مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط مستقرة .. ولكن

2018-09-08

بقلم: يوسي ملمان
في السنة الماضية بقي الوضع الامني والعسكري لاسرائيل في كل الجبهات مستقرا، هكذا يقدرون في شعبة الاستخبارات العسكرية «امان»، في هيئة اركان الجيش الاسرائيلي، في «الموساد»، وفي «الشاباك». كانت إسرائيل ولا تزال القوة العظمى الأكبر والأقوى في الشرق الأوسط، وهي ليست عرضة لأي تهديد جدي، وبالتأكيد ليس وجوديا. ولكن هذا الاستقرار لم يستغل للتقدم في تحقيق الفرص وتحسين الوضع السياسي والامني وتحقيق تسويات مستقرة اكثر في سورية وفي غزة. الجديد الأكثر اثارة للاهتمام هو أنه في السنة والنصف الأخيرتين نفذ الجيش الاسرائيلي، ولا سيما بوساطة سلاح الجو، 202 من الهجمات ضد اهداف لايران و»حزب الله» في سورية. منذ نشوب الحرب الاهلية قبل سبع سنين ونصف السنة يمكن التقدير بان سلاح الجو نفذ قرابة 500 غارة.
في الجيش الاسرائيلي يفهمون بان ما يحصل في المعركة ما بين الحربين. هذه هي عمليات جراحية، موضعية، تكون علنية احيانا ولكن في الغالبة سرية، لا تتبنى اسرائيل المسؤولية عنها. في المعركة بين الحربين يشارك اساسا سلاح الجو، سلاح البحرية، والاستخبارات بوحدات هذه الاسلحة المختلفة. عمليات المعركة ما بين الحربين تنتشر في ساحات مختلفة – ليس فقط في سورية وفي لبنان بل في غزة أيضا. ويمكن التقدير انها تتم في اماكن أخرى أيضا. فالناطقون الإسرائيليون يتباهون بان إسرائيل يمكنها أن تصل إلى كل مكان، بما في ذلك ايران، وتشهد على ذلك عملية «الموساد» للحصول على الارشيف النووي. كما كانت في الماضي تقارير عن ان الجيش الاسرائيلي عمل في سيناء لمساعدة الجيش المصري. قصف في السودان، وأبدى حضورا في البحر الاحمر.
تشهد كثرة العمليات في سورية بان المخاوف المسبقة والتحذيرات (بما فيها من كاتب هذه السطور) بان تواجد الجيش الروسي في سورية سيمس بحرية عمل الجيش الاسرائيلي، كانت عبثا. فالاعمال تشهد على أن التعاون والتنسيق بين اسرائيل وروسيا لم يسبق ان كانا افضل. فالجيش الاسرائيلي لم يكن بوسعه أن يهاجم ويدمر ارساليات سلاح للصواريخ الدقيقة من ايران لـ»حزب الله»، مخازن سلاح، مصانع لانتاج الصواريخ بعيدة المدى، ومنظومات الدفاع الجوي – دون إذن او غض النظر من الكرملين. ثمة في هذا الشأن تماثل للمصالح وتفاهمات بين اسرائيل وروسيا. فالدولتان (ونظام الأسد أيضا) غير معنيتين بتواجد ايراني على ارض سورية، وهما تعملان في أن تسحب ايران قواتها من هناك في نهاية الحرب. كما تراعي اسرائيل في هجماتها ارادة روسيا في عدم هز نظام الاسد وعدم المس بالجيش السوري، وهي لا ترد إلا على النار التي تطلق نحو طائراتها. في هذه الاثناء يعطي هذا التعاون نتائجه. فلا توجد ايران او فروعها («حزب الله» والميليشيات الشيعية) على مسافة بضع عشرات الكيلو مترات عن هضبة الجولان. الجيش السوري يعود للانتشار على طول الحدود وفقا لاتفاقات فصل القوات في 1974. كما ان هناك تواجدا لبضع مئات من رجال الشرطة العسكرية الروسية، يشرفون على اتفاق وقف النار بين النظام ومنظمات الثوار.
من جهة اخرى، لا يوجد ايضا اي مؤشر إلى أنه رغم الضغط العسكري الاسرائيلي فان الكتف الباردة لروسيا والمشاكل الاقتصادية الداخلية تعتزل ايران، والتنازل في المدى البعيد عن معقلها في سورية. ففي مهماتها سفك في ميادين المعارك في سورية دماء المئات من مقاتليها، اضافة الى نحو 2000 من مقاتلي «حزب الله» وآلاف عديدة من رجال الميليشيات الشيعية، وذلك ليس فقط من أجل بقاء نظام الاسد؛ فقد فعلت هذا واستثمرت في الحرب نحو 17 مليار دولار كي تتمكن من التمتع باقامة هلال شيعي، من طهران، عبر بغداد الى سورية ومن هناك الى لبنان.
وبالتالي فان الصراع بين إسرائيل وايران، الذي يرتدي وينزع الشكل، من استخباري وسري الى عسكري وعلني، سيستمر.
الوضع في غزة هو الآخر يبقى متفجراً. فالهدوء الذي تحقق بين اسرائيل و»حماس» في اعقاب جهود الوساطة لرئيس المخابرات المصرية، الجنرال كامل عباس، ومبعوث الامم المتحدة الى الشرق الاوسط، نيكولاي ميلادينوف، قائم وان كان هشا. بعد اكثر من أربعة اشهر اوقفت «حماس» نار الصواريخ واطلاق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة والتظاهرات على الجدار، وأثبتت بانها إن ارادت فانها تكون صاحبة السيادة في غزة وتخضع لامرتها «الجهاد الاسلامي» والمنظمات العاقة.
اذا استمر الهدوء، سيتمكن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع، افيغدور ليبرمان، من التباهي في أن سياستهما «الهدوء يستجاب له بالهدوء» نجحت، دون أن تقدم اسرائيل اي تنازل لـ»حماس». وهذه بالضبط هي المشكلة. «حماس» تفهم ذلك جيدا، وهي لا تريد أن تتخذ صورة المهزوم. هدفها الاستراتيجي هو تحقيق إعمار القطاع، للتخفيف من أزمة 1.9 مليون فلسطيني ورفع الحصار الذي تضربه اسرائيل ومصر عليه. اسرائيل ستكون مستعدة لذلك فقط بشرط أن تعيد «حماس» جثماني الجنديين والمواطنين المحتجزين لديها، اللذين بتقدير الاستخبارات على قيد الحياة. «حماس» تطالب بالمقابل ان تحرر اسرائيل مئات «المخربين»، بعضهم مع «الدم على الايدي»، المحكومين لعدة مؤبدات. اما اسرائيل فترفض.
وهكذا، وفقا لتقديرات محافل الاستخبارات، هناك خطر اكبر لاستئناف المواجهة العسكرية من اتفاق بعيد المدى. فغياب الاتفاق والطريق السياسي المسدود مع السلطة الفلسطينية، والذي احتمالات استئنافه طفيفة، تضع المرة تلو الاخرى اسرائيل في الموقف ذاته. فهي تستمتع بالوضع الراهن. زعماء في العالم، بعضهم دكتاتوريون وحشيون او موضع خلاف، مثل الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتا ممن تفتح اسرائيل امامهم بواباتها بسرور، يأتون إليها. وهم يأتون الى هنا كي يشتروا السلاح وتكنولوجيا السايبر، بما فيها من برامج اقتحامية تفتح لهم امكانية ملاحقة خصومهم والتمتع بالعلم الزراعي والطبي الاسرائيلي. وتضاف الى الصداقات الجديدة ايضا دول عربية تجد قاسما مشتركا واحدا مع اسرائيل: الخوف والعداء لإيران.
ولكن ادعاء رئيس الوزراء بان العالم السني يبدي ودا تجاه اسرائيل يجب التعاطي معه بمحدودية الضمان. اتحاد الامارات، قطر، البحرين وبالتأكيد السعودية لن تقيم علاقات علنية مع اسرائيل طالما لم يتحقق تقدم في القناة الفلسطينية. وهي مستعدة ان تشتري السلاح والعتاد الاستخباري من التكنولوجيا الاسرائيلية المتطورة، وعقد اللقاءات سراً، ولكن ليس أكثر من ذلك.
أما المسألة الفلسطينية، مسألة الديموغرافيا – وخطر الدولة ثنائية القومية – فكانت ولا تزال المشكلة رقم 1 لإسرائيل، الى جانب الشرخ الداخلي، الانشقاق والتحريض، والتي تبذل حكومة نتنياهو كل جهد مستطاع للابقاء عليها مصلحة سياسية تضمن بقاءهم في الحكم.

عن «معاريف»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: