"رجل رابين" يكشف أسرار أوسلو بعد صمت دام 25 عاماً

2018-09-06


بقلم: نوعا لنداو

من مكتبه في الطابق السابع بمبنى للمكاتب في واشنطن، يطل المحامي يوئيل زنغر، بعد أكثر من عشرين عاماً، على نتائج المشروع الذي غيّر وجه الدولة، وكذلك مسار حياته وقطع بصورة إستراتيجية. على الحائط الذي خلفه يلوح تذكار ثابت: صورته وهو ينحني فوق شمعون بيريس في حفل التوقيع على اتفاق أوسلو في ساحة البيت الأبيض، حيث يقف بيل كلينتون وإسحق رابين وياسر عرفات متوترين خلفه. هذه هي لحظات المجد لمن لا يعرف معظم الإسرائيليين، الذين إذا نظروا في الصورة المشهورة هذه، هويته، ولكن تأثيره على مجريات الأمور كان حاسماً.

زنغر كان المستشار القانوني، الذي مثّل إسرائيل الرسمية في الاتصالات، وصاغ فعلياً الاتفاقات. رجل رابين في "أوسلو". في أعقاب اغتيال رابين غادر الرجل بقلب منقبض، ومنذ ذلك الحين يقل من الحديث عن الموضوع. في الذكرى السنوية الخامسة والعشرين للعملية التي هزت تاريخ النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، قرر أنه حان الوقت ليشارك بصورة موسعة النتائج والمشاعر التي بلورها عن بعد وبعد فترة زمنية طويلة. في حديث مع "هآرتس" يصف زنغر ما جرى في الغرف المغلقة، ويقول: لقد فوتنا فرصة نادرة، لقد ارتكبنا أخطاء، والآن ليس هنالك أمل بالسلام في السنوات القريبة القادمة. مع ذلك من الممنوع أن ننسى أنه في العمليات التي فشلت يوجد نجاحات يجدر معرفتها والحفاظ عليها.

الرجل الرمادي، كما يبدو، المحامي الذي استدعي لكي ينزل مهندس السلام من سماء بيت الضيافة النرويجي إلى أرض الواقع هو كل شيء باستثناء الرمادي. ابن الممثل جدعون زنغر، والذي خلافاً لأبيه دوره الأساسي كان خلف الكواليس، هكذا يصف بصورة مسرحية مآثره في القضية.

شمعون ويوسي يريدان أن تطلع على وثيقة
زنغر، من مواليد تل أبيب، ابن 68 عاماً، خدم 18 عاماً في النيابة العسكرية. لقد تخصص هناك في القانون الدولي، وتحوّل إلى المستشار القانوني لشؤون "المناطق". تلك كانت أيام أمل. خلال خدمته ترك بصماته على باقي الاتفاقات: مع مصر، لبنان، وسورية.

أيضاً في اتفاق كامب ديفيد الذي وقعه مناحيم بيغن وفي ملحقاته، والذي اصبح هو النموذج الذي استند إليه في أوسلو، كان ممثلا للجيش الإسرائيلي. في تلك السنوات بدأ في تطوير علاقات ثقة مع رابين. أبوه كان من جنوده في لواء هرئيل، وبعد أن جرح تحول إلى مغن منفرد. من اليوم الذي دخل فيه رابين إلى وزارة الدفاع عمل معه بصورة متلازمة. وعندما حلت حكومة الوحدة ترك الخدمة في درجة عقيد، وسافر للعمل في الوزارة كممثل لـجهاز الأمن في الولايات المتحدة بنيّة العودة مع تجربة.

في يوم من الأيام، في المكتب ذاته بالطابق السابع دق جرس الهاتف، وكان على الخط مكتب يوسي بيلين، الذي عرفه جيداً من جلسات الحكومة. "طلبوا أن أحضر إلى البلاد بصورة غير رسمية لكي أطلع على وثيقة ما". "سألته ما الذي قالوا إنه سري. سألته متى قالوا. اخترعت هنا قصة ما وسافرت. قابلت في فندق هيلتون شخصاً لم أكن أعرفه، باسم يئير هيرشفيلد.

قالوا لي إنه سيعطيك ورقة. اقرأها واحضر إلى المكتب لمقابلة يوسي (بيلين) وشمعون (بيريس) وأخبرهما برأيك. وهذا ما حصل؟ جلست في الفندق وقرأت وبكوني واحداً ممن جاء من هذا المجال، والذي اطلع على عدد من الاتفاقات، شاهدت مسودة لوثيقة مشوشة.

ولكن كان هنالك شيء أعجبني. كانت تلك خطة للحكم الذاتي على مراحل. الأمر الذي سموه فيما بعد النبضات. حتى ذلك الحين كنا نقرر مسبقاً. مثلاً في الاتفاق مع مصر كتبنا الانسحاب من سيناء على مراحل، ولكن منذ البداية كل شيء كان محدداً: متى ستتم كل مرحلة وما هو الوضع النهائي. أيضاً في اتفاقات أخرى كان المضمون محدداً مسبقاً. جمال أوسلو كان في التدرج. اتفاق نمطي. يبنون طابقاً ومن ثم طابقاً آخر. في المقاربة الحذرة لرابين: سنقوم بخطوة، ونرى كيف تسير الأمور، وحينئذ نقوم بخطوة أخرى.

"بالطبع فإن المعارضين سيقولون إنه بسبب هذا فشل أوسلو. ولكن هذا معناه أن نقلب السبب والنتيجة. يوجد لدينا مع الدول ذات السيادة إلى جانبنا حدود واضحة. هنالك فصل. حتى لو أن التنفيذ يأخذ زمنا. مع الفلسطينيين الأمور أكثر عمقاً. لذا ونظراً لأنه ليس بالإمكان الاتفاق على كل شيء منذ البداية ألا يجب أن نعمل شيئاً طوال مئة سنة؟".

سافر زنغر لإبلاغ بيلين وبيريس برأيه. "يبدو أنني استخدمت تعبير "كعكة نصف مخبوزة"، واتضح أن رابين كان يفكر مثلي. قبل عدة أيام من ذلك أمر بوقف المحادثات. أعتقد أن بيريس أراد أن أتولى عملية الإقناع.

سافرنا معاً بسيارة رابين. شمعون ويوسي وانأ كنا مضغوطين في السيارة. سأل رابين: يوآل هل تستطيع إصلاح هذا؟ قلت إنني أعتقد ذلك ولكنني أريد أولاً مقابلة الفلسطينيين. قال هيرشفيلد لي إنهم وافقوا على هذا وذاك. ولكن كل ما قاله لم يكن مكتوباً.

قلت إنني أريد مقابلة هذه المجموعة من منظمة التحرير، لكي أسمع منهم. وهكذا ذهبت إلى أوسلو. ليس بمهمة رسمية. بعد ذلك وصفوا ذلك بأنه ليلة مرعبة. جاء عقيد احتياط وحقق معهم. الحقيقة هي أن النية كانت سليمة. رغم أنني جئت من الجيش الإسرائيلي، إلا أنني في النهاية اعتبر يسارياً. واليوم اعتبر يسارياً متطرفاً، ولكنني أحب صنع سلام على قاعدة قوية. لذا فقد طرحت أسئلة، قضينا يوم ونصف وقلت لرابين: إن الأمر على ما يرام، هم في الاتجاه الصحيح".

كنتُ ساذجاً وذرفت الدموع
"حوالى أربعة شهور جلس الطرفان لمناقشة التفاصيل والصياغات. فقط في 1 أيلول قبل حوالى أسبوعين من مراسم التوقيع الرسمية أصبح زنغر المستشار القانوني لوزارة الخارجية. لقد فعلت هذا من أجل رابين وبيريس بصورة تطوعية. بعد ذلك عدت لإسرائيل، ولم اعتقد أنني سأرجع للولايات المتحدة. كنت ساذجاً. لقد نزلت دموعي حقاً.

فكرت بأنني أساعد رابين وبيريس في صنع سلام مع الفلسطينيين ومع الأردنيين، ومع السوريين ومع اللبنانيين. هذا ما اعتقدته". صوته كسر "أنا أعتقد أنني حتى اليوم أعاني مما بعد صدمة مقتل رابين". صمت طويل. "أحببت رابين. قدرته وأحببته".

*أين اخطأنا؟
- يذكر زنغر ثلاثة إخفاقات رئيسة في نظره إلى جانب ثلاثة نجاحات، بنظرة إلى الخلف حول مشاركته في اتفاقات أوسلو. الخطأ الأول وهو الذي يلاحقه أكثر من أي شيء هو رفض مطلب فلسطيني بتجميد المستوطنات. "لقد تقاتلتُ مع الفلسطينيين بأمر من رابين وبيريس لمنع التجميد. لو رجعت إلى الخلف وبرؤية إسرائيلية وطنية كنت سأقول إنه من مصلحة إسرائيل تجميد الاستيطان. لكي يكون هنالك إمكانية لإقامة دولة فلسطينية هناك. ولكن من كان يفكر بأن السنوات الخمس الانتقالية ستتحول إلى 25؟ من ظن أن رابين سيقتل؟ اليوم ليس لدي شك في أن هذا كان خطأ فادحاً من جانب رابين وبيريس وأنا كنت مبعوثه. قلت: "ولا بأي حال من الأحوال". أنا تقريباً أشعر بالذنب الشخصي. وهذا ذنبي. ولكن ما العمل أنا لست رجلاً سياسياً، قمت بتنفيذ الأوامر.

"عندما اشتغلنا على اتفاق أوسلو كان هنالك حوالى 100 ألف شخص (مستوطن) في الضفة. كان ما زال هناك إمكانية سواء لإبقاء جزء منهم أو تعديل حدود بسيطة وإخلائهم. الآن أنا لا أرى أي رئيس حكومة مهما كان قوياً ومهما كان مؤيداً للسلام قادراً على إعادة العجلة للوراء.

كان هذا خطأ فادحاً أن نسمح للمستوطنات بمواصلة الركض نحو الأمام. حتى بوتيرة متسارعة. فجأة خلق اتفاق أوسلو ساعة موقوتة وتسبب في تحرك المستوطنين للسيطرة بسرعة على الأرض قبل اتفاقية الوضع النهائي. لقد خلقت ديناميكية تقول إنه يجب الركض والاستيطان على كل تلة لأنه بسرعة وبعد خمس سنوات سيتم تحديد الحدود. هذا بكاء لأجيال".

*ألم يرَ رابين وبيريس ذلك؟
- "لقد كان عليهم بلورة أغلبية. حيث إن أوسلو (ب) تم تمريرها بصعوبة. أيضاً لعرفات كان هنالك مشاكل. شركاء في منظمة التحرير تركوها، وأنا لا أتحدث بعد عن "حماس". أعتقد أنهم (الفلسطينيون) تنازلوا على افتراض أنهم لا يستطيعون إقناعنا بالتجميد وفضلوا قبول ما يمكنهم الحصول عليه، لأنه خلال عدة سنوات ستبدأ المفاوضات على الاتفاق النهائي".
*وماذا عن اقتراحات الضم أو اتفاقات دون إخلاء؟

- "أيضاً حتى لو وجدوا أي وسيلة لخلق حدود متلوية، تذهب يميناً ويساراً وإلى الأعلى فإنني لا أعتقد أن هذا سيصمد. هذا ليس طبيعياً. لا تبلع ولا تتقيأ. وحتى ليس بالإمكان الوصول إلى اتفاق بحيث يبقى المستوطنون هناك. هذا لن ينفع. سيبدؤون بإطلاق النار أحدهما على الآخر. ليس بالإمكان خلط مجموعات سكانية. بصعوبة في إيرلندا حيث هناك يتحدثون اللغة ذاتها ولهم الثقافة ذاتها. ماذا سيحدث، مجموعة من الكانتونات مع حرب أبدية".

بيغن أعطاهم بنادق
الفشل الثاني لـ "أوسلو" في نظر زنغر هو نقل المسؤولية الفورية على الأمن الداخلي لأيدي السلطة التي لم تكن مستعدة لهذا التحدي. وهو خطأ يقول إنه حذر منه ولكن رابين لم يقتنع. "اقترحت على رابين أن تبقى المسؤولية عن الأمن في أيدي إسرائيل في فترة الحكم الذاتي.

اعتقدت أن من سيأتون من تونس لا يستطيعون معالجة الأمن. اعتقدت أن هذا يجب أن يبقى في أيدي إسرائيل وهكذا أيضاً بنيت ذلك في كامب ديفيد في 1978 مع الجنرال أبراشا تمير.

بحيث يتم بناء المسؤولية خلال الفترة الانتقالية. اقترحت على رابين أن يقوم بفعل ذلك في أوسلو ولكنه قال لا.

وحتى في حينه كتبت ذلك وقال لي غيره. اعتقدت أن هذا خطأ. أيضاً لاحقاً. منظمة التحرير لم تنجح، وهنالك من سيقولون أيضاً إنها لم تحاول محاربة "حماس". وانظري ماذا حدث في غزة في اللحظة التي خرجنا منها. أنا لا أعرف ماذا نستطيع أن نقول الآن للإسرائيليين الذين يسألون "وماذا سيكون الأمر عندما نخرج من يهودا والسامرة". لذا فإنني حقاً مقتنع بأن أحد أخطاء أوسلو كان إعطاؤهم المسؤولية عن الأمن.

"رابين لم يفعل ذلك ليس لأنه أراد أن يكون لطيفاً لدى الفلسطينيين، بل لأنه اعتقد أن هذا سيساعد الأمن، إذا قام الفلسطينيون أنفسهم بمحاربة "حماس". اتضح أنه لم يكن لديه القدرة ولا الدافعية. رجال الشرطة الفلسطينيين اتضح أنهم رجال شرطة عاجزون.

بصعوبة يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فكيف سيدافعون عن الإسرائيليين؟ ولكن كل هذا عموماً ليس مرتبطاً بأسطورة "أعطيناهم بنادق". لم تعطهم إسرائيل في يوم ما بنادق. إسرائيل مكنت الفلسطينيين من تشكيل شرطة فلسطينية مزوجة ببنادق؟ هذا هو إطار كامب ديفيد الخاص بمناحيم بيغن. رجل الليكود". اليوم بيغن أصبح يساراً متطرفاً، ما العمل؟ ولكن هذا لم يكن أوسلو. كان هذا هو اتفاق الليكود. شرطة فلسطينية قوية مكتوب هناك. القصد ليس تلبس قبعات عليها ريش أو حراب للمراسيم. لقد قصدوا شرطة لديهم بنادق. القول إن اليسار أعطاهم بنادق هذه أسطورة لمنتقدي أوسلو من اليمين. هذا هراء.

*ماذا بخصوص النقاش حول هل عاد "الإرهاب" بسبب إعطاء هذه الصلاحيات للفلسطينيين أو بسبب مذبحة غولدشتاين؟

- "سأجيبك بمثال: شخصان تشاجرا في الشارع وجاء شرطي وفصل بينهما وسأل كيف بدأ الأمر؟ أحدهما أجاب بأن الأمر بدأ بقيامه بالرد عليّ بصفعة. هكذا هو الأمر في الشرق الأوسط. ليس مهما من بدأ".

على سرير عرفات
الإخفاق الثالث الذي يذكره زنغر هو الثقة بياسر عرفات، حيث كان يجب أن نكون أكثر تحفظاً. لقد اخطأنا عندما اعتقدنا بأنه تغير. يقول. "في الفترة التي كنت فيها هناك رأيته وهو يتخذ قرارات صعبة الواحد تلو الآخر، ويبدي شجاعة وتمسك بالعملية. حينئذ لم تشتعل الأضواء التحذيرية بصورة قوية. ولكن كل هذا كان حول الاتفاق الانتقالي. من جهتنا كان من الأسهل التنازل عن أمور سوف تنقضي. عندما وصلنا إلى الاتفاق النهائي تحول متصلباً جداً وغير مستعد لتقديم أي تنازلات. لم يتحرك أي ميلمتر واحد. في موضوع محاربة "الإرهاب" توقع رابين أنه سيتصرف مثلما تصرف رابين نفسه. رابين حارب التلينا، وعرفات لم يطلق النار على التلينا خاصته بل سمح لهم بالعربدة.

"في تلك السنوات وفي ذروة المفاوضات راكمت معه ساعات وربما أكثر من معظم الفلسطينيين أيضاً. كان هنالك حالات لا تصدق بنظرة إلى الخلف. في أحد الأيام وجدت نفسي أجلس في غرفة عرفات في فندق، على سريره وهو يجلس إلى جانبي حيث كنا محاطين برجال منظمة التحرير وأنا كنت الإسرائيلي الوحيد. في مرة أخرى سافرت إلى مكتب أبو مازن في تونس، وأنا أجلس في غرفته في مقر منظمة التحرير قال لي: "هل ترى يوآل هذا الكرسي؟ هنا وضعت مخابراتكم ميكروفوناً لي، وهذا صدمني – أنا وحدي هنا".

أريد قول شيء عن الزاوية الإنسانية. رغم أنه ربما يشنقونني بسبب ذلك. لقد تحدثت كثيراً مع الفلسطينيين، من رجالات منظمة التحرير ومن خارجها، كنا نسافر طوال الوقت من أوسلو إلى لندن وإلى باريس وغزة وإلى القاهرة. وكنت أرى أننا نضحك من نفس النكات ونأكل نفس الأكل وهم يقصون القصص حول مسؤوليهم ونحن نتحدث عن مسؤولينا.

حينها كنت افكر بنفسي هل قبل ألفي سنة كنا الشعب ذاته؟. نحن نتصرف بنفس الصورة وأنا اشعر معهم وكأنني في البيت أكثر مما اشعر به، وأنا مع الأميركان أو مع النرويجيين. نحن أعداء في هذه اللحظة ولكننا متشابهون جداً. ولكن إذا قلت إنني أشعر مع رجال منظمة التحرير كأخوة سيقولون هذا خائن، وبكوني محامياً أستطيع أن أقول لك إنّ بين هؤلاء الإخوة تدور النزاعات الأكثر فظاعة".

لزنغر من المهم أن يفصل أيضاً النجاحات التي جلبها الاتفاق. "خذي حرب الـ 1967 مقابل "يوم الغفران". في 1967 ألم يكن هنالك أخطاء؟ كان هنالك الكثير. أشخاص قتلوا عبثاً.

ولكن في النهاية انتصرنا وحينئذ كان الجميع يركز على النصر. في حرب يوم الغفران والتي انتصرنا فيها أيضاً، ولكن بثمن بالغ الكل يركز على الفشل. يوجد شيء ما محير في العقل البشري والذي يلقيه خلفه من بين النتائج. لقد نسوا في "الأيام الستة" أن يفكروا بالإخفاقات وبعد ذلك أكلوها في "يوم الغفران". الشيء ذاته في أوسلو. أي أحمق سيكتب اليوم مقالاً في صحيفة يحمل عنوان "أوسلو نجح" ؟ ولكن من المحظور نسيان ذلك أيضاً.

النجاح الأول حسب أقواله هو الاعتراف المتبادل، والذي يحمل زنغر شخصياً فضله. عندما جئت إلى البلاد وطلبوا مني قراءة المسودة قلت لبيريس: أنتم تجرون مفاوضات مع م.ت.ف بالسر. ماذا سيحدث عندما سينتهي ذلك؟ قال بيريس: "سنعطي توجيها لبعثتنا في واشنطن بالتوقيع وم.ت.ف ستعطي توجيها لبعثتها". لقد كانت تلك مفاوضات رسمية في الوقت ذاته مع فلسطينيين هم ظاهرياً ليسوا م.ت.ف. قلت له: "شمعون هذا لن ينفع. حيث سيتسرب بانكم تحدثتم مع م.ت.ف. من أين جاء الاتفاق؟". قلت له إنه يتوجب أولاً أن يكون هنالك اعتراف متبادل ولكنه رفض. أيضاً رابين وعرفات لم يتحمسا. ولكنني لم أتنازل وواصلت التحريك. "أقنعت رابين، وعرضنا على عرفات اعترافاً متبادلاً مقابل العودة من تونس. بيرس ما زال معارضاً. سافرنا بعرض ذلك إلى وورن كريستوفر في الولايات المتحدة. فوجئ تماماً. بيريس طلب "اطرحوا اتفاق أوسلو كمسودة منكم". اتصل بكلينتون وقال: "نحن لا نستطيع أن نعرض هذا كمسودة منا ولكننا مستعدون لاستضافة التوقيع". عندها قرر بيريس أنه يجب الاعتراف. بقي أمامنا أيام معدودة على الاحتفال وقمنا بالصياغة.

"كان الأمر أكثر صعوبة على عرفات. في الجانب الإسرائيلي كان ذلك فقط أمراً واحداً: نعترف بكم كممثل شرعي للشعب الفلسطيني ونجري معكم مفاوضات. في الجانب الفلسطيني وضعت العديد من الالتزامات. ولكن عندما وضعناه في مفترق طرق حاسم إما أن توقع أو تبقى في تونس تغلبت الرغبة بالعودة. كان لديه مصاعب أخرى بالطبع. لقد اعتقدوا أننا سنخرج من "المناطق" وهذا كل شيء. أنا عرضت حكماً ذاتياً تحت مسؤولية إسرائيلية عسكرية عليا. الاحتلال العسكري يبقى من فوق كمظلة".

النجاح الثاني الذي يذكره زنغر هو فتح الباب أمام تطبيع العلاقات مع العالم العربي، والثالث هو بناء الأساسات لاتفاق سلام مستقبلي. في العام 1993، كان هنالك ظروف خاصة. فرصة لمرة واحدة. شيء ما يدمج ما بين رابين وبيريس، كل واحد مع أفضلياته ونواقصه.

إذا خلقت في يوم ما الظروف للصفقة النهائية من الواضح أنه سيكون هنالك مكان لاتفاق جديد يحل محل أوسلو. للأسف لست أرى هذه الظروف الآن، ويصعب علي رؤيتها قريباً. لماذا قررت كشف هذه الأمور الآن فجأة؟ في "أوسلو" جلس أوري سافير ويئير هيرشفيلد ورون فونداك وأنا. في المقر الإسرائيلي كان هنالك رابين وبيلين وبيريس وأنا. كنت أنا الجسر. عبر أذني ويدي التي كتبت الصياغات.

كنت أصغي لرابين وبيريس وكان عليّ أولاً أن أجد تسوية بينهما. ليس ذلك في الصياغات بل في الأفكار. كان عليّ أن ادمج. حينئذ جئت لمقابلة الإسرائيليين وكان عليّ إجراء مفاوضات معهم على هذه الأمور وبعدها مع الفلسطينيين، وهكذا دواليك. أنا لستُ واثقاً أين كان الأمر أكثر صعوبة هل مع الفلسطينيين أم مع الإسرائيليين.

عن "هآرتس" 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: