أطراف النهار

ذيل لأيلول أو هامش !

حسن البطل

2018-09-23

في ما يشبه الكردوسين، تتكدّس جلّ الأعياد الدينية اليهودية، والمناسبات التاريخية، في كردوسين: الخريفي والربيعي. في الأمر تفسير بسيط، قوامه أن الديانة اليهودية مبنيّة على الاغتراف من «أساطير الأوّلين». «سبات» الأرض الخريفي و»صحوة» الأرض الربيعي، في «بلاد بعل» موطن الحضارات القديمة، والديانات الثلاث «التوحيدية»!
من مطلع الكردوس الخريفي، حتى نهايته التي تبدأ اليوم بعيد العُرش (المظلة) الذي يستمر أسبوعاً، تتابع إدارة الجسور والمعابر الفلسطينية تعديلات إسرائيلية متلاحقة عن أيام وساعات الحركة على معبر الكرامة (كما يدعوه الفلسطينيون)، أو جسر الملك حسين (كما يدعوه الأردنيون)، أو جسر اللنبي (كما يدعوه الإسرائيليون).
في هذا الأيلول، تتابعت أربعة تعديلات، من الإغلاق التام إلى فتح الجسر 24 ساعة، إلى إتاحة الحركة مدة ساعتين فقط في يوم ما.
في يوم من أيام الأسبوع المنصرم، شربت وصديقي الزائر مقلباً، هو علم من اتصال بإدارة الجسور والمعابر أنه مفتوح 24 ساعة، ثم علم صديقي متأخراً من صديق آخر أن الجسر يُغلق في ساعات العصر. كنتُ أعددت لصديقي غداء وداع، ثم اكتشفت أنه لملم حاجياته وغادر، دون لقمة أو مصافحة وداع.. وفي نتيجة المقلب وصل محطته الأخيرة بعد 36 ساعة، عوضاً عن عشر ساعات!
هي، إذاً، أربعة تعديلات ملأى بالمطبّات المزاحية والمفاجئة، خلاف مطبّات الشوارع بنظاميها الرسمي وذاك العشوائي.
اعتادت بلدية رام الله تنظيم أسابيع لـ «سوق الحرجة» للمأكولات «البلدية» البيتية، والمشغولات الشعبية والتراثية تنتهي منتصف أيلول، بعد أن نقلتها من زاروب خلف المحكمة العثمانية إلى مكان أرحب في ساحة راشد الحدادين، كبير العائلات الخمس المؤسسة لمدينة رام الله، ورافق السوق، هذا الموسم، رقص فولكلوري، وحفلات موسيقية.
من زمان، غابت «الأسواق» عن وصف تعريفات الحركة الاقتصادية التجارية، باستثناء سوق الأوراق المالية، وغرب معه تعريف: «الدكان، والحانوت لصالح «ميني ماركت» و»سوبر ماركت» ثم «مول» وحتى «كانيون».
إخواننا التوانسة يطلقون على «السوبر ماركت» لفظة «المغازن» أي تحريفا من «المخزن». لا أعرف لماذا ليس فيها زاوية، أو ركن، أو «كيوسك» لمنتوجات بلدية بيتية هي شعار سوق الحرجة «بلدي أطيب»، علماً أن المشغولات والمطرّزات الشعبية التراثية لها «بوتيكات»، خاصة ومحلات للبيع.
حسناً، صار لـ «سوق الحرجة» مقرّ ومستقرّ سنوي؛ كما وصار لمبنى البلدية تحديثات متلاحقة، من مسرح بلدي محدّث، وقسم لخدمات الجمهور، وتجديد المتنزه البلدي.
لاحظتُ ثم نقلت ملاحظتي لصديقي هو عضو المجلس البلدي في رام الله، كيف يخلو المتنزه من شجرات زيتون، فتمت إعادة غرس «قرمة» زيتونتين معمّرتين في المتنزه.
كل عام، تصدر بلدية رام الله كتاباً ملوّناً وصقيلاً عن مشاريعها في المدينة، التي تعيش من طفرة تحوُّل سريعة جداً من قرية إلى «عاصمة إدارية» للسلطة، وخلال سنوات قليلة صار في المدينة ـ كما يُقال ـ 40 ألف شقة فارغة في عمارات جديدة، بعضها على حساب مبان قديمة.. للأسف.
أظن أن عدد الأعياد الدينية اليهودية والرسمية الإسرائيلية، وخاصة في موسمها الخريفي والربيعي، يفوق عدد الأعياد والمناسبات الفلسطينية الإسلامية والمسيحية المتناثرة على مدى شهور السنة، في توقيتها الميلادي والديني.. لكن حركة التنقل تبقى عادية.
هذا كان الحال على الجسور والمعابر حتى قبل تشريع قانون قومية دولة إسرائيل اليهودية، الذي لحقه واستكمله مشروع تهويدي ثقافي قيد التشريع، هو قانون «الولاء في الثقافة» الخاص بالتضييق على النشاطات الثقافية والسياسية العربية، وخفض ميزانيات المؤسسات الثقافية العربية في إسرائيل، أو حتى إلغاؤها بالكامل، وطمس احتفال الفلسطينيين بالنكبة.. ثقافياً وسياسياً!
يشير تقرير في صحيفة «هآرتس» إلى زيادة التديّن لدى شباب إسرائيل بشكل عام تحت قيادة نتنياهو، وخاصة في جيل 18 ـ 29 سنة، وأن 64% من الشباب يؤمنون بالتوراة في مقابل 22% من الكبار، وأن ميل التديّن طاغٍ لدى 78% من مصوّتي اليمين مقابل 15% من مصوّتي اليسار، وأن 81% من المستوطنين هم متديّنون، مقابل 44% في مركز إسرائيل. أيضاً، يعتقد المتديّنون أن نابلس أهمّ من حيفا، والخليل أهمّ من تل أبيب.. لكنهم يستكثرون علينا أن حيفا ويافا وعكا أهمّ من كتلهم الاستيطانية.
هذه النتائج، في الانزياح المتسارع نحو التديّن والتطرّف، تشير إلى دلالات سيئة إلى أي مسار سياسي مستقبلي حول «حل الدولتين».
وقد نشهد، في كردوس الخريف المقبل للأعياد والمناسبات الدينية اليهودية تعديلات أكثر على حركة الجسور والمعابر، وكذلك زيادة سريعة في عدد وكثافة اقتحامات المسجد الأقصى، نحو التقسيم الزماني فيه.
هناك مؤشر تهويدي منذر، صدر عن تقرير للأمم المتحدة، وفيه أن إسرائيل دفعت مخططات بناء 2800 وحدة استيطانية في القدس والضفة الغربية، خلال الشهور الثلاثة الماضية.. وسوياً هدمت 117 مبنى فلسطينياً في القدس والضفة الغربية.

حسن البطل
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: