر الغائب والمتردد الذي اقتصر موقفه على المطالبة بتحقيق عميق وشفاف وسريع، وكفى. ولا يختلف موقفه من قضية خاشقجي عن مواقفه من المجازر التي ارتكبت في سورية وفي اليمن، ومن تدمير الديمقراطية في مصر. لا يزال الاتحاد الاوروبي يحن لعلاقات مميزة مع أنظمة مستبدة على حساب حرية شعوبها، لطالما حصد المغانم والامتيازات.
قضية خاشقجي وأسلوب اختفائه او قتله، هي جريمة بكل المقاييس، ومن المفترض معاقبة الطرف الذي ارتكبها وقرر بشأنها، بصرف النظر عن موقع الضحية فيما اذا كان  جزءا من النظام الرسمي او معارضا له، وهي جزء لا يتجزأ من الجرائم التي ترتكب بحق الشعوب. جريمة صغيرة لا يمكن فصلها عن الجرائم الجماعية التي سقط فيها أبرياء. واذا كان الاصطفاف الدولي الحالي ضد متهم مستتر، ودفاعه الزائف عن حياة وحرية شخص، فإن الاصطفاف المفترض الحقيقي ضد الجرائم الفردية والجماعية لم يتبلور بعد، ويكاد يضيع في لجة الدفاع الزائف. وللأسف فقد نجح أصحاب الدفاع الزائف في احتواء المدافعون الحقيقيون عن الحريات والذين اقتصر وجودهم على وسائل التواصل الاجتماعي في بعض الدول، في الوقت الذي بدأت هذه الوسائل تضيق وتمنع ويخضع أصحابها للقمع في دول أخرى. لقد كشفت مأساة خاشقجي مستوى الحرية الهش المتاح للمواطن العربي في بلده، وطرحت في الوقت نفسه مستوى الاستقلال الذي تتمتع به المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان.
Mohanned_t@yahoo.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: