دفاتر الأيام

الفأر والمصيدة

سما حسن

2018-09-06

 أنهى عمال البلدية أعمال حفر وتمديد في حيّنا، وتركوا حفرة دون ردم كالعادة بجوار الرصيف، وكانت محاذية له تماماً بحيث أن من يحاول الصعود إلى الرصيف يجب أن يجتازها، وبدأ الناس بالقفز من فوقها لكي يمروا ويكملوا طريقهم، فيما اتخذها صغار الحي وسيلة للعب والتسابق، وكنت أراقب الحفرة من شرفتي طيلة الوقت لأني أتحسب أن يقع فيها عجوز أو ضعيف بصر، حتى حدث ذلك في أسرع وقت.
حينما كنت أطل بقلق من الشرفة رأيت جارنا المصاب بضعف نظر بسبب مرض السكر المزمن ينزلق بقدمه داخل الحفرة الملاصقة للرصيف وتعالى صراخه فهو لم يتوقع وجود هذه الحفرة، على أساس انه يسير في الطريق كل يوم ويحفظه دون أن يرى أي تغييرات قد حدثت فيه، وهكذا تجمع عدد من الشباب الأقوياء وانتشلوا الرجل من الحفرة وبدأ بنفض التراب والأوساخ عن ملابسه وواصل سيره وهو يسب ويلعن، وانفض الشباب من المكان دون أن يفكر أحدهم بردم الحفرة.
ذكرتني هذه الواقعة بقصة الفأر والمصيدة، وحيث يحكى أن فلاحاً قد اشترى مصيدة ضخمة لحظيرته، وحين رآها الفأر أصيب بالهلع، وركض باتجاه حيوانات الحظيرة ليخبرها بما أضمره الفلاح، فسخرت منه الدجاجة لأن المصيدة لن تضرها في شيء، وكذلك فعل الخروف، وأخيراً البقرة التي ضحكت حتى وصل صوتها عنان السماء، فما هو الضرر الذي من الممكن أن تسببه المصيدة لبقرة عملاقة؟
في صباح اليوم التالي كانت المصيدة قد أطبقت على ذيل ثعبان سام وحين اقتربت زوجة الفلاح منه انقض عليها ولدغها، فجاء زوجها ليسعفها، ونقلها إلى البيت حيث أصيبت بالحمى ولازمت الفراش، وقدم لها طبيب القرية علاجاً سريعاً، ولكنه لم يبد أي تقدم على الحمى التي أصابتها، فقام الفلاح بذبح الدجاجة وطهوها لكي تتغذى زوجته المريضة، وعلم الجيران بما أصابها فجاؤوا وفودا لزيارتها، وشعر الفلاح بالحرج لأنهم أطالوا المكوث عندها فقام بذبح الخروف لكي يعد لهم طعاماً على سبيل الشكر لزيارتهم لزوجته الحبيبة.
بعد أيام توفيت الزوجة بفعل الحمى فاضطر الزوج لذبح البقرة لكي يطعم المعزين والمعزيات الذين وفدوا إلى البيت من كل صوب، وهكذا لم يبق في البيت سوى الفلاح والفأر.
لم تتوقع الدجاجة ولا الخروف ولا حتى البقرة أن المصيدة الصغيرة التي تعد خصيصاً من أجل الفئران البالغة الصغر والضعيفة قد تكون سبباً في هلاكها بصورة غير مباشرة، ولذلك لم تفكر هذه الحيوانات بالتخلص من المصيدة أو مواجهة وجودها داخل الحظيرة، حتى تسببت بهلاكهم جميعا، وما حدث مع حيوانات الحظيرة يحدث مع الجميع حين يضع كل واحد رأسه داخل حفرة متعامياً أو هارباً من مشكلة ومعتقداً أنها لن تصيبه أو ستكون بعيدة عن أمنه وسلامته وسلامة بيته، حتى تقع الكارثة، ويصاب بها هو أو أقرب الناس إليه.
هذه الحفرة التي تركت دون ردم في الحي الذي أعيش فيه تشبه المشاكل اليومية التي لا نتدخل في حلها، والتي نهز أكتافنا لها بمعنى "وأنا مالي"، فالمهم أنها بعيدة عنا، ولا يضرنا أنها سوف تصل إلينا بتبعاتها ذات يوم، ومثال على ذلك حين نترك الفقير يتضور جوعا، فهو يمتلئ حقدا، ولو تابعنا الجرائم الأخيرة لوجدنا أن سببها حقد الفقراء على الأغنياء، ومرور الأغنياء بثرواتهم ومظاهر ثرائهم من أمام الفقراء وهم يقولون في أنفسهم "وأنا مالي"، ولكن لو فكر الغني بمساعدة الفقير وفتح باب رزق له، لربما تحول الحاقد إلى محب، ولمنع جريمة يخطط لها الفقير وشيطانه بحق الغني.
في السويد مثلا أجرت الشرطة السويدية مؤخراً تدريباً على سبيل الترفيه، حيث يقوم افراد الشرطة بملاحقة المواطنين لأن السويد لا يوجد بها جريمة، ولا يجد رجال الشرطة فيها عملاً، وفي بلادنا تعج السجون بالمذنبين، وتكثر الشكاوى، وتمتلئ الخزانات في مكاتب القضاة بالقضايا التي ذهب ضحيتها الكثيرون لأن بعضهم قد تغاضى عن مشاكلهم وهو يردد عبارة "وأنا مالي".

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: