ما قاله فاروق مردم بيك وصبحي حديدي عن درويش من متحفه في رام الله ...!

2018-10-09


كتبت بديعة زيدان:

ضمن فعاليات مؤسسة محمود درويش إحياء للذكرى العاشرة لرحيل الشاعر الكوني، احتضنت قاعة الجليل في المتحف الذي يحمل اسمه بمدينة رام الله، مؤخراً، ندوة أدبية لكل من صديقيه الناقد صبحي حديدي والكاتب والمترجم والناشر فاروق مردم بيك، تحدثا فيها عن درويش إنساناً ومبدعاً، في أمسية من نوع خاص، أدارها سامح خضر مدير المتحف.

بعد التعبير عن سعادته الغامرة بأن يكون في فلسطين، وتحديداً من متحف محمود درويش، تحدث الكاتب والمترجم والمؤرخ السوري فاروق مردم بيك، عن حضور درويش الطاغي على الساحة الفرنسية تحديداً، في ورقة أعدها تحت عنوان "محمود درويش في باريس 1983 – 2008"، عمد خلالها إلى الاستعراض الموضوعي والذاتي لتلك السنوات التي قضاها "مع محمود في باريس".

مولده الشعري الحقيقي
وجاء في هذه الشهادة على لسان مردم بيك: قال محمود درويش في العديد من مقابلاته إنه ولد شعرياً على دفعات، وإن باريس كانت مكان مولده الشعري الحقيقي، فهي، كما قال، أتاحت له أن يكرس جل وقته للقراءة والكتابة، وأن يتأمل أحوال الوطن والعالم، وأشياء الحياة، بعيداً إلى حد ما عن هموم السياسة اليومية .. كتب محمود في باريس "ورد أقل"، و"ذاكرة للنسيان"، و"هي أغنية"، و"أحد عشر كوكباً"، و"أرى ما أريد"، و"لماذا تركت الحصان وحيداً"، وأغلب قصائد "سرير الغريبة"، وفيها بذر بذور "الجدارية"، و"لا تعتذر عمّا فعلت"، و"كزهر اللوز أو أبعد"، و"أثر الفراشة" التي أينعت في عمّان ورام الله.

وأضاف: عاش درويش في باريس بين العامين 1983 و1995، تخللتها إقامات قد تطول أو تقصر في تونس، ولم تنقطع علاقته بالعاصمة الفرنسية بعد ذلك، منذ عودته إلى الوطن حتى وفاته .. إذا كان من حقنا ألا نوافق درويش في قسوته المفرطة على شعره في مرحلتيه الجليلية والبيروتية، وفيهما قصائد أيقونية، إذا صح التعبير، تتردد دائماً في ذاكرتنا الجمعية، فلا بد لنا أيضاً من أن نأخذ مأخذ الجد تقييمه الذاتي لإنتاجه الباريسي.

ولفت مردم بيك إلى أن أول ترجمة لشعر محمود درويش إلى الفرنسية، ظهرت في العام 1970 عن دار لو سيرف نشر صغيرة لم تستمر طويلاً متزامنة مع أول ما ترجم لنجيب محفوظ "زقاق المدق"، فيكون بذلك أحد اثنين كانا السبّاقين إلى أن يترجما إلى اللغة الفرنسية، وتضمنت هذه الترجمة الرائدة مختارات من "أوراق الزيتون"، و"عاشق من فلسطين"، و"آخر الليل"، و"حبيبتي تنهض من نومها"، أي من المجموعات التي نشرها درويش قبل خروجه من فلسطين، عدا "العصافير تموت في الجليل".

مبيعات وحشد
مضى بعد ذلك وقت طويل قبل أن تصدر في 1988 عن دار "مينوي" التي احتضنت مجلة الدراسات الفلسطينية فرنسية اللغة منذ عددها الأول، انطولوجيا وافرة ترجمة الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي، عرفت الجمهور الفرنسي بعمل محمود حتى خروجه من بيروت في 1982، وتبعتها في الدار نفسها، كراسة احتوت على قصيدة "عابرون في كلام عابر"، والسجال الذي أثارته في إسرائيل، وبعدها بسنة واحدة ترجمة اللعبي لديوان "ورد أقل"، ولا شك في أن نشر هذه الكتب الثلاثة في فرنسا بحضور محمود، والحديث لمردم بيك، كرست اسمه في المشهد الثقافي الفرنسي، إلا أن ما بوّأه مكانته العالية كان التزام دار "اكت سود" في العام 1992، ولم أكن بعد مديراً لسلسلتها العربية بترجمة "أحد عشر كوكباً"، و"ذاكرة للنسيان"، فنشرا في العام 1994، ولقيا ترحيباً حارّاً في الصحافة، وبيعت منهما ألوف النسخ، وتوالت تباعاً ترجمة أعماله بهمة الصديق العزيز إلياس صنبر، واغنت بالأنطولوجيا الثانية في أهم سلسلة شعرية بفرنسا، وتحديداً في دار "غاليمار" في العام 2000، واستمرت بعد وفاته، حتى بلغ عدد كتبه المتوفرة بالمكتبات الفرنسية 21 كتاباً، ويتعدى هذا الرقم بكثير مجموع ما ترجم للإنكليزية أو الإسبانية أو غيرهما من اللغات.

وأضاف مردم بيك: لا أبالغ إذا قلت إن مبيعات أكثر هذه الكتب منذ العام 1994 تتجاوز مبيعات أغلب الشعراء الأحياء، إن لم يكن جميعهم، بمن فيهم الطبقة الأولى من الفرنسيين، ولا غرابة في أن محمود كان الشاعر الوحيد القادر على حشد جمهور واسع من مختلف الأعمار في الأمسيات الخاصة به، من جامعة "السوربون" في باريس بإطار مهرجان نظمته وزارة الثقافة الفرنسية في العام 1997 للتعريف بالأدب الفلسطيني، إلى المسارح الكبيرة في بوردو وتولوز والمدرج الروماني الكبير، وغيرها .. ولا يمر شهر منذ وفاته لا تتلقى فيه دار "اكت سود" عرضين أو أكثر من مخرجين أو ممثلين أو موسيقيين لقراءة قصيدة أو مسرحتها أو تلحينها، ففي أيلول الماضي، وفي المهرجان الذي نظمه معهد العالم العربي بباريس بمناسبة الذكرى العاشرة لغيابه، قام مغنون وممثلون بإنشاد شعره بالفرنسية على وقع موسيقى الجاز، والبلوز، والروك، ما يعني حضوراً مستمراً باقياً، بما في ذلك لدى الشبيبة.

تعارف في الثمانينيات
"أسعدني الحظ في الثمانينيات، بعد أن استقر محمود في باريس، بالتعرف إليه عن كثب، ولعلنا التقينا في تلك السنوات، مرتين أو أكثر في كل أسبوع، وحيدين، أو رفقة بعض أصدقائنا المقربين كليلى شهيد، وإلياس صنبر، وصبحي حديدي، وأسعدني الحظ ثانية في التسعينيات حين أصبحت ناشر كتبه إلى الفرنسية، ومترجم أو المشارك في ترجمة ثلاثة منها"، قال مردم بيك.

وأضاف: كنت أعمل منذ العام 1981 مع ليلى وإلياس في مجلة الدراسات الفلسطينية التي كانت تصدر بالفرنسية، وكان محمود سنداً لنا في عملنا، ومرجعاً أميناً، ثم تطورت علاقة كل منّا به إلى صداقة شخصية متينة، وفي هذا الصدد تحضرني بطبيعة الحال عشرات الذكريات عن حياته اليومية، وعاداته المتأصلة، ووفائه، وسخائه، وتعليقاته الجادة أو الساخرة على الأحداث الكبيرة والصغيرة، وأجوبته المسكتة، ولو توفر الوقت لرويت الكثير على سبيل التفكه عن مناوشاتنا التي استمرت طويلاً ولم تحسم لصالحه أو لصالحي في شأن المفاضلة بين منتخب كرة القدم البرازيلي والمنتخب الأرجنتيني، أو في مسألة ولعنا نحن الدمشقيين بالكزبرة الخضراء التي كان لا يستسيغها حتى في طبخة الملوخية أو البامية.

القصيدة عند محمود
كان يستفز محمود للشعر حواسه الخمس، ويتعقبه طول يومه في كل ما حوله .. كان يبحث عن ماهيته في أشعار العرب الجاهليين، والعباسيين، والمعاصرين، وفيما ازدحمت به مكتبته من دواوين الشعر العالمي بالإنكليزية والعربية والعبرية .. قاده انشغاله بالإيقاع، فيشرع إلى مهادنة العروض، وتطويع التفعيلة، وإلى التولع بجنس الألفاظ، ثم إلى التعود على التنقيب اليومي في معجم لسان العرب عن الحقل الدلالي لكلمة ما خطرت له، وقد يذكرني صبحي كيف كان محمود يروي لنا كلما التقينا باندهاش ومتعة، ما كشفه في مغامرته اللغوية برحاب "ابن منظور"، وربما كان سعيه الدائب إلى تعريف ما هو الشعري في الشعر وأغراضه المستجدة وأدواته وصنعته، سبب ما لا يعرفه عامة جمهوره من قلقه الدائم وحيرته وشكله وجهده في الاطلاع على رأي أصدقائه الموثوقين فيما انتهى من كتاباته، ونادراً ما رضي عنه تماماً.

تبدأ القصيدة عند محمود إيقاعاً على ما قال غير مرّة، ثم تكتسي بالكلمات والصور، ولكن ما هو الإيقاع؟، كان يسأل، وما هي ضوابطه؟، وما الذي يميّز إيقاع الشعر عن إيقاع النثر؟ .. أعتقد أن هذه الأسئلة الصعبة، والحديث لمردم بيك، حكمت علاقته التي قد تبدو ملتبسة بقصيدة النثر، فجعلته يتمسك دائماً بالتفعيلة إلى حد الالتزام بإحداها (فعول) في ديوان "ورد أقل" من أوله لآخره، كما جعلته يعمل غالباً في ترتيب سطوره الشعرية على إخفائها، لذلك لم يتنكر للقافية، لكنه حشرها في كثير من قصائده في غير موقعها المعتاد في آخر السطر .. كان يتابع إنتاج شعراء النثر المجيدين، وكثيراً ما سمعته يشيد بهم، ويبدو لي أنه حاورهم في بعض قصائده، ولا أدلّ على انشغاله بتحدي قصيدة النثر التي هيمنت شيئاً فشيئاً منذ السبعينيات من افتتاحه ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" بجملة من كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيّان التوحيدي "أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم".

آب 2007
وتذكر مردم بيك رحلته المشتركة مع درويش، في آب من العام 2007، إلى مدينة "ستروعا" على الضفة الشمالية لبحيرة "أوخريد" في مقدونيا، حيث منح جائزة "التاج الذهبي للشعر" وكان حصل عليها قبله نخبة من كبار شعراء القرن العشرين، ولحق بنا بعد وصولنا بيومين الصديقان سمير ووسام جبران، وكان من طقوس الاحتفال أن يزرع الشاعر شجرة باسمه في حديقة البلدية، وأن يشارك بقصيدة في أمسية شعرية جماعية، ثم أن يقرأ باعتباره ضيف شرف منتجات من شعره ترجمت إلى لغة البلد المضيف في كنيسة "أوغريت" البيزنطية البديعة.

وتذكر: أتاحت لي "الأيام الأربعة" التي أمضيناها في "ستروغا"، وخصوصاً نزهتنا في حديقة الشعراء، فرصة فريدة لسؤاله عن علاقاته بالشعراء الذين توجوا قبله، على أن نعود إليهم فيما بعد بمقابلة مطولة لمجلة الدراسات الفلسطينية، مقابلة لم تتم مع الأسف، إلا أنني استعدت، منذ سنتين، ما تذكرت منها، في حوار لي مع مجلة فرنسية.. سألته مثلاً عن الشاعر البريطاني الأميركي أودين، في ظل الشجرة التي زرعها في 1971، وكان أول من حصل على "التاج الذهبي"، وقال بما معناه "غريب أمر الشعراء، هذا شاعر عظيم لم يقرأه أكثر رواد الشعر في بلادنا، حيث طغت شهرة اليوت، وربما قل الاهتمام به حتى في البلدان الناطقة بالإنكليزية إلى أن ذاع صيته من جديد في العالم أجمع بعد وفاته، بفضل قصيدة واحدة قرأها ممثل شاب في أحد الأفلام السينمائية"، وأضاف مبتسماً: "ليس بفضل التاج الذهبي"، والقصيدة المعنية هي تلك المرثية الرائعة في فيلم "أربعة أعراس وجنازة".

طالت بعد ذلك وقفتنا أمام شجرة بابلو نيرودا .. قال: "هذا بحر، محيط، مثل الباسيفيكي"، حيث استفاض بالتعبير عن إعجابه بملحمية "النشيد الشامل"، وأكثر منها بثنائية "عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة"، و"مئة قصيدة حب" .. وماذا عن ريتسوس الذي زرع شجرته في العام 1985 .. "قال محمود: أنت تعرف كم أحب ريتسوس، وكم تدهشني قدرته على طرح المسائل الوجودية العميقة، وعلى استخدام الأساطير ببساطة آسرة في قصائده اليومية"، تأكدت أنه كان من أقرب الشعراء إلى قلبه في تلك المرحلة من مسيرته الشعرية، على الرغم من إعجابه الشديد بديرك ويلكوت، كما تذكر مردم بيك محطات أخرى في حديقة الشعراء رفقة درويش.

وختم مردم بيك شهادته بالقول: غادرنا محمود إلى عمّان ثم إلى رام الله، وعاد إلى باريس في أواخر أيلول بمناسبة صدور الترجمة الفرنسية لمجموعة "كزهر اللوز أو أبعد" .. وقتها، قرأ بعض قصائده الأخيرة، وقرأها بالفرنسية الممثل القدير ديديه ساندر، وعلى العود سمير ووسام جبران، ولا أنسى كم كان قلقاً من عدم وصول عدد جمهور أمسيته إلى نصف ما تتسع له القاعة، ولكن، وبعد يومين، كانت دهشة كبيرة بأن إعلانات في الشوارع حول الأمسية تفيد بأن كل التذاكر نفدت، مع العلم أن المسرح يتسع لألف شخص، وسعر البطاقة 12 يورو، ويا لسعادته الغامرة وسعادتنا بمشهد العلم الفلسطيني يرفرف مع الجمهور الفرنسي بجمهور العلمين الفرنسي والأوروبي .. حلق محمود عالياً في تلك الأمسية، وكاد يبكي ويبكينا في ختامها، وهو يقرأ آخر أبيات "الجدارية" بصوت متهدج، وكأنه يودعنا "هذا البحر لي، هذا الهواء الرطب لي، واسمي وإن أخطأت لفظ اسمي على التابوت لي، أما أنا، وقد امتلأت بكل أسباب الرحيل فلست لي .. أنا لست لي .. أنا لست لي".

سؤال الشاعر
الناقد السوري صبحي حديدي، عبر بدوره عن سعادته الغامرة بزيارة فلسطين التي لم يكن يتخيلها، وهي "غامرة أشد وأعمق لأنني في هذا المكان تحديداً"، وقال: السؤال الأشد إنصافاً حول ما الذي لا يحتفى به في شعر محمود درويش .. الاحتفاء هنا يأتي على أصعدة غير مألوفة، وبالغة العمق، واستثنائية وفردية.

وبدأ مداخلته بالقول: أعتبر نفسي محظوظاً لأنني عشت في عصر محمود درويش كقارئ أولاً، ثم كدارس شعر ثانياً، وكصديق .. محمود يبلغ هذا العام سن السابعة والسبعين، منها سبعة وخمسون عاماً على الأقل قضاها في مشاكسة مشهد شعري بالغ القلق والاضطرام والتعدد، ومنها على الأقل أربعة على الأقل من الطلاق بينه وبين القارئ العربي الذي ينتمي لثقافة "الشعر ديوان العرب" .. لا أعتبر محمود درويش شاعراً عربياً كبيراً فقط، بل أعتبره أحد كبار حراس اللغة العربية بما هي عليه، وليس اللغة الشعرية بما هي ارتقاء باللغة الفصحى أياً كانت لغة البهاء في هذه اللغة، فهو ارتقى بهذه اللغة من باب حراستها من الركود، والانحطاط الدلالي والمجازي، وحرص أن تكون مؤهلة بوصفها لغة أدبية مجازاً أو شعراً أو حتى تعبيراً في المقال إلى مصاف كونية، بحيث أنها عندما تترجم، وتفقد بالتالي بعض أو الكثير من خصائصها التكوينية المجازية تحديداً، تكون مؤهلة للمباهاة بها بين لغات الأمم، ومؤهلة بأن تحتل مكانة مميزة عالمياً.

كونية الشعر
وتوقف حديدي عند قضايا شعرية عدة تتعلق بدرويش، أولها "كونية شعره" .. وقال: الكثير من شعراء الأمم في مرحلة ما، وطور ما في نتاجهم يبلغ الواحد منهم شأو التعبير عن رؤية الأمة، فيتحول رائياً لهذه الأمة، وبالتالي يحتل بإرادته أو لسبب إجماع الناس عليه موقع المتجذر صانع الذائقة الجمعية، وهي ليست الذائقة الشعبية العريضة لكنها ذائقة الجموع التي تبحث عما تريد لدى الشعر، وليس عما يقدمه الشعر أو يقترحه .. كونية محمود درويش تأتي لأنه بالفعل بدأ من القضية الفلسطينية، واحتسب بحق، وإن كان هذا الأمر اتخذ مسارات فيها بعض المغالطة أو المبالغة، ما سميناه "شعر المقاومة الفلسطينية"، في فترة كان الجرح النرجسي العربي بحاجة إلى منافذ خلاصية بعد الهزيمة، فاتضح أن هذا الشعر قد يشكل خشبة خلاص وجدانية، لكن فيما بعد، وتحديداً بعد خروجه إلى العالم العربي، أدرك سريعاً وبرهافة، وأعتقد بنوع من الحساسية الجارحة والمؤلمة ربما، أنه إذا كان سيواصل موقع الشاعر الجماهيري الذي تحتشد إليه الجموع بالآلاف سيبقى شاعر القضية الفلسطينية والشاعر الجماهيري فقط، وسيكون موقعه مثل عشرات الشعراء الكبار الذين قادوا قضايا كبيرة، ثم فيما بعد توقفوا عند موقع القضية، أو أنه سيبلغ فعلاً موقع الشاعر الشاعر، بمعنى أن يكون البرنامج الجمالي جزءا من القضية الفلسطينية، وليس العكس، وبالتالي أن يبلغ هذه المرحلة، التي أسميها المرحلة الكونية في شعره، بحيث يرتقي فعلاً بالقضية الفلسطينية إلى مصاف كونية تتيح لمقيم في البرازيل أو نيجيريا أو كردستان أن يتبصر قضيته الإنسانية داخل هذا النص الذي هو نص عربي أو فلسطيني أو ذاتي إنساني، وهذا كان حال شعراء كبار في تاريخ الإنسانية.

وأضاف حديدي: محمود بات شاعراً كونياً من طينة شعراء العالم الكبار، بتقديري، بعد "ورد أقل"، وهذا لا يعني أن قصائده السابقة لم تكن ذات مستوى فذ أيضاً، لكن في هذه المجموعة كان الانتفاض الذي قاده إلى المصاف الكونية، واقتضى بالتالي أن يذهب ببرنامج الجمالي إلى مراحل من الانعتاق، فذهب إلى الذات والغنائية وحاور نفسه، فكانت "ورد أقل" نقلة كبرى في أسلوبيته الكونية التي لم تكن تخلو على الإطلاق من الذاتية والمسائل الجمالية والبنائية.

علاقته بالجمهور
ولفت حديدي إلى أنه "من المفارقات العجيبة فيما يخص محمود درويش أن البعض يتهمه بأنه شاعر جماهيري، والواقع أن درويش وفي كثير من الأمسيات بعد خروجه من فلسطين، كان الجمهور يطالبه بقصيدة سجل أنا عربي (بطاقة هوية)، وكان يرفض، وظل يرفض لأن هذه القصيدة كان لها سياقها التاريخي أو الثقافي أو الإنساني أو السياسي، وكان يقرأ قصائد جديدة، وكان الجمهور يأنف للوهلة الأولى، أو يصدم قليلاً من شاعر سجل أنا عربي حين يقرأ نص تلك صورتها أو هذا انتحار العاشق، على سبيل المثال".

وقال حديدي: تابعت محمود درويش في أمسياته بمدن عديدة، وأعني لدى شرائح متباينة من الجمهور، من دمشق إلى أمستردام إلى باريس إلى دبي إلى القاهرة إلى المغرب، وغيرها، وكنت حريصاً أن أجلس في الصالة، وأراقب ردود أفعال المستمعين، وأحياناً كنت أسهو عن القصيدة نفسها، لانشغالي بحركة الجسد لدى جمهوره .. حين يقرأ قصيدة جديدة كان الجمهور يتمنع للوهلة الأولى، لكن فيما بعد بدا الجمهور يقبل تدريجياً، وعلى مضض أحياناً، ثم يقبل تماماً على القصائد الدرويشية الجديدة، حين يبدأ في تلمس روحية هذا الشاعر الكبير الذي تعلق فيه الجمهور، فكان هناك نوع من العلاقة الحلقية ما بين قصائد درويش والجمهور المتلقي.

وتحدث حديدي عن تطور علاقة القصائد المتتالية لدرويش مع جمهوره منذ "بطاقة هوية" فـ"تل الزعتر"، فـ"بيروت"، و"مديح الظل العالي" .. وقال: أتذكر حين قرأ في باريس، وكان الصديق فاروق مردم بيك حاضراً، قصيدته "مأساة النرجس ملهاة الفضة" وكانت بالغة التعقيد، لكنه ألقاها على جمهور باريسي الذائقة، ومع ذلك كان الجمهور يشعر بأن هذا الجديد ليس ما يريده من محمود درويش .. كانت هناك علاقة أقرب إلى التضاد ما بين جمهور يحبه ويريد أن يستأثر به ويحصره في موضوعات محددة، وبين شاعر دائم الثورة على جمهوره دون تعالٍ، وكانت هذه علاقة ديناميكية.

قصيدة الحب عند درويش
وفي هذا الإطار، قال حديدي: شاعر المقاومة الذي قال: "فلسطينية العينين والوشم"، ترسخت لدى جمهوره أن المرأة هي الأرض، أي فلسطين، فيحظر على درويش أن يكون عاشقاً بالمعنى الحسّي للكلمة .. وليست مصادفة أن اتجاه محمود درويش إلى كتابة قصيدة الحب الخالصة كان في أول مجموعة يصدرها خارج الأرض المحتلة بعنوان "أحبكِ أو لا أحبكِ"، وبالتالي بدأ في مناوشة جمهوره من خلال اعتماده موضوعة شعرية ليست رائقة لديهم بالمعنى الذي بات يطرحه، وطور في هذا الجانب الكثير، وإن كان حريصاً على ألا يذهب مع الجمهور إلى درجة الاستفزاز الكبير، فهم يريدونه قيثارة فلسطين، ولذلك بدأ بكتابة قصائد حب بالتدريج، منذ الانعتاق من الموضوع "الكليشيه"، فكان يبث عشرات القصائد في مجموعاته المختلفة، إلى أن خرج بمجموعة "سرير الغريبة"، التي هي مجموعة قصائد حب بالكامل، وليس فيها أي قصيدة تخرج عن هذا الإطار، وكان فيها نوع من الإصرار على إبراز الجانب الحسي في العلاقة ما بين الرجل والمرأة حتى بالمعني الأيروتيكي.

وأضاف: لكون محمود درويش وحتى رحيله، كان غير قادر، بتقديري، على مغادرة موضوع المنفى، كانت قصيدة الحب لديه موعد منفى بين العاشق والمعشوق، فثنائية المنفى تحضر بكثافة ما بين المرأة والرجل في قصائده، حتى إن هناك من تساءل إذا ما كان يحق له كتابة قصيدة حب تخلو من المنفى.

وشدد حديدي: الأهم والأخطر فنياً، هو أن محمود درويش، لأول مرة على مسار تجربته، استقر على كتابة شكل "السونيت"، وهو شكل بالغ التعقيد والصعوبة، ولم ينج منه شاعر كبير على مدار الإنسانية بكل اللغات، لكن الشعراء الكبار لا يطاردون "السونيت" إلا في مرحلة حساسة جداً من تجربتهم، حين يصل الشاعر إلى ما يسميه إدوارد سعيد بـ"مطحنة الأسلوب"، بمعنى حين تتصارع لديه مجموعة أساليب، ويبلغ درجة عالية من الإحساس بالنضج والجسارة على مقاربة "السونيت"، فقرر درويش كتابة "السونيت" في ست قصائد في مجموعة كلها قصائد حب، وهي التي كانت مناسبة بالنسبة له في الدخول في مسألة تحدٍ مع جمهوره، وتحديداً قصائد مثل "انتظرها"، التي رصدت رد فعل الجمهور المغربي لدى تلقيها، حيث إن هذا الجمهور المعتاد على القصائد لشعراء فرنسيين وغربيين، استقبلها من درويش بنوع من الاندهاش للوهلة الأولى، وكأنه لا يحق لدرويش ما يحق لغيره.

قصيدة النثر
واعتبر حديدي درويش "أحد كبار الأساتذة في نظم قصيدة التفعيلة"، فبات "الشائع أن محمود درويش معادٍ لقصيدة النثر، وهذا جلب إليه عداء بعض شعراء قصيدة النثر العرب الجيدين، بعضهم كان يعبر عن هذا العداء في صيغة من الضيق، وبعضهم يصمت، وبعضهم اعتبر درويش عائقاً أمام تطور الشعر العربي.

وقال حديدي: محمود درويش منذ قصيدة "مزامير" وكتبها في بيروت، وتقع في 350 سطراً، وفيها ست قصائد نثر كاملة، وكانت باعتقادي نابعة من هاجس لديه لمجاراة الحداثة العربية، وتحديداً البيروتية، توقف عن كتابة قصيدة النثر، إلى أن أصدر "أثر الفراشة"، وفي "حضرة الغياب"، وأجاد كثيراً أيما إجادة في جسر الهوة بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، لكنه ظل حريصاً على أن يكرم الإيقاع العربي وبنيته، لقناعته بأن أي أمة تعيش صراعاً على مستوى البنية الإيقاعية، فإن الحماقة تكمن في التخلي عن هذه الإيقاعية دون تقديم البديل، وهو أعلن صراحة أنه يتعلم من قصيدة النثر، ثم يظن شعراء قصيدة النثر أنه معادٍ لها، كاشفاً أنه "كان ينوي أن يشتغل في مجموعتيه اللتين لم تتما على ذات الموضوعة في كسر الهوة ما بين التفعيلة والنثر، مع إشارة للإنصاف، إلى أنه كان منحازاً انحيازاً جمالياً عالياً لشكل التفعيلة".

الحكايات كثيرة لدى كل من صديقي درويش، فاروق مردم بيك وصبحي حديدي، عن تفاصيل كثيرة لا يعرفها كثير منا ومن محبيه ومريديه، وجمهوره، لكن أمسية احتفائية، أو ندوة في ساعة، لا تفي هذه الحكايات حقها، وإن كان كل منهما قدم إضاءات قيمة من المتحف الذي يحمل اسم صديقهما، وحيث يرقد جسده، في تلك التلة بمدينة رام الله. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: