آراء

مدينة العلوم الباريسية : فضاءات مفتوحة

مهند عبد الحميد

2018-09-04

لماذا يستمرون في تقدمهم وتطورهم ولا نتقدم نحن او نستمر في تأخرنا؟ سؤال يظل مطروحاً على الزائر للبلدان الأوروبية، وخاصة الزائر الذي لا يسلم بتقسيم أبدي للعالم بين متقدم ومتأخر، أو بين عالم أول وعوالم بترتيب ثالث ورابع وخامس اصطلح على تسميتها دولاً نامية للتخفيف من وقع المصائب التي تعيشها شعوبها، والتي تدفعها للبحث عن موطئ قدم لها في العالم الأول، بعد أن استحالت حياتها إلى جحيم داخل بلدانها. من بعيد، تختصر الإجابة بالعامل الاستعماري الناهب والمهيمن، وهو عامل أساسي لكنه غير وحيد. ومن داخل تلك البلدان ليس من الصعب التعرف على عوامل أخرى.
 يستوقف الزائر ذلك الحيز العام الذي يشكل عنصرا أساسيا من البنية التحتية في المدن والبلدات والريف. ويشمل الحدائق العامة والمناطق الخضراء والغابات والشواطئ والبحيرات والملاعب والمكتبات وبنوك المعلومات، إضافة الى المتاحف الضخمة. في هذه الأماكن العامة يجد معظم سكان تلك البلدان ومن مختلف الفئات الاجتماعية، وبخاصة الذين يعيشون في شروط سكن مضغوطة متسعا ترويحيا لهم. استوقفتني شخصيا مكتبة عامة تابعة لبلدية «روي مال ميزون» من ضواحي باريس العاصمة، مكونة من مبنى كبير من أربع طبقات، تضم الكتب والمجلدات والمراجع والصحف والمجلات والأفلام والوثائق واللوحات وأجهزة الكومبيوتر، والمقاعد المريحة المنتشرة في أرجاء المكتبة. الأهم هو استخدام المكتبة وبخاصة، حين يرى الزائر عشرات الأطفال وهم منهمكون في قراءة القصص وفي رؤية الأفلام، بشكل مستقل عن ذويهم باستثناء الفئات العمرية دون الخامسة، ولفت نظري اصطحاب جدات وأجداد لأحفادهم في المكتبة كنت أنا واحدا منهم، حيث اصطحبت حفيدي الى تلك المكتبة الجميلة.  ترى فئات شابة يتابعون كتابة بحوثهم مستعينين بعدد من المراجع – مجلدات- وترى إعلاميين يكتبون مقالاتهم. وفي جناح الصحف والمجلات تجد فئات عمرية بين متوسطة وكبيرة يقرؤون كأنهم من فئة السياسيين. لا يشعر المرء بالوقت الذي يمضي وسط محفزات لا حدود لها.
عادة القراءة في باريس لم تتراجع، قبل 6 أعوام لم يكن «الموبايل» منتشراً، فكانت قراءة الكتب والمجلات منتشرة بين رواد الحدائق وفي وسائل المواصلات وبمستوى اقل في المقاهي، الآن تجد طغيان «الموبايل» على الكتاب، لكن الأخير بقي حاضراً. لفت انتباهي ان احد الذين يزاولون رياضة المشي في حديقة على ضفة نهر السين يحمل كتاباً ويقرأ وهو يمشي، ينتمي ذلك الرجل الى الفئة العمرية – الستينات- بحسب تقديري، في الوقت الذي تجد فيه شباناً وشابات يهرولون وهم يستمعون للموسيقى او ينغمسون في أجهزتهم النقالة. سألت مضيفي فيما اذا تراجعت عادة قراءة الكتب لصالح شبكات الاتصال والنت، أجاب بأنه لا يوجد تراجع، فالبعض يقرأ الروايات والكتب والمقالات عبر النت أيضا، وما تزال هذه العادة منتشرة وهي وثيقة بثقافة وعادات المجتمع ومن الصعب اندثارها ببساطة.
رياضة المشي والهرولة في الحيز العام، لا تقل أهمية عن عادة القراءة، يبدو ان تمرين الجسد لا ينفصل عن تمرين العقل بالقراءة، عشرات بل مئات يركضون ويمشون في الحدائق. الركض كظاهرة فسر لي المشي السريع في الشوارع وصعود الأدراج بلياقة عالية، ينطبق ذلك على كبار السن الذين يحتفظون بلياقة أعلى من نظرائهم في بلداننا، ما عدا الفلاحين الأقحاح. كان مفاجئا لي تجاوز سيدات وشابات لي في الشارع وأنا معتاد على المشي السريع. لا فرق هنا بين الذكور والإناث في الحركة كما في العمل والوظائف الى حد كببر.
خطر لي تساؤل اثناء التجول في الطبيعة والأماكن العامة، وطرحته على مضيفي الفرنسي رومان بونفوازن، لماذا ترك فرنسيون من معتنقي الديانة اليهودية هذه البلاد ساحرة الجمال والمتطورة جدا، وجاؤوا الى بلادنا المليئة بالمتاعب وبكل ألوان الصراع والمخاطر؟ أجاب، إنها الأيديولوجيا الدينية والإغراءات الكبيرة التي تقدمها الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل لمنتسبي الديانة اليهودية كي يغادروا فرنسا. أضاف، هنا في فرنسا مطلوب من كل مواطن ومقيم العمل الجاد، وإذا أراد ان يطور معيشته فعليه ان يعمل أكثر. هناك في المستوطنات، يكفي ان يتواجدوا في أرض الغير المحتلة بقوة السلاح ويمارسوا العدوان على أصحابها الأصليين، وفي الاكثر يدخلون معاهد دينية تعفيهم من الخدمة في الجيش، وتقدم لهم شروط حياة مرفهة في فلل واقتناء احدث السيارات. قاطعت مضيفي، ألا يعني ذلك ان دولة الاحتلال تشوه هؤلاء البشر وتحولهم الى عالة على مجتمع آخر، والى مضطهدين وقامعين لبشر آخرين؟ أجاب، بالتصديق على كلامي وقال إن إسرائيل تحولهم الى اشخاص غير عاديين.
المشهد الأهم كان «مدينة العلوم والصناعة» في مدينة باريس، التي لا تقل في أهميتها عن متحف اللوفر. تعتبر هذه المدينة المتحف الأهم والأكبر للعلوم على مستوى أوروبا، ومن أهدافها، نشر المعرفة العلمية والثقافية بين الأطفال والناشئة والشبان كفئة مستهدفة. واستعراض الإنجازات العلمية في صيغة ألعاب وتجارب واختراعات، وحفز المستهدفين على المشاركة والتفاعل والاكتشاف والتجريب. تتدرج الألعاب والمنشآت والأجهزة الى القوانين العلمية في الفيزياء والرياضيات بدءا من الفئات العمرية الصغرى وصولا الى الفئات الشابة دون وضع سقف لكل مرحلة من المراحل.
ألعاب باستخدام قوانين الفيزياء في تحريك كرات بلاستيكية عبر حركة المياه، الألعاب هنا تجمع بين التسلية والتشويق، وحفز العقول على الاكتشاف وعلى ربط الحركات ببعضها البعض. وألعاب تحويل الحركة الى الطاقة، وقياس السرعة  بتقسيم المسافة على الزمن وتحسس المشاركين لنبضات قلوبهم بعد السباق في المكان. وألعاب وتجارب لها علاقة بالرياح وتوظيفاتها، ومختبرات يتشارك فيها أطفال مع مختصين في تحويل المادة من حالة الى اخرى التي تساهم في إيقاظ روح المعرفة عند المشاركين. يتخلل المكان حديقة طبيعية تضم نباتات وأزهارا متنوعة وفراشات كثيرة وجميلة، بإمكان المشاهد مراقبة دورة حياة الفراشة من وضع البيض على الأوراق، مرورا بالتحول الى يرقة، ثم شرنقة وانتهاء بالتحول الى فراشة مكتملة بألوانها المتنوعة. المدينة تضم أجنحة ومعارض لطائرات وغواصة وأشياء اخرى لا يمكن الإحاطة بها خلال يوم، قد يحتاج المشاهد الى اكثر من يوم في كل جناح وما اكثر الأجنحة في هذا الصرح العلمي. كان السؤال الذي استحوذ على اهتمامي، ماذا ستكون نتيجة اعتياد الأطفال والطلبة على المشاركة في أنشطة هذه المدينة الزاخرة بالعلوم؟ الجواب ليس أقل من إنتاج علماء ومخترعين ومكتشفين 
كان فصل الختام في مدينة العلوم مشاهدة فيلم حول رحلة مكوك فضائي أوروبي حمل اسم  – روزيتا- الى «المذنب تشوري» في العام 2004 وقيامه بجمع مواد ما زالت تخضع للبحث وتحتاج الى سنين لتحليلها، وقد نتج عنها حتى الآن تفسيرات جديدة لمكونات الأرض. الرحلة مبهرة في صورها الدقيقة والتفصيلية للكواكب والمدارات، وقد زادتها دار العرض السينمائية المتعددة الأبعاد إبهاراً، وهي تنقلك الى الفضاء، وتخال نفسك وأنت تشاهد العرض كانك تخرج من الارض وتسبح في السماء.
Mohanned_t@yahoo.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: