مقالات

فوق المكتب البيضاوي: الصحافة من الاحتقار إلى الانتصار

نسيم الخوري

2018-09-08

منحت القداسة الكلمات سلطات تنعكس في حلل متنوّعة بالقراءة والكتابة والتفسير والإبداع والكشف ورفع الأغطية وفضح الأسرار، الأمر الذي شغل المفسّرين الأوائل للأساطير التقليدية في الفلسفة والدين.
لن يكون الرئيس ترامب، أوّل أو آخر الحكّام الذين تؤرّقهم الصحافة في عروشهم ولو أنّه هاجم "غوغل" و"تويتر" التي يعشقها واتّهمها بالتحيّز ضدّه. فقد عانى الصحافيون عبر التاريخ، في اعتبارهم مظاهر انحدارات وقهر لسلطة الحكّام أو تجلّيات لها. صحيح أنّ الكلمة تتراجع وتنحدر في عصر الشاشات أمام تقنيات الصورة، لكنّها كما يظهر "ما زالت تفعل الكثير في حكم الدولة أكثر من البيت الأبيض، حيث يحكم الرئيس أربع سنوات، بينما تحكم الصحافة إلى الأبد، وفقاً لما نشره Rafferty Keen في الـ 1975 في كتابه "That’s what they said about the press" (ص:83).
أدرج هذا الاقتباس هنا، لارتباطه بأميركا الدولة الأكثر تحقيقاً وانتشاراً لتقنيات العولمة في العالم اليوم، والأكثر ترسيخاً لقوّتها المتدهورة وللغتها الإنجليزية في تقدّمها واستعمالاتها وللمفارقة هي الدولة الأكثر مرارة في حريّة الصحافة.
أمّا التقرير بأنّ الصحافة قادرة على الحكم إلى الأبد، فمسألة تستدرج بعض الإيضاحات في انتقال الصحافة من الاحتقار إلى الانتصار:
أ - بقيت الصحافة طويلاً سلطة هزيلة مقابل سلطات أباطرة الغرب وملوكهم. دلّ جذرها اللاتيني Press على جمهور جاهل ينجذب ويتجمّع بسرعة وعفوية لسماع خطيب أو بهلواني في ساحة أو شارع، ومنه مصطلح Presse بالفرنسية من فعل Presser أي ضغط وأسرع ومرادفه Dépécher وDépèche وتعني الخبر السريع.
بقيت الصحافة محتقرة لا قيمة لها ولا صيت. نجدها في كتابات "روسّو" منشوراً دوريّاً غير جدير بالاحترام ولا نفع منه وقراءته مهملة ومحتقرة من المتعلّمين، وهو لا يستخدم إلا ليقدّر من النساء والبلهاء الباطلين الذين لا لغة لهم ولا ثقافة".
ورأى ديدرو في الصحافة "أوراقاً هي عجينة الجاهلين، ومنبع سلطات أولئك الذين يرسلون الكلام والأحكام من دون قراءة، وهي آفة وعدوّ أولئك الذين يجهدون في تحصيل الثقافة. إنّهم لم ينتجوا يوماً سطراً جيداً لفكر جيّد، كما لم يحولوا دون إنتاج كتاب رديء لمؤلَّف رديء".
فولتير اعتبر الصحافة "قصّاً للتفاهات".
تصوّروا أنّ الصحافة كان تثير غضب نابليون بونابرت حيال أيّ نقد بسيط في سياق تعليق أو مقال. هكذا نقرأ بأنّه أمر وزيره جوزف فوشيه بالقول: "اقمع الصحف أكثر واجعلها تنشر مقالات جيّدة، وإلا فإنني سأوقفها كلَّها ولن أترك سوى واحدة تكتب ما أريد. انتهى زمن الثورة ولم يبقَ في فرنسا إلاّ حزب واحد، إذ لا شيء يؤلمني ويثير خوفي أكثر مما تنشره الصحف، فتعيق فيه مصالحنا".
وليس أبلغ مما نقله مترنيخ، سفير النمسا في فرنسا الذي قرّبه منه وكلّفه التفاوض بشأن زواجه من ماري لويز، إذ غدا ما نشره هذا السفير عن لسان نابليون مضرب الأمثال التاريخية في الدلالة على السلطات التي تتمتع بها الصحافة:
"إنّ مقالاً صحافياً واحداً يساوي (بالنسبة لنابليون) جيشاً من 300 ألف رجل وهؤلاء لا يراقبون الداخل ولا يخيفون الخارج أفضل من دزينتين من حثالات الصحافيين". كان نابليون يرى في صحيفته Le Moniteur فقط الناطقة باسمه "روح الحكومة وسلطتها وقوتها، ووسيلتها إلى الرأي العام في الداخل والخارج... إنّها أمر اليوم بالنسبة لانتصار الحكومة".
ب - في المقابل، وبدافع من المنافسة، وفي ظلّ مناخ الحرية النسبي، انخرطت الصحافة البريطانية في النضال السياسي وشهدت تنوعاً وغنى في المضمون، ساندها في ذلك الاهتمام الذي حظيت به من القراء في متابعة المناظرات البرلمانية ومستجدات السياسة بعد قرن ونصف القرن من النضال والصراع بين الصحافة والسلطات.
لقد لعب الصحافي البريطاني إدمون بورك (1729-1797) بمقالاته وخطبه دوراً في مناهضة وليم بيت وزير الحرب ورئيس الوزارة البريطانية (1766-1768) وضدّ ورن هاستنغز Warren Hastings (1732-1818) الإداري البريطاني الذي كان حاكماً للهند عام 1773، واتّهمه بالرشوة والاختلاسات، وكان عدواً شرساً لثورة نابليون الفرنسية، ما دفعه في العام 1787 إلى إطلاق السلطة الرابعة كتسمية للصحافة في كتابه بعنوان: "تأمّلات في الثورة في فرنسا".
لقد طغت صفة "الجلالة" Majesty على الصحافة بالإنجليزية بمعنى القوة والاحترام والإجلال. وتعني الـ Majestas باللاتينية الأنبياء والقديسين والملوك.
لقد واكبت الصحافة صورة بريطانيا التي لم تكن تغرب عنها الشمس فجاءت كلمة news بالإنكليزية بمعنى الخبر مثلاً تختصر حروفها الأولى عظمة بريطانيا وقوة انتشارها نحو الجهات الأربع في الدنيا: North الشمال East الشرق west الغرب South الجنوب.
ج- اتسعت شهوة البشر نحو الحريّة وحملت المادة 11 من إعلان حقوق الإنسان الخاص بالثورة الفرنسية ومنه استوحيَت إعلان حقوق الإنسان العالمي وأقرّته الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في 10 /12/ 1948، دلالةً كبرى على العلاقة بين الحكام والصحافة، حيث تجلّت الحرية في تبادل الآراء والأفكار حقاً إنسانياً عظيماً يسمح لأيّ كان بالقول والنشر والطبع بحرية يكفلها القانون.
ما هو مستقبل ترامب مع مليارات الصحافيين؟
مستقبل غير مطمئن على الأرجح.
ننتظر ونترقّب.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: