ترامب أحدث «ثورة» في ثلاثة مجالات إسرائيلية

2018-09-13

بقلم: ناحوم برنياع
لو طُلب مني أن أختار رجل السنة في السياسة الاسرائيلية لاخترت شخصا واحداً هو دونالد ترامب. فقد أحدث ترامب ثورة في ثلاثة مجالات مركزية في حياتنا: الثقافة السياسية، جدول اعمال الاحزاب، والسياسة تجاه الفلسطينيين. فقرار إغلاق مكتب م.ت.ف في واشنطن هو مجرد حلقة واحدة في سلسلة.
نبدأ بالفلسطينيين. يمكن للمرء أن يكره ترامب أو يحتقره. ولكن لا يمكن أن يقول انه لا توجه منهاجية في سلوكه. فترامب يؤمن بأنه من اجل الحصول على تنازلات من الخصم، ينبغي قبل كل شيء تهديده وتحقيره. فاذا ما أهين سيتراجع. واذا لم يتراجع فسيعاقب. اذا ما داهن يداهن. هذا النوع من السلوك يسود جدا في السياسة الداخلية للدول، بما فيها الدول الديمقراطية، ولكنه يعتبر سلوكاً سائباً وخطيراً في السياسة الخارجية.
أنا أستخف بكم وبتحذيراتكم، يقول ترامب لكبار الدبلوماسية الأميركية وللزعماء الاجانب. فحذركم أدى بأميركا من فشل الى فشل. حان الوقت لتحطيم المسلمات.
يمكن ان يقال في صالحه إن تهجماته على الشعوب الأجنبية والزعماء الأجانب، الحروب التجارية، والحروب اللسانية، لم تؤدِّ حاليا الى الحرب؛ فالاقتصاد الأميركي يزدهر. ويمكن ان يقال في طالحه إن خطواته لم تولد في هذه الاثناء أي صفقة، أي اتفاق، باستثناء اتفاق واحد، غير مثير للحماسة، مع المكسيك. السؤال الى أين ستقود العالم الحرب التجارية التي يشنها ترامب، ضد الصين، ضد كندا، ضد غرب اوروبا وضد الشركات الأميركية الكبرى، لا يزال مفتوحا؛ ومفتوح ايضا سؤال ما الذي سيحققه في قصة غرامه مع كيم يونغ اون، حاكم كوريا الشمالية، التي بدأت بالشتائم الشخصية وتواصلت بالمداهنة المتبادلة، ولم يصف المشروع النووي الكوري الشمالي.
ومفتوح السؤال ما هي طبيعة قصة الغرام التي يديرها مع بوتين.
هذه المنهاجية الكفاحية تميز موقف ادارة ترامب من الفلسطينيين. بدأها ترامب بالخير، وفقا لمفاهيمه. فقد عين صهره جارد كوشنير مبعوثاً خاصاً الى الشرق الاوسط، واستضاف ابو مازن في البيت الابيض. سعى الى صفقة سريعة، صفقة القرن، والتي تثبت عبقريته في عقد الصفقات وعدمية اوباما وهيلاري كلينتون اللذين حاولا.
عندما تبين له أن الفلسطينيين لا يسارعون الى أي مكان، وبالتأكيد ليس الى الاستسلام للاملاء الاسرائيلي – الأميركي، اتخذ موقفاً. فنقل عنوان السفارة الى القدس كان مجرد خطوة رمزية، ولكن التقليص الدراماتيكي للمساعدات الأميركية لـ "الاونروا" والمطالبة بحرمان ملايين الفلسطينيين من مكانة اللاجئ كانت ذات مغزى. وجاء إغلاق مكتب م.ت.ف في واشنطن ليوجه ضربة أخرى لأبو مازن.
في حكومة إسرائيل رأوا في هذه الخطوات هدية عيد: الاشرار تخوزقوا؛ والاخيار انتصروا؛ فليحيَ ترامب. تحليل أقل انفعالا كان سيشير الى عدة مشاكل على هوامش الاحتفال. اولا، حكومة اسرائيل ترى في الشقاق بين الادارة الأميركية والفلسطينيين هدفا، بينما يرى فيه ترامب وسيلة. وهو كفيل بأن ينقلب رأسا على عقب مثلما انقلب في كوريا الشمالية. ثانيا، ترامب بعيد ونحن قريبون. الاولاد الذين لم يذهبوا الى مدارس الوكالة في خان يونس وفي بيت حانون سيلقون بزجاجات حارقة على جنود الجيش الاسرائيلي في غلاف غزة.
في الاساس، لا احد يعرف ما الذي سيؤدي اليه يأس الفلسطينيين، هل الى الاستسلام أم الى انتفاضة جديدة.
لا يقل اهمية، هل ترامب، في مشاداته مع الحلفاء ومع الخصوم، لا يجعل الولايات المتحدة غير ذات صلة في السياسة العالمية.
هذا يطرح بالنسبة لإسرائيل مشكلة: رأينا ما حصل في سورية، حين ترك ترامب الساحة للروس وللإيرانيين؛ رأينا ما حصل بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران. فالأوروبيون يخرجون الآن عن أطوارهم كي يعوضوا الإيرانيين. وهم قد يتصرفون هكذا تجاه الفلسطينيين ايضا.
تأثير ترامب على الأحزاب في اسرائيل مشوق. فالمبرر المركزي لدى لبيد ضد نتنياهو كان أن العالم غير مستعد لان يقبله. انا سأكون نتنياهو رقيقاً، وعد لبيد، انا سأكون نتنياهو الذي يسعد العالم أن يتبناه.
جاء عصر ترامب وأفرغ هذه الحجة من محتواها. العالم، الذي في نظر الاسرائيليين، يبدأ وينتهي بالادارة الأميركية، يقبل بحب نتنياهو وسياسة حكومته. وفقد لبيد مبرر وجوده. من جهة اخرى، الاحساس في اليمين هو أن السماء هي الحدود. ليس نتنياهو و"الليكود" فقط، بل بينيت وشكيد ايضا. كل ما ينبغي قوله لترامب كم هو عظيم.
ان التأثير الابرز لترامب هو على الثقافة السياسية في اسرائيل وعلى حصانة ديمقراطيتها. الكل ترامب، الكل ترامبيون. وعن هذا قيل غير قليل في السنة الاخيرة: يخيل لي ان هذا غني عن التفصيل.

عن "يديعوت"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: