إعادة إحياء فكرة الكونفدرالية الأردنية - الفلسطينية

2018-09-07


بقلم: عوديد عيران

في مسعى البحث عن حلول للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني تطرح بين حين وآخر فكرة فدرالية/ أو كونفدرالية أردنية – فلسطينية.

مؤخراً برزت الفكرة من جديد. في حوار جرى في 2 أيلول بين رئيس السلطة الفلسطينية، أبو مازن، وبين مجموعة من الإسرائيليين، قال أبو مازن إن الفكرة طُرحت عليه من قبل طاقم الإدارة الأميركية الذي يعمل على محاولة استئناف المفاوضات بين الطرفين وبلورة اقتراح للتسوية. وللتوضيح، الفدرالية هي نظام ينخرط فيه عدد من المجموعات هي دون الدولة ضمن منظومة واحدة، فيها صلاحيات مركزية في مجالات الاقتصاد، بينما الأمن والعلاقات الخارجية يبقيان في يد الحكم الفدرالي.

الولايات المتحدة هي نموذج للنظام الفدرالي. الكونفدرالية هي انخراط دولتين أو أكثر تحتفظ كل منها باستقلالها وسيادتها مع الاستعداد لإعطاء المؤسسات الكونفدرالية جزءاً من مميزاتها السيادية.

فكرة إعطاء وظيفة/أو مكانة للأردن طُرحت في الماضي من جانب أطراف في إسرائيل، لا يوجد بينها تماثل أيديولوجي، ولأسباب متعددة تعاملت معها الحكومات التي لها علاقة بالموضوع، برفض مقتضب (من جانب الأردن)، وبـ "نعم ولكن" (من جانب الفلسطينيين)، وبتجاهل من جانب المصادر الرسمية في إسرائيل، أو بالتلميح إلى أن إسرائيل مستعدة للبحث في الموضوع إذا لم يكن المقصود إقامة دولة فلسطينية كشرط مسبق.

تطور الفكرة
تقريباً منذ انتهاء حرب "الأيام الستة" في سنة 1967، بدأت جهات متعددة في إسرائيل وفي الأردن البحث في مسألة كيفية إعادة السيطرة الأردنية إلى المناطق التي احتلتها إسرائيل، باستثناء القدس، التي وُضعت على حدة ذهنياً ومشاعرياً مقارنة بسائر أراضي الضفة الغربية منذ الأيام الأولى ما بعد الحرب.

في المحادثات السرية التي أجراها الملك حسين مع ممثلين رسميين عن إسرائيل بعد الحرب جرى البحث في إمكان إعادة مناطق، مثل منطقة أريحا، إلى حكم الأردن بالتدريج.

أحداث "أيلول الأسود" (1970)، وإصرار حكومة إسرائيل على اتخاذ قرار بالانسحاب الجزئي من مناطق احتلتها في سنة 1967 في شبه جزيرة سيناء وفي الضفة الغربية، وفي وقت لاحق حرب "يوم الغفران" في سنة 1973، أنهيا هذا الفصل من الاتصالات بين الأردن وإسرائيل من دون أي تغيير في الوضع.

صعود حكومة إلى الحكم في إسرائيل، في سنة 1977، قائمة على التيار الذي يدعو إلى المحافظة على العلاقة الإيديولوجية والعملية والقانونية بالمناطق المحتلة، التي انعكست بطرق متعددة، بينها العودة إلى استخدام الأسماء التوراتية لمناطق البلد مثل "يهودا" و"السامرة"، وعلى ما يبدو أدى هذا إلى موت إمكان قيام الأردن بدور في إدارة هذه المناطق.

عودة الكتلة التي نادت بتسوية إقليمية كشريك في السلطة في أيام حكومة الوحدة الوطنية (1984 - 1988) سمحت لشمعون بيريس، الذي كان وزيراً للخارجية خلال النصف الثاني من ولاية هذه الحكومة، بإجراء مفاوضات سرية (من دون معرفة وموافقة رئيس الحكومة يتسحاق شامير) مع الملك حسين من أجل إحياء "الخيار الأردني"، أي عودة الحكم الأردني إلى المناطق التي احتُلت في سنة 1967.

وقد أدى عجز شمعون بيريس عن الحصول على موافقة الحكومة الإسرائيلية ورئيسها على الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في سنة 1987 في المحادثات مع ملك الأردن، إلى تخلي الأردن رسمياً عن كل مطالبه المتعلقة بالأرض، وذلك في خطاب ألقاه الملك حسين في 31 تموز 1988.

هكذا يمكن القول إن فكرة عودة الأردن إلى الضفة ماتت مرة أُخرى، ونشوب الانتفاضة الأولى في كانون الأول 1987 أدى إلى قرار الملك الفصل بين ضفتي نهر الأردن.

اتفاقات أوسلو التي جرى بموجبها إنشاء سلطة فلسطينية ووافقت فيها إسرائيل على إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين بشأن ترتيبات دائمة في "المناطق" التي احتُلت في سنة 1967، تشمل بحسب الاتفاقات القدس أيضاً، كان من شأنها أن تقضي تماماً على "الخيار الأردني"، لكن هذا الخيار استعاد الحياة بصورة مفاجئة، عندما نفخ فيه الروح المعترضون على خروج إسرائيل من المناطق.

وأيضاً الليبراليون المؤيدون للخروج، ومع الأسف، جزء كبير منهم، اعتبروا الأردن، الذي يتحدر جزء كبير من سكانه من أصل فلسطيني، البديل من دولة فلسطينية مستقلة في أراضي يهودا والسامرة.

وفي ضوء الإدراك أن سكان هذه المناطق لن يهاجروا طوعاً، والرغبة في الحؤول دون نشوء سكان فلسطينيين من دون حقوق سياسية كاملة تحت الحكم الإسرائيلي، عادت هذه الأوساط إلى فكرة أن السكان الفلسطينيين في يهودا والسامرة يستطيعون الاقتراع في الانتخابات في الأردن والترشح فيها.

الفشل في التوصل إلى حل شامل ومتفق عليه بشأن المستقبل السياسي لـ "يهودا" و"السامرة" في مفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين دفع الأطراف المؤيدة لانفصال إسرائيل عن هذه المناطق إلى البحث عن بدائل، وبينها عودة الأردن إلى أداء دور فعال في إدارة شؤون المناطق التي ستنسحب منها إسرائيل.

هؤلاء الإسرائيليون وغيرهم، الذين لا يزالون يأملون بأن يوفر الأردن بديلاً لدولة فلسطينية أو أن يكون الدولة التي تلبي مطالب الفلسطينيين في "يهودا" و"السامرة"، يغرقون في الأوهام.

خطاب الملك حسين في سنة 1988 لم يعبّر فقط عن خيبة الأمل إزاء رفض إسرائيل تبني الاتفاق الذي توصل إليه مع شمعون بيريس (وممثلي الإدارة الأميركية)، بل أيضاً كشف فهماً متأخراً مفاده أنه إذا أراد المحافظة على الحكم الهاشمي في الأردن، فإن عليه الانفصال عن أي مسؤولية سلطوية مباشرة عمّا يجري في "يهودا" و"السامرة"، وحتى في القدس.

في اتفاق السلام بين إسرائيل والأردن جاء في البند 9: "... تحترم وتعترف إسرائيل بالمكانة الخاصة للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس..." من دون تحديد أو تفصيل هذه المكانة أو توضيح ما هي الأماكن المقدسة باستثناء الحرم القدسي الشريف.

إن الإدراك بوجود أطراف في إسرائيل، وربما وسط الفلسطينيين أيضاً، تعتبر الأردن "الوطن البديل"، والخوف من زيادة الشرخ الفلسطيني وسط السكان الفلسطينيين الأردنيين، ونتيجة ذلك مطالبات محتملة بإعطاء تمثيل سياسي دستوري لهذه الأغلبية، يطرد النوم من أعين الملوك الهاشميين في الأردن.

فقط من خلال معرفة هذا الواقع الأردني يمكننا أن نفهم سلوك المملكة العام حيال مجموعة موضوعات، وخصوصاً تلك التي تتعلق بموقف الأردن من القضية الفلسطينية.

الرد المقتصب لوزيرة الإعلام الأردنية لا يترك مجالاً للشك في موقف الأردن: الموضوع منتهٍ، وغير مطروح للنقاش، ومن حق الفلسطينيين الحصول على دولتهم.

الموقف الذي عبّر عنه أبو مازن كان ذكياً للغاية، وربما مفيداً، فهو لم يرفض الفكرة وقال إنه مهتم بانضمام إسرائيل إلى الكونفدرالية. والناطق بلسانه، نبيل أبو ردينة، قال إن الفكرة مطروحة على جدول أعمال الزعامة الفلسطينية منذ سنة 1984، وإن المقصود هو إطار يستكمل حل الدولتين.

يقال إن عرفات نفسه لم يرفض فكرة كونفدرالية أردنية – فلسطينية، لكنه أضاف إنها يمكن أن تتحقق فيما بعد وليس قبل إقامة الدولة الفلسطينية.

الرد الرسمي العلني الإسرائيلي على كونفدرالية ثنائية أو متعددة لم يقدّم حتى اليوم، ويمكن تفسير غيابه برغبة إسرائيل في الامتناع من الاحتكاك بالأردن، وأيضاً رغبتها في الامتناع من تقديم أي تعهدات ملزمة لفكرة إقامة الدولة الفلسطينية التي يعتبرها الفلسطينيون شرطاً مسبقاً لموافقتهم على الكونفدرالية.

إذا كان ما قاله أبو مازن بشأن الاقتراح الأميركي دقيقاً، وكذلك ما قاله محاوروه الإسرائيليون، فإن هذا يطرح عدداً من الأسئلة.

هل من الممكن فهم سبب عدم تحفظ أبو مازن على الفكرة أن البنود الأُخرى للخطة، مثلاً موضوع القدس، مقبولة بالنسبة إليه؟ في ضوء العلاقات المتوترة بين أبو مازن والرئيس الأميركي وإدارته، يُطرح السؤال: لماذا يكشف تحديداً الآن تفاصيل مهمة من الخطة الأميركية؟ بحسب التقارير لا يمكن معرفة إذا كان الفلسطينيون فكروا في إمكان أن تكون فكرة الكونفدرالية "زرعت" لدى الطاقم الأميركي من قبل الجانب الإسرائيلي، رغبة في الالتفاف على مسألة السيادة. وتدل ردود "حماس" وحركة الإخوان المسلمين الأردنية على أنهما تعتبران الفكرة مساساً بحل الدولتين.

بالإضافة إلى المسألة المركزية بشأن الوضع السياسي - القانوني للجانب الفلسطيني في الحل الأميركي المقترح، يجب الإشارة إلى أن النموذج الثلاثي يمنح إمكان "حلول مبتكرة" لموضوعات اقتصادية، وللطاقة والمياه وغيرها، ولحلول إقليمية في مجالات ذات أفضلية.
من المحتمل أن إطاراً إقليمياً - كونفدرالياً يتيح حلولاً تتضمن تنازلات عن ميزات سيادية لمصلحة الكونفدرالية.

في الوقت الذي تبدو فيه عودة الأردن اليوم إلى القيام بدور سلطة فعلية في مناطق الضفة الغربية وهماً، لا يمكن أن نستبعد كلياً احتمال تدخل أردني مستقبلي في حلول مكونات معينة من النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني من خلال منح غطاء أردني قانوني يسمح لكل من إسرائيل والفلسطينيين بقبول حلول تتخطى الكرامة الوطنية.

عن "مباط عال" 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: