دفاتر الأيام

تداعيات

عادل الأسطة

2018-09-09

وأنا على الشرفة أتذكر الشاعر التركي الذي ترجمت أشعاره وبعض مسرحياته إلى العربية، وخصه الروائي السوري الذي رحل قبل أسبوعين حنا مينة بكتابين: "ناظم حكمت".
أتذكره وأتذكر قصته وزوجته "منور"، فهي قصة لا تنسى وغالبا ما أتذكرها وقد أرويها لصديق أو صديقة.
وحسب ما أعرف فإن "منور" انتظرت خروج "ناظم" من السجن خمسة عشر عاما، كتب لها خلالها أجمل الأشعار، ولما خرج من الزنزانة/ السجن والتقيا انفصلا. (كنا نحفظ في 70 القرن 20 أسطره:
"- أجمل الأيام ما لم تأت بعد
أجمل الأطفال من لم يولدوا بعد"
وكنا أيضا نحفظ سطر محمود درويش:
"أدخلوني إلى الجنة الضائعة
سأصرخ صرخة ناظم حكمت: ("يا وطني") "محاولة رقم 7" (1974).
وأنا على الشرفة قلت:
يحدث أن تلتقي بصديق قديم افترقت عنه سنوات طويلة ثم تقابله أو يقابلك ببرود.
"والإنسان قد يتغير".
****
"عالمنا تغير كله".
"عالمنا تغير كله "كتب محمود درويش في "تعاليم حورية"، وحين زار بيت أمه في الجديدة لاحظ أن صورته معلقة على الجدار، فتخيل أنها تسأله: "أأنت يا ضيفي أنا؟" و"من منا تجرد من ملامحه؟ "والإنسان "قد يتغير" على رأي عمر بن أبي ربيعة في رائيته الشهيرة "أمن آل نعم أنت غاد فمبكر؟".
****
صباحا، وأنا في المكتب، مرت بي سكرتيرة عرفتها قبل خمسة عشر عاما وقد سألتني: أتتذكرني؟
فابتسمت ونظرت مليا وأجبتها: "ألست هدى ! طبعا أتذكرك" وكدت، من أشعة الشمس، لا أراها، فأنا بسبب داء السكري والماء البيضاء في العين أجد صعوبة في التمييز. كان هذا في الصباح ولكن ماذا عن المساء؟
****
مساء، وأنا على الشرفة، عدت بذاكرتي 22 عاما إلى الوراء وتذكرت إحدى شخصيات روايتي "الوطن عندما يخون" 1996، وفي الرواية لجأت، عموما، إلى اللعب الروائي والتورية، لا لأنني أحب اللعب والتورية، وإنما لأن حياتي كلها غدت، برغبتي أو دون رغبتي، ضربا من اللعب والتورية، فالشخصية الروائية التي حملت اسم (اندريا) - طالبة الأدب الألماني في جامعة (بامبرغ ) - كانت تحاور ضمير المخاطب نيابة عن شخصية أخرى هي الشخصية التي أراها وأنا على الشرفة، وها هي تظهر من جديد، فكأنما أحيا الله العظام وهي رميم:
-"يا الله"! قلت وتابعت مكررا مقطعا من أغنية: "جبل عجبل ما بيلتقي وأنا وأنت بنلتقي" وها هي اثنتان وعشرون عاما تنقضي كأنها لم تمر، ثم تذكرت الشاعرة (صافو):
"كان ذلك مختلفا
صباي كان يوم إذن
في ريعانه
وأنت"
وهي هي
ما زال شبابها في ريعانه، أو هذا ما يقوله قوامها، وقد يقول شكلي شيئا مشابها ولكن الروح تقول شيئا آخر، ولست كما قال محمود درويش لريتا حين سألته: "هل أنت أنت؟ "فأجابها: "أنا هو!". هل رددت عبارة البوعزيزي: "هرمنا" قاصدا نفسي ؟ أعتقد شيئا من هذا. وهي...لا أعرف عنها شيئا ولم أكن أصلا، من قبل، تحدثت معها. كنت أراها من بعيد.
*****
وأنا على الشرفة تساءلت: "ماذا لو التقيت بامرأة أنفقت معها شهرا، قبل ثلاثين عاما؟ ماذا لو التقيت بـ (اندريا) التي تعرفت إليها في (توبنغن) في بيت صديق؟ ماذا سيحدث وكيف سيكون شكل اللقاء؟".
غالبا ما أتذكر رواية (جنكيز ايتماتوف) "شجيرتي ذات منديل أحمر"، وقد كتبت عنها كتابة عابرة غير مرة، ومرة قلت إنها وروايتيه "جميلة "و"المعلم الأول" تركت أثرا كبيرا في حياتي ووجهت سلوكي في علاقتي بالمرأة، على الرغم من تجاربي المرة.
حقا ماذا لو التقيت بنساء انسجمت معهن لفترة من الوقت وأخريات لم انسجم معهن كانت آثار تجربتي معهن علقما؟
كانت (اندريا) طالبة الأدب الألماني في جامعة (بامبرغ ) طويلة نحيفة شقراء ممشوقة القد، ومثلها شخصية روايتي، و(اندريا) طالبة الأدب الألماني هي غير (اندريا) طالبة الاستشراق التي تعرفت إليها في (توبنغن) وتجادلنا حول مصطلح الزمن في الرواية ومدلوله. (صار دال الزمن يعني أبعد من مدلوله الروائي. صار مرتبطا بمصطفى سعيد بطل رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال "صار مرتبطا بالشباب الذي تمنى الشاعر أن يعود "ليخبره بما صنع المشيب"، فماذا فعل الصلع المخفي بطاقية تركية قطنية؟
وأنا على الشرفة أذهب بعيداً وقد أتخيل كما لو أنني ممن أسهم في تأليف "ألف ليلة وليلة".
أتذكر مثلا زهوة (؟) وأتذكر ما أوردته فدوى في سيرتها "رحلة صعبة..رحلة جبلية "عن السخرية والتهكم لدى أهل مدينة نابلس، ولست متأكداً من أنها كتبت عن تمتعهم بالغمز واللمز.
قالت (زهوة) تصف فتاة ما، قالت عبارة فيها من البلاغة ما فيها، وقد أوردتها في روايتي. بليغة كانت اللعينة. معبرة تعبيرا مجازيا لا أعرف إن كان حقا يعبر عن حالة الفتاة.
حين كتبت نصي "ليل الضفة الطويل" اخترت قصيدة محمود درويش "رأيت الوداع الأخير" لأصدره فيها، ومنها السطر "ستروى أساطير عني" و"ستزعم فتاة أني تزوجتها" و..و..
وأنا على الشرفة تساءلت عن صحة قصة ناظم حكمت وزوجته "منور".
الحياة صعبة وقاسية والآخرون، وأنا منهم، هم الجحيم، كما يقول الوجوديون. إن كانت الفتاة (شالرستون) من الخلف و(تايت) من الأمام فما شأني أنا في حياة الآخرين؟
وأنا على الشرفة أرى الجمال يمشي على ساقين، منتصب القامة، وأتذكر البوعزيزي: "هرمنا"، وربما لسان حال الجمال لسان سميح القاسم شابا "منتصب القامة أمشي" !ربما! ربما وربما كانت (زهوة) تغار!
"الأشياء تأتي متأخرة" عنوان إحدى قصصي وقد اخترتها عنواناً للمجموعة كلها، وحين تأتي نكون على موعد: سفر ما، هجرة ما، أو الإيغال في الوحدة.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: