آراء

معركة صغرى في إدلب

عبير بشير

2018-09-04

منذ البداية الجنينية للثورة السورية، حسمت القيادة الروسية تعريفها لانتفاضة الشعب السوري، واعتبرت أن المسألة برمتها مؤامرة أصولية وإرهابية على نظام آل الأسد، ثم بعدها أضافت موسكو عنصراً جديداً إلى تعريفها وهو رفض التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لدولة سورية المستقلة.
أما في تركيا، فقد فات أردوغان وهو يتبختر في اندفاعه نحو لعبة تغيير خريطة الأنظمة في المنطقة. إن تركيا الفتاة تشبه تماماً فسيفساء تركيا الإمبراطورية. لم ينتبه إلى أن الأكراد الذين خسروا إعلان الدولة عندما أعاد مؤتمر فرساي تشكيل عالم ما بعد الحرب الأولى، بسبب انقسامهم وشرذمتهم، هم الآن شبه موحدين، ودولتهم ترتسم عبر الحدود، بفعل تداعيات الثورة السورية، وأول ما فعله النظام السوري في رده على دعم أنقرة للثورة السورية، كان إطلاق الإقليم الكردي، ومنح الجنسيات المهملة منذ عقود. ثم تحولت غازي عنتاب الحدودية، التي كانت مقاهي لداعش، إلى ممرات للتفجيرات في قلب أنقرة.
الاستدارة الأردوغانية على الثورة السورية، أو بالأدق انقلاب أردوغان على نفسه، جاء
بعد أن تم سحب تركيا، التي كانت في بدايات الانتفاضة عمقا سياسياً ولوجستياً للثورة، إلى الخندق الروسي – الإيراني. وذلك بعد أن أحجم حلف الناتو عن التضامن مع تركيا والوقوف معها ضد التهديدات الروسية، بعد إسقاط أنقرة لطائرة الـسوخوي الروسية. وتوغلت إدارة باراك أوباما في العزف على المخاوف التركية، عبر تسليح الميليشيات الكردية في الشمال السوري.
وحتى قبل اختراع مناطق خفض التصعيد، كانت المصالحات القسرية التي يعقدها النظام السوري، مع ممثلي سكان المدن والضواحي السورية المُحاصرة بالتجويع والقصف، تنتهي بالتهجير لمسلحي المعارضة، إلى محافظة إدلب. وأصبح التهجير إلى إدلب إستراتيجية سياسية – عسكرية. وبقي التصور الروسي، للمشهد السوري، هو تصفية وجود عشرات الآلاف من المسلحين المصنفين على قائمة الإرهاب في هذه المحافظة.
وعشية استعدادات النظام السوري، وبدعم من روسيا، للهجوم على إدلب، قامت أنقرة مجدداً بخلط الأوراق، عبر إعلانها عن إدراج هيئة تحرير الشام – جبهة النصرة سابقاً- التي تسيطر على مساحات واسعة في إدلب، على قائمة المنظمات الإرهابية. مع استمرار عقدة مصير الهيئة، بعد فشل مفاوضات لحلها قادتها الاستخبارات التركية.
ويرى المراقبون، أن الأمور تتجه إلى حل بالقوة لملف هيئة تحرير الشام. وأن تصنيف تركيا الهيئة، منظمة إرهابية جاء نتيجة تفاهمات واتفاقات مع الروس في الدرجة الأولى، لمنع هجوم واسع على إدلب الخاضعة للوصاية التركية، وسيتبع ذلك، خطوات أخرى عسكرية وسياسية ضمن حل معقد سيفضي إلى عزل التيار المتشدد في الهيئة، وإعادة رسم المناطق الخاضعة لسيطرتها في إدلب. مع احتمال إعادة تدوير عناصر من النصرة في صراعات أخرى بتنسيق أمني بين أطراف عدة.
حديث وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن سورية لا تتطلع إلى مواجهة مع تركيا، لكن على الأخيرة أن تفهم أن إدلب محافظة سورية. وتشديده على أولوية تحرير إدلب، سواء بالمصالحات أو بالعمل العسكري، يؤكد مدى انخراط الطرفين الروسي وهو الداعم بقوة للنظام السوري، والتركي وهو الداعم لفصائل المعارضة في إدلب في بلورة التفاهمات، وعقد الصفقات، ضمن صيغة «لا غالب ولا مغلوب».
ولا شك أن وضع القيادة التركية حالياً حرج، فهي من ناحية تواجه كابوس إلغاء كل مكتسباتها الميدانية والسياسية في سورية. كما أنها تخشى من عمليات نزوح كبيرة إلى داخل حدودها مع سورية، كونها آخر أبرز معاقل الفصائل، ولن يكون أمام الفارين من القتال مجالات كثيرة للتنقل، وسيلجؤون غالباً إلى المنطقة الشمالية الحدودية مع تركيا. ويعتمد أكثر من مليوني شخص في مناطق سيطرة الفصائل في إدلب، خصوصاً أولئك المنتشرين في عشرات مخيمات النزوح، على المساعدات الإنسانية القادمة عن طريق تركيا. وفي نفس الوقت تعاني أنقرة من حرب دبلوماسية واقتصادية مع إدارة ترامب على خلفية القس برانسون. فيما يفاوض أردوغان الرئيس الروسي بوتين، وهو في الحضيض اقتصادياً، ووضعه الدولي في غاية السوء، ولا يملك سياسيّاً الكثير من الأوراق التي تتيح له رفض ما قد يطلبه بوتين، الذي قد يطلب من أردوغان غضّ النظر عن مذبحة تحصل في إدلب.
وتبدو الأمور على حافة معركة كبرى، هي الأعقد، في منطقة مساحتها عشرة آلاف كيلومتر مربع، وتضم خطوط تماس بين جميع الأطراف السورية المتحاربة، إضافة إلى قربها من قاعدتي حميميم وطرطوس الروسيتين ومن حدود تركيا. وتتكثف الاتصالات العسكرية والاستخبارات الروسية - التركية – الإيرانية، بحثاً عن ترتيبات لملف إدلب، ليتم إقرارها في القمة الروسية - التركية - الإيرانية المرتقبة.
وبحسب المعلومات المتداولة، تم التوصل مبدئياً إلى نموذج معركة صغرى في إدلب، بدلاً من معركة أم المعارك. ويندرج في هذا الإطار، قيام النظام السوري، وبدعم روسي عسكري، بـعملية محدودة ومتدحرجة في الشمال السوري وإدلب، بحيث تتم في المرحلة الأولى السيطرة على نقاط إستراتيجية -الطريق الواصلة بين حماة وحلب عبر معرة النعمان والطريق الواصلة بين اللاذقية وحلب عبر سراقب بعد جسر الشغور، إضافة إلى السيطرة على جبل التركمان بين اللاذقية وإدلب.
فيما تم تصنيف المعارضة السورية إلى فصائل معتدلة، وأخرى متطرفة -هيئة تحرير الشام- جبهة النصرة سابق، بحيث يتم استهداف جبهة النصرة في أي عمل عسكري قادم، لإجبارها على حل نفسها، تحت ضغط ناري كثيف، بينما سيتم البحث عن مخرج للعناصر والقادة غير السوريين في حال استسلامهم.
وفي الوقت نفسه، طلبت تركيا من روسيا تعهدات بألا تستهدف قوات النظام، فصائل المعارضة المعتدلة.
وتقول مصادر في الحكومة السورية: إن الهجوم على إدلب في حال حدوثه، سوف يستهدف في البداية الأجزاء الجنوبية، والغربية من الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة السورية، وليست مدينة إدلب نفسها.
ولوحظ أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أظهر اهتماماً مفاجئاً بالوضع في إدلب تحت شعار منع حصول كارثة إنسانية، وتحركت الماكينة الأميركية سياسياً وعسكرياً لتحقيق هدفين يتضمنان، قتال الإرهابيين دون حصول كارثة إنسانية، مع التذكير بـالخط الأحمر الكيماوي.
واتهم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو نظيره الروسي سيرغي لافروف بـالدفاع عن هجوم عسكري واسع يعتزم النظام السوري شنه، بدعم من روسيا على محافظة إدلب. بعدما دعا لافروف في مؤتمر صحافي أعقب اجتماعاً بينه وبين عادل الجبير في موسكو، إلى اقتلاع الأيديولوجيات الإرهابية من جذورها. وطالب شركاؤهم الغربيون بألا يعرقلوا عملية مكافحة الإرهاب» في إدلب، واصفاً المسلحين في المحافظة بأنهم خراج متقيح يحتاج إلى التطهير. وغرد بومبيو: الولايات المتحدة تعتبر أن هذا الأمر تصعيد في نزاع هو أصلاً خطير. وفي تغريدة ثانية، قال بومبيو: إن الثلاثة ملايين سوري الذين أجبروا أصلاً على ترك منازلهم وهم الآن في إدلب سيعانون كثيراً من هذا الهجوم.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: