آراء

وهم التفوق

عبد الغني سلامة

2018-09-10

كثيراً ما نشاهد في برامج المواهب الغنائية متقدمين فاشلين، أصواتهم ضعيفة، وأحياناً يكون أداؤهم مضحكاً.. كما نشاهد على "اليوتيوب" حلقات "ستاند كوميدي" ثقيلة ومملة، لأشخاص غير موهوبين، لكنهم يعتقدون أنهم مضحكون، وخفيفو دم! وفي المؤتمرات وورشات العمل، عادة ما نلاحظ بعض المشاركين وهم يتحدثون بثقة عالية وصوت مرتفع، بكلام أجوف، بلا مضمون، ومعلومات غير دقيقة.. وفي المقاهي، نجد شباناً صغاراً عاطلين عن العمل، يتحدثون بنبرة عالية ممتلئة بالثقة عن تصوراتهم للمستقبل، وتشخيصهم "العميق" للواقع.. وعلى شاشات التلفاز يخرج علينا من خلعوا على أنفسهم لقب "خبير إستراتيجي"، أو "مفكر"، وهم في الواقع ليسوا أكثر من ببغاوات ومنظرين فاشلين.. وعلى صفحات الـ"فيسبوك" غالباً ما نجد بوستات، أو تعليقات يكتب أصحابها يقينيات مطلقة، وأحكاماً قاطعة، وتحليلات جازمة، وهي في الواقع مجرد هراء.. وفي الأمسيات الثقافية يوقّع بعض "الهواة" دواوين شعر، ليست أكثر من كلمات "مصفطة" تحت بعضها على نحو غريب..
بائع على بسطة (مع احترامنا الشديد لكل العاملين، ولكل المهن) يتحدث في الاقتصاد كما لو أنه مدير البنك المركزي، ولعيب "شدة" يحلل سياسة كخبير إستراتيجي، عالم ببواطن الأمور، ومدرك لما يُحاك من مؤامرات، علماً أن كل معلوماته ومصادره عن الفيسبوك.. وقد تجد طالباً جامعياً يفتي في الكيمياء، ومستعداً لمنازلة "مدام كوري"!!
كيف؟ ومن أين يستمد هؤلاء ثقتهم المفرطة بالنفس؟
في استطلاع للرأي أجري في الأردن، أكّد 90% من السائقين أنهم يقودون السيارة أفضل من الآخرين.. وفي دراسة أجريت على مليون طالب في أميركا، اعتقد 25% من الطلبة، أن كل واحد منهم هو الطالب الأذكى والأكثر وسامة وحضوراً وشعبية.. وفي دراسة مماثلة على أساتذة جامعات أميركية، اعتقد 70% ممن شملتهم الدراسة أنهم الأفضل، والأغزر علماً والأكثر خبرة.
لو سألت أي موظف عن وضعه الوظيفي، سيجيبك على الفور بأنه مظلوم، وأنه يستحق الترقية أكثر من غيره.. ولو سألت أي شخص فشل في دراسته أو في مشروعه التجاري سيجيبك أيضاً بأنه لا ينقصه الذكاء ولا النشاط، إنما المشكلة في سوء الحظ، أو في تآمر الآخرين.. ولو تدخلت لحل خلاف بين شخصين، سيقول لك كل واحد منهم إنه على حق، وإنه خلوق، وحسن التربية، وأن الآخر هو المخطئ، وبلا أخلاق.. ولو واجهت أي شخص سيقول لك: "أنا لست مثل الآخرين، طريقة تفكيري مختلفة"، رغم أنّ لا أحد بمقدوره الإطلاع على طريقة تفكير الآخرين، للمقارنة والخروج بهكذا استنتاج...
ما الجامع بين كل تلك الحالات؟ إنه وهم التفوق.
في حلقة للطبيبة المصرية "إيمان الإمام"، في برنامجها "الإسبتالية"، تناولت هذا الموضوع بأسلوبها الشيق والمفيد.. وأوضحت أن ما يسمى "وهم التفوق" هو تقدير الشخص لنفسه وقدراته ومواهبه بما يزيد عن حجمها الحقيقي.. فيظن "واهماً" أنه متفوق، والأكثر ذكاءً، والأسمى أخلاقاً.. بثقة عالية في النفس.. وهذا غير الغرور.. هذا نوع من أنماط انحراف التفكير، الذي يصيب معظم البشر.. بمن فيهم الخبراء والعلماء الحقيقيون، ويسمى في علم النفس تأثير "دانينغ-كروجر"..
كثير من الأشخاص تُـخيِّل إليهم تطلعاتهم، أن الله حباهم بميزات عديدة، وفريدة، فيسيطر عليهم وهم التفوق المطلق، فيبدؤون بالاعتقاد أنهم مختلفون، ومتميزون، وبارعون حقاً، ويبالغون في تقدير أنفسهم بما يخالف الواقع، ويدّعون امتلاكهم قدرات جبارة ومواهب نادرة تؤهلهم إلى عمل أي شيء يريدونه، والإفتاء في شتى المجالات بكل سهولة ويسر..
هذه الظاهرة إن بقيت في مستوياتها الدنيا والمعقولة تكون إيجابية، إذْ تعطي صاحبها الثقة والدافعية والطموح، وهي شروط أساسية للنجاح.. لكنها إذا زادت عن حدها تصبح سمة سلبية؛ حيث يبدأ الشخص بالتركيز على نفسه، معتقداً أن كل الكون يتمحور حول ذاته.. ولكن سرعان ما تتكشف حقيقة هؤلاء المتوهمون؛ فيصطدمون بعقبة النجاح في أول امتحان حقيقي لهم مع الحياة والواقع، فيفشلون، ويعجزون عن التكيف والإبداع، وتسيطر عليهم مشاعر الإحباط واليأس وخيبة الأمل، ويصبون جام غضبهم على الحظ، ويلعنون البلد والمسؤولين الذين لم يوفروا لهم مقومات النجاح.. علماً أن سبب فشلهم افتقارهم لمقومات النجاح الحقيقي، والمبالغة في تقدير ذواتهم.
المشكلة أن الواقعين تحت تأثير وهم التفوق لا يمكن إقناعهم بأنهم ليسوا متفوقين، وأنهم عاديون، وغير مؤهلين بالدرجة المطلوبة، لأنهم غير مدركين لحقيقة وقوعهم تحت هذا التأثير، فحتى لو أثبت للمتوهم أنه لا يعرف شيئاً في الهندسة مثلاً، وبالتالي فهو غير مؤهل لمناقشة مهندس، فإنه لن يقتنع.. وسيستمر في الجدال، والمكابرة والادعاء.. غير مدرك لحقيقة أن كل مجال له أناس متخصصون فيه، وأنه لا توجد حقيقة مطلقة، ولا يوجد عبقري شامل..
وفي مقابل وهم التفوق، هناك أناس يدركون حقيقة تواضع قدراتهم، ومحدودية ذكائهم، وعجزهم.. بعضهم يستسلم لضعفه، ويصاب بالاكتئاب.. وبعضهم يتحدى نفسه، ويتفوق عليها، بالعمل والإرادة، وينجح.. التوازن هو المطلوب..
كلما تعمّق العالِم "الحقيقي" بمجاله، كلما أدرك حجم المعلومات التي تنقصه، فيصير أقل ثقة بما لديه من علم، أما المدعون فهم دوماً الأكثر ثقة بأنفسهم.. وهذه الحقيقة المُرة يتوجب استحضارها دوماً، فقد لا تكون الشخص الأذكى، قد يكون ذكاؤك متوسطاً، لكن معرفة حقيقة قدراتك أفضل من التوهم، فلا يضرك إذا لم تكن بمستوى ذكاء "آينشتاين"..
كن على طبيعتك، بلا ادعاء، وكفى.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: