الحديث عن الكونفدرالية: إسرائيل تهدر فرصة أخرى

2018-09-08

بقلم: سيما كدمون
لا شيء نجيده أكثر من أن نجعل افكارا ابداعية تمر من تحت الرادار الزعامي لدينا وتفلت منه، كتلك الكفيلة بان تنقذنا من الوضع الذي نعيشه منذ اكثر من 50 سنة ولا ينطوي لا على مستقبل ولا على أمل. طُرحت فكرة من هذا النوع، هذا الاسبوع، في الزيارة التي أجرتها قيادة «السلام الآن»، بقيادة المديرة العامة الجديدة شكيد موراغ، مع عدد من النواب، لدى رئيس السلطة الفلسطينية. فقد استغل ابو مازن الفرصة كي يروي لهم وللجمهور الاسرائيلي أن فريق الرئيس ترامب، الذي يضم كوشنير وغرينبلات، سأله اذا كان يؤمن بالفيدرالية مع الأردن. أما ابو مازن، على حد قوله، فقال نعم. يؤمن. ولكنه يريد كونفدرالية ثلاثية مع الأردن وإسرائيل.
يجب القول في ظل الوضع السياسي العالق إنه من الصواب النظر في هذا الاقتراح وان كان فقط لغرض فحص خيار محتمل آخر يضع حدا للوضع الذي نسيطر فيه هذا القدر الطويل من السنين على شعب آخر. وبالفعل، كان من الصواب عمل هذا بالذات في الايام التي نحتفل فيها – أو نحد فيها حزنا، وهذا منوط بعين الناظر – بـ 25 سنة على اتفاق اوسلو، تلك اللحظة التي تصافح فيها رابين وعرفات في ساحة البيت الابيض، وبدآ مسيرة كرر شعارها نفسه ملايين المرات، مع آلاف المتحدثين؛ في أن حل النزاع هو دولتان للشعبين.
يخيل لي انه لا يوجد وزير خارجي أميركي، او اوروبي، لم يتحدث عن حل النزاع الاسرائيلي على اساس مبدأ الدولتين. حتى نتنياهو، في خطاب بار ايلان، الذي تبدد حاليا في غياهب النسيان، أشار الى هذا بانه الحل المقبول. وعندما يصبح هذا اجماعا، فان مجال المناورة تجاه الاقتراحات الجديدة أو الافكار الابداعية الاخرى يكون محدودا جدا.
الدليل: هذا لا ينجح. نحن نعيش منذ 25 سنة في كذبة متفق عليها حين يكون الجميع يتحدثون من جهة عن حل الدولتين، ومن جهة اخرى كل المحاولات للوصول إليه فشلت. وها هم الأميركيون مستعدون للحديث عن شيء ما آخر، ابو مازن لا يلغي هذا، اما هنا فصمت مطبق. فلا يؤكد اي محفل رسمي او ينفي ذلك.
فكرة الكونفيدرالية ليست شيئاً جديداً. فمن كتب عنها لأول مرة هو اللواء احتياط غيورا ايلند في كانون الثاني 2010 في بحث كتب لمركز بيغن – السادات للبحوث الاستراتيجية في جامعة بار ايلان تحت عنوان «بدائل إقليمية لفكرة دولتين للشعبين».
«الحل الأول المقترح هنا»، كتب ايلند، «هو إقامة مملكة اردنية فيدرالية ولها ثلاث «دول»: الضفة الشرقية، الضفة الغربية، وغزة. هذه الدول، او الولايات بالمفهوم الأميركي، ستكون مثل بنسلفانيا او نيوجيرسي. ستكون لها استقلالية كاملة في الشؤون الداخلية، وستكون لها ميزانية، مؤسسات حكم، قوانين خاصة، شرطة، وباقي رموز الاستقلال. ولكن مثل بنسلفانيا ونيوجيرسي لن تكون لها مسؤوليات في موضوعين: السياسة الخارجية وقوات الجيش. هذا المجالان، بالضبط مثلما في الولايات المتحدة، سيبقيان بمسؤولية الإدارة «الفيدرالية» في عمان».
يعتقد ايلند بان هذا الحل أفضل للفلسطينيين، للأردن، ولإسرائيل، من حل الدولتين للشعبين. فلسطينيون كثيرون ممن يريدون أن يروا نهاية للاحتلال الإسرائيلي، سيفضلون هذا الحل الذي يحقق ذات التطلع على انتظار السلام الإسرائيلي – الفلسطيني المشكوك في ان يأتي قريبا. ويكتب ايلند ليقول، ان «يفهم أولئك الأشخاص بانه اذا ما أقيمت دولة فلسطينية مستقلة تماما، فستسيطر عليها (حماس). ويفضل الكثيرون منهم العيش تحت الحكم الأردني على أن يعانوا من الطغيان الديني لـ(حماس) مثلما يحصل في غزة».
ويواصل ايلند القول، ان «اقتسام هذا العبء العاطفي مع جهة سياسية عربية مثل الأردن سيكون من الأسهل بكثير من تحقيق حق العودة، والموافقة على نهاية النزاع وما شابه». يفهم الفلسطينيون أيضا، كما يدعي، بان بديل الدولتين للشعبين سيجعلهم مواطني دولة صغيرة جدا، غير قابلة للعيش، وستكون لديها قيود قاسية في الموضوع الأمني. «من الأفضل ان يكونوا مواطنين متساويين في دولة محترمة وكبيرة يكونون فيها هم، (الفلسطينيون)، الأغلبية الديمقراطية»، كما يشرح.
وعلى حد قول ايلند، مثلما كررها على مسمعي، هذا الأسبوع، في الأردن يفهمون جيدا بانه اذا قامت دولة فلسطينية مستقبلية في الضفة فانها ستقع في يد «حماس»، مثلما حصل في غزة. وضع يكون فيه في دولة مجاورة حكم لــ»الاخوان المسلمين»، وبالنظر الى الحدود الطويلة بين الدولتين والتهديد الموجود منذ الآن من جانب «الاخوان المسلمين» في الأردن فان هذا معناه بداية النهاية للمملكة الهاشمية.
ويكتب ايلند يقول، انه «في الشرق الأوسط فان الطريق الوحيد لضمان بقاء الحكم هو السيطرة الأمنية الناجعة. وبالتالي فان الطريق لمنع الاضطراب في الأردن، والذي يغذيه حكم حماس المستقبلي في الضفة، هو السيطرة العسكرية الأردنية في هذه المنطقة».
وبرأيي فان لاسرائيل أيضا فوائد واضحة في هذا الحل على حل الدولتين. «أولا، هناك اختلاف في القصة. فلم يعد يدور الحديث عن شعب فلسطيني تحت الاحتلال بل عن نزاع إقليمي بين دولتين، إسرائيل والأردن. الضغط الدولي الموجود اليوم على اسرائيل للتنازل في كل امر، سيتغير. ثانيا، يمكن للأردن ان يكون أكثر تنازلاً في بعض المواضيع، كالموضوع الإقليمي مثلاً».
ويقول ايلند، ان كل هذا ساري المفعول في كل ما يتعلق بالتركيبات الأمنية. فإسرائيل ستطالب بتجريد الضفة الغربية. «في حالة الدولة الفلسطينية يدور الحديث عن تجنيد كل الدولة من السلاح الثقيل. هذا مطلب من الصعب ان يقبله شعب ما يحصل على الاستقلال. اما عند الحديث عن اتفاق بين إسرائيل والأردن، فالمطلب يبدو معقولا اكثر. كل ما هو مطلوب هو التخلص عن انتشار القوات في منطقة معينة – الضفة الغربية. هذا مطلب سيبدو للأردنيين معقولا بالضبط مثلما قلبت مصر في حينه المطلب الإسرائيلي ووافقت على الا تنشر في مقدمة سيناء قوات جيش ذات مغزى.
ويعتقد ايلند بان الفضل الأكبر هو موضوع الثقة. في حالة حل الدولتين ستكون إسرائيل مطالبة بالتنازل عن ذخائر ملموسة مقابل وعد فلسطيني بالحفاظ على الهدوء الأمني. لإسرائيل أسباب وجيهة للتخوف من وضع الخسارة المزدوجة: ان نتنازل عن كل المنطقة وفي الوقت ذاته لا نحصل على الأمن. والمخاطرة في الا يكون الحكم الفلسطيني قادراً أو راغباً في توفير البضاعة تبدو كبيرة وملموسة. وهذا يختلف عند الحديث عن اتفاق سلام إسرائيلي – اردني. إسرائيل مطالبة بان تتحمّل مخاطر، ولكن هذه تشبه المخاطر التي أخذتها على عاتقها في العام 1979، حين وقعت على اتفاق سلام مع مصر، وتنازلت عن كل سيناء.
ايلند على وعي بأن لإسرائيل أسباباً للتخوف من دولة فلسطينية مستقلة، وذلك أيضا لان ضعفها البنيوي سيخلق عبئاً آخر على إسرائيل. «فكل مشاكل الدولة المستقبلية، مثل انعدام البنية التحتية، النقص في أماكن العمل، الانقسام بين الضفة وقطاع غزة، ستقع على كاهل إسرائيل. كما أن الاسرة الدولية ستجعل من واجب إسرائيل ان تساعد الدولة الجديدة. وهذه ستكون مصلحة إسرائيلية أيضا. اليأس، الفقر والإحباط في الدولة الفلسطينية ستبث بشكل سلبي علينا أيضا. ليس هكذا اذا كانت الضفة جزءاً من المملكة الأردنية الكبرى».
تأتي هذه الاقوال لتقول إننا قد نكون عالقين في مفهوم مغلوط، ينبغي ان نبدأ بالتفكير في إمكانيات أخرى يمكنها أن تتوافق مع كل الأطراف. لو كانت قصة الكونفدرالية فكرة إسرائيلية داخلية فقط، نكون هنا نلعب لعبة التظاهر. ولكن اذا كان هناك أساس من الصحة للعرض الأميركي في موضوع الكونفيدرالية، ولم يعرب أبو مازن عن معارضته، فلعل الأمر يستحق منا ان نفحص ذلك.

عن «يديعوت»
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: