آراء

ظواهر وقيم «غريبة عن مجتمعنا»؟!

عريب الرنتاوي

2018-09-09

ما إن يقترف أحدهم، أو نفرٌ منهم، من أبناء جلدتنا، عملاً إرهابياً حتى يخرج عليك البعض منّا بالقول: هذا ليس منا. فعلته وثقافته وقيمه غريبة عن مجتمعنا وقيمنا وأخلاقنا.
ما إن يصدر عن أحدهم فعل ينم عن الغلو والتطرف، والضيق بالآخر في الوطن، إن لأسباب تتصل بالدين أو الجندر أو اللون أو المنبت، حتى يخرج علينا من يذكّرنا بأن هذا السلوك وتلكم الممارسات الشاذة، غريبة عن مجتمعنا وقيمنا وأخلاقنا.
وما إن تندلع مواجهات واسعة النطاق، في الملاعب أو الجامعات أو المدارس، حتى يخرج عليك جمع من الناس، مرددين العبارة ذاتها، ومن دون تلعثم: ثقافة وسلوكيات غريبة عن مجتمعنا وقيمنا وعاداتنا.
طرقاتنا باتت مسالك للموت ومنبعاً لا ينضب لطوفان من المشاجرات والتنابذ بأقذع الألقاب والشتائم. ومع ذلك هناك من سيقول لك: هذه ليست أخلاقنا وعاداتنا وقيم مجتمعنا المتسامح. طرقاتنا باتت أماكن غير آمنة لنسائنا وفتياتنا بفعل تفشي ظاهرة التحرش، اللفظي والجسدي، وما إن تتحدث بالموضوع مع أحدهم، حتى يجيبك بأن هذا الموضوع حساس، وأن هذه الظاهرة وافدة على مجتمعنا وغريبة عنه، وتتعاكس مع كل ما تربينا عليه من أخلاق وقيم.
يُضرب المُدرس في الغرفة الصفية، ويمنع مدير المدرسة من مزاولة عمله، ويطرد رئيس الجامعة من مكتبة، ونحن ما زلنا مصرين على أن هذه العوارض غريبة عن مجتمعنا وقيمنا وأخلاقنا وتربيتنا.
يُعتدى على الأطباء والممرضات في المستشفيات والعيادات العامة والخاصة، وتطلق النار على جباة الكهرباء أو الماء، ويحال دون قيامهم بأداء وظائفهم، ويُعتدى على دوريات المرور من قبل "زعران المركبات"، ويتعرض رجال الشرطة، كما المواطنين، لأبشع مظاهر "التنمر" من قبل قطعان سائبة، ومع ذلك هناك من سيعاود عزف الأسطوانة المشروخة على مسامعك: قيم وسلوكيات غريبة عن مجتمعنا.
مشاجرات عائلية وعشائرية، ما إن تضع أوزارها على جبهة حتى تنفجر على جبهات أخرى، قتلى وجرحى وتدمير متبادل للممتلكات وحرق عشوائي للسيارات وإغلاقات للطرق بما فيها الإستراتيجية منها، وتلويح بإغلاق المزيد منها، وصولاً لمطار الملكة علياء الدولي، ومع ذلك هناك من يقول لك: هذه ليست من شيمنا ولا تمت بصِلة لأخلاق مجتمعنا وما توارثناه عن الآباء والأجداد.
تعج وسائط التواصل الاجتماعي بفيض لا ينقطع من الشتائم وهتك الأعراض والمحرمات، وتشهير وانتهاك للخصوصية، ومن تطاول على كافة المقامات وبأقذع لغة ولسان، وبما يعكس أعلى درجات الكراهية والحقد والغضب والانفجار، ومع ذلك ستسمع لمن يقول: إن هذه فئة قليلة شاذة، ليست منا ولا نحن منها، وهي تخالف كل ما نشأ عليه مجتمعنا.
والحقيقة أنني عدت أتساءل عن أي مجتمع يتحدثون، وما الذي بقي من هذا المجتمع، بعد أن نطرح (أو نُخرج) منه، كل الفئات السابقة، وكيف يمكن لأفعال نكراء، تتكرر كل يوم، وفي كل مكان وقطاع تقريباً، ومن مختلف الفئات تقريباً، أن تكون غريبة عن مجتمعنا، وكيف لنا أن نظل مصرين على المكابرة والإنكار، ودفن الرؤوس بالرمال، مكتفين بترديد، تلكم العبارة الممجوجة، شأننا في ذلك شأن الببغاوات.
أيها السادة، لم يعد مجتمعنا كما كان. مجتمعنا اليوم بات منتجاً لكل الظواهر التي أوجزنا بعضها، ولم نحصها جميعها. مجتمعنا اليوم بات غريباً عن مجتمعنا بالأمس. مجتمعنا مثل دولتنا، في حالة تغير، وليس للأحسن دائماً وبالضرورة. مجتمعنا اليوم يتسم بتفاقم مستويات العنف الأفقي فيه، بين أفراده وكياناته الاجتماعية. مجتمعنا اليوم يعاني من "تضخم مرضي في ذكوريته"، فيما أعراض النرفزة والتوتر المصاحبة لمراحل الفطام الأولى عن "ضرع الدولة الحلوب" تتفشى يوماً إثر آخر. مجتمعنا اليوم، يعاني انسدادات واستعصاءات سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة. مجتمعنا اليوم، يعاني أعراض الإخفاقات المتراكمة للحكومات المتعاقبة، وفي شتى المجالات تقريباً.
وزاد الطين بلّة، أننا في زمن ثورة الاتصالات والمواصلات، فالخبر لم يعد يحتاج يوماً ليصبح مجاناً و"ببلاش"، بل صار يحتاج لدقائق معدودات، وبات في متناول الجميع في لحظته، بمن فيهم الكسالى والمتثائبين فوق أسرتهم وتحت أغطيتهم.
لم يعد ينفع أن نقول: "غريبة عن مجتمعنا وقيمنا"، بعد أن فقدنا "ذاك المجتمع"، وهيهات أن نستعيده، واستبدلنا "تلك القيم" بأخرى تفرز بطبيعتها ما نعانيه من ظواهر وندفع ثمنها باهظاً. مجتمعنا اليوم، يدفع كلفاً عالية لتخلي الدولة عن أدوارها ووظائفها، وانتهاج مؤسساتها العميقة، مقاربة قصيرة النظر، تبحث عن حلول فورية لبعض أزماتها، حتى وإن أفضى ذلك لخلق تشوهات عميقة، أو التسبب بحدوث إعاقات مزمنة في جسم المواطن الفرد والمجتمع ككل سواء بسواء.
نحن بحاجة لإستراتيجية شاملة لاجتثاث هذه الظواهر، وإرادة صلبة وحديدية لفعل ذلك، ومنهجية علمية تتخطى أسلوب "الفزعة"، وقبل هذا وذاك، نحن بحاجة لأن نوزع بالسلطان ما لا يوزع بالقرآن.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: