آراء

التطرف والإرهاب بين استراتيجيتين

عريب الرنتاوي

2018-10-12

كشف جون بولتون عن معالم الاستراتيجية الأميركية لمحاربة التطرف والإرهاب... هذه المرة، وبخلاف استراتيجية العام 2011، زمن باراك أوباما، بدا أن "الإسلام الشيعي" هو "العدو المستهدف" بالاستراتيجية، بعد أن جرى توصيف إيران بأنها الدولة الشريرة والداعم الأكبر للإرهاب منذ العام 1979، وليس من اليوم، وبعد أن احتل حزب الله والجهاد الإسلامي والحوثيون، مكانة متقدمة في لائحة التهديدات التي تجبه الأمن القومي الأميركي وأمن واستقرار حلفاء واشنطن وأصدقائها.
في استراتيجية 2011، بل وفي مجمل السلوك الأميركي، وتحديداً في سنيّ أوباما الثمانية... احتل "الإسلام السني" موقع الصدارة في قائمة مهددات الأمن القومي الأميركي، باعتباره حاضنة الإرهاب ورافعته الكبرى للتجنيد والتعبئة والتحشيد ... كان ذلك امتداداً لصدمة الحادي عشر من أيلول، والتحولات في المواقف والسياسات والاستراتيجيات ... وكان ذلك "بوحي" من اندلاع ثورات الربيع العربي وانتفاضاته، واحتلال الإسلام السني (الإخواني بخاصة) مكاناً ريادياً في الأنظمة والإدارات التي انبثقت عن هذه الثورات، وقيامه بدور قيادي في حركة الشوارع العربية الأخرى، وإن من موقع المعارضة.
مهّدت سلسلة لم تنقطع من الأبحاث والدراسات والمؤتمرات و"الزيارات" والاتصالات الرسمية وغير الرسمية، الطريق لحوار في العمق بين الولايات المتحدة والإخوان المسلمين، بوصفهم العمود الفقري الأكثر تنظيماً و"عقلانية" من بين جميع حركات الإسلام السياسي السني ... وبدا أن واشنطن قد قررت التعامل بـ"إيجابية" مع مخرجات الربيع العربي، حتى وإن تطلب الأمر، التخلي عن حلفاء تاريخيين لها من وزن محمد حسني مبارك وزين العابدين بن علي وغيرهما إن اقتضت الضرورة.
لقد سمعت واشنطن من "محدّثيها" الإسلاميين ما يكفيها، أقله كحد أدنى لفتح صفحة جديدة من التعامل والتعاون معهم ... فهم اقتصادياً، لا ينتمون لعوالم الاشتراكية و"مدرسة القطاع العام"، بل أصدقاء لصندوق النقد الدولي ونظرية السوق وللنظام الرأسمالي العالمي، حتى وإن جرى تغليفها جميعاً بـ"حجاب" إسلامي، تحت لافتة البنوك والصيرفة والتأمين الإسلامية ... والأهم، أنها سمعت منهم، ما يطمئنها على "سلامة" علاقاتهم بإسرائيل، والتزامهم بالاتفاقيات المبرمة معها، وتحاشي الصدام معها أو إشهار العداء لها ومقاومة التطبيع معها ... إلى أن قُضي الأمر، وكان ما كان في مصر وتونس وغيرهما من البلدان التي لم يظفر بها الربيع بأي فرصة من أي نوع.
بدا أن قلق واشنطن من "الإسلام السني" لم يكن مقتصراً على قواه ومنظمات "الحركية"، الشعبية فحسب، بل طاول أنظمة حكم لطالما صنفت معتدلة ... حملت إدارة بوش على "أصدقاء لا حاجة لها للأعداء بوجود أمثالهم"، قيل إن روافد "الإرهاب السني" تنبع من أكبر وأهم الدول العربية والإسلامية وأكثرها مالاً وسكاناً ... واحتل شعار "نشر الديمقراطية" مكانة أعلى من أي وقت مضى على رأس قائمة أولويات السياسة الأميركية في "الشرق الأوسط الكبير"، ومعه شمال أفريقيا بالطبع... وسادت العلاقة بين هذه الدول، وإدارة أوباما مناخات من الفتور المشوب بالشكوك والاتهامية، ووقعت انتقادات أول رئيس أميركي أسود على رؤوس بعض القادة العرب، كالصاعقة، خصوصاً حين أبلغهم في "كامب ديفيد" أن واشنطن قادرة على حمايتهم من أعداء الخارج، وستفعل ذلك، ولكنها غير راغبة وغير قادرة إن رغبت، على حمايتهم من "أعداء الداخل" ... لم يكن خطاب الإصلاح والتحديث والدمقرطة وحقوق الإنسان، إلا رديفاً لسياسة "تغيير الأنظمة" كما فهما قادة عرب كثر، احتفلوا حتى الصباح عند رحيل أوباما عن بيته الأبيض، واستقبلوا بذراعين مفتوحتين وجيوبٍ منتفخة، خلفه الرئيس دونالد ترامب.
اليوم انقلب المشهد، مع مجيء إدارة لا تقيم وزناً لحقوق الإنسان والديمقراطية، ولا يبدي رئيسها إعجاباً وولهاً (يصلان درجة العشق والغرام) إلا إزاء قادة دكتاتوريين وفرديين، من نمط كيم جونغ أون على سبيل المثال لا الحصر ... اليوم، وبتأثير إيديولوجيا عقائدية "إنجيلية – متصهينة"، يجري الانقلاب على إرث جمهوري – ديمقراطي سابق، وتحتل إيران – لدوافع إسرائيلية – مكانة الأولية في قائمة مهددات الأمن القومي الأميركي ... ويصبح "الإسلام الشيعي" هو الخطر الماحق والتهديد الماثل.
الاستراتيجية الجديدة، لم تسقط "داعش" وأخواتها من قائمة التهديدات والمهددات، فهي ما زالت حاضرة وبقوة، لكن وزن التهديد "الإيراني – الشيعي" تقدم عليها في السنة الثانية من ولاية دونالد ترامب ... وكل من يتتبع مواقف الرئيس وسياسات إدارته وإجراءاته، سيلمس حجم التحول في النظرة الأميركية لتحدي التطرف وتهديد الإرهاب.
في الاستراتيجية الجديدة، حديث عن "البعد الإيديولوجي" في الحرب على التطرف والإرهاب، بيد أنه حديث ينطلق من "إيديولوجيا" أخرى متطرفة كذلك، مكوناتها الدينية – الإنجيلية والصهيونية، ليست خافية على أحد.. وربما لهذا السبب، فإنه محكوم عليها بالفشل الذريع، إذ إنها قمينة بحفز التطرف الإيديولوجي الإسلامي "السني والشيعي" على حد سواء، بدل أن تبدده وتستأصله من جذروه وبيئاته الحاضنة.
قد يقال الكثير في مدى نجاح استراتيجية أوباما أو فشلها ... وقد يستمر هذا الجدل من دون انقطاع بين مؤيد ومثمن، ومعارض ومندد ... لكن من غير المشكوك فيه أن استراتيجية ترامب ستواجه الفشل المحتم، وستفضي إلى زيادة تأزيم المشهد الإقليمي وحفز التطرف والغلو، وإشاعة مناخات اليأس والإحباط المؤسسة لتفشي العنف والتطرف وتفاقم خطر الإرهاب.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: