إسرائيل وراء مبادرة الكونفدرالية الأردنية - الفلسطينية

2018-09-04

بقلم: تسفي برئيل

في بداية ثمانينيات القرن الماضي كان لدى الملك حسين، ملك الأردن، وياسر عرفات خطة لإقامة كونفدرالية بين الأردن والضفة الغربية، بعد أن تنسحب إسرائيل إلى خطوط 1967، ومن دون اعتراف أي عضو في هذه الكونفدرالية بدولة إسرائيل. وقد تمت الموافقة المبدئية على الخطة، لكن ما لبثا أن تخليا عنها بصورة خاصة بسبب عدم الاتفاق على توزيع الصلاحيات وعلى مكانة كل من الأردن والضفة في الكيان الذي من المفترض أنهما تؤلفانه. وفي سنة 1988 وُضعت الخطة على الرف بصورة نهائية بعدما قرر الملك حسين قطع العلاقة السياسية بين الأردن والضفة الغربية، ومنذ ذلك الحين طُرحت أكثر من مرة، خصوصاً من جانب رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، لكنها قوبلت بالرفض المرة تلو المرة من جانب الملك عبد الله.

على ما يبدو أنه يجري إحياء خطة الكونفدرالية، وهذه المرة بمبادرة من الولايات المتحدة، التي بحسب محمود عباس طرحت عليه فكرة مشابهة لخطة الثمانينيات. عباس يعرف جيداً الخطة التاريخية وظروف ولادتها. ففي الثمانينيات بحث عرفات عن دعم سياسي بعد طرد منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها من لبنان، وسعى الأردن إلى تعزيز قبضته على الضفة.

اليوم الظروف تغيرت. فالزعامة الفلسطينية المستبعدة من جانب مصر والسعودية لا تزال بحاجة إلى دعم سياسي قوي من أجل الدفع قدماً بمصالح الفلسطينيين الوطنية. لكن الأردن ليس مستعجلاً للعودة إلى هذا المستنقع الموحل الذي يمكن أن يزعزع استقراره. أول من أمس (الأحد)، أعلنت وزيرة الإعلام الأردنية، جمانة غنيمات، الناطقة بلسان الحكومة، أن "فكرة الكونفدرالية مع الأردن مرفوضة وغير قابلة للنقاش. ومن حق الفلسطينيين إقامة دولتهم على أرضهم".

تقترح الصيغة الإسرائيلية، التي بحثت مع موفَدي الرئيس ترامب وعُرضت، مؤخراً، أمام الملك عبد الله، أن تكون الضفة الغربية من دون القدس تحت رعاية أمنية أردنية تدافع عن الحدود بين إسرائيل والكونفدرالية. ويُوقع اتفاق كونفدرالي بين الزعامة في الضفة وبين الأردن من دون التوضيح ما إذا كان سيقام برلمان مشترك ودستور مشترك، ومن دون التوضيح ما إذا كان المكوّن الفلسطيني سيحظى بمكانة دولة. من المحتمل أن تكون إسرائيل مستعدة للاعتراف بدولة فلسطينية، لكن فقط كجزء من الكونفدرالية ومن دون غزة، التي ستنتقل إلى رعاية أمنية مصرية. وتبقى المستوطنات في مكانها وتخضع لسيطرة أمنية ومدنية إسرائيلية مباشرة.

صيغة من هذا النوع لا يمكن أن تُطمئن الأردن، الذي يخشى من إمكانية أن تكون غطاءً لإقامة وطن فلسطيني بديل في أراضيه. وفي رأيه، البنية الكونفدرالية يمكن أن تؤدي إلى وجود أغلبية فلسطينية بين خطوط 1967 والحدود الشرقية للأردن، وهذا ما هو قائم حالياً في الأردن نفسه، ويمكن أن تؤدي إلى أن يطلب الفلسطينيون حقوقهم القومية في الأرض المشتركة. وليس واضحاً أيضاً ما سيكون عليه وضع وادي الأردن الذي تُصر إسرائيل في كل الاقتراحات المطروحة على أن يكون تحت سيطرة إسرائيلية. بالنسبة إلى الأردن، فإن المغزى العملي لهذه الصيغة هو تحوله إلى مدافع عن حدود إسرائيل وإلى أن يصير هو المسؤول عن منع عمليات "إرهابية" داخل الضفة، بينما أسباب النزاع، في الأساس المستوطنات، ووضع القدس والحدود، ستسمر في تغذية المقاومة الفلسطينية.

عندما صرّح ياسر عرفات بأن اتفاق الكونفدرالية مع الأردن "في جيبه"، قال له الملك حسين: أبقِه في جيبك حتى إقامة دولة فلسطينية وعندها نتحدث". يبدو أن هذا الموقف لم يتغير منذ ذلك الحين ولا يزال الأردن مصراً على أن تعترف إسرائيل أولاً بالدولة الفلسطينية وفقط حينها سيكون من الممكن البحث في علاقات كونفدرالية.

ليس صدفة أن يسارع محمود عباس إلى الإعلان عن استعداده للبحث في الاقتراح إذا كانت إسرائيل أيضاً جزءاً من الكونفدرالية. إنه يعرف جيداً موقف الأردن، وليس غريباً عن الخطة الإسرائيلية. ومن المثير للاهتمام أن عباس، وليس العاهل الأردني أو رئيس الحكومة الإسرائيلية، هو من "كشف" عن الفكرة الأميركية، لأن هذه فرصته كي يقدم مبادرة تنقذه من وصفه بأنه الرافض، مع معرفته بأن فرص تحقق اقتراحه لا تقل فشلاً عن فرص تحقق "صفقة العصر" لترامب.

مع ذلك، وبحسب استطلاع للرأي العام جرى في الضفة قبل عامين تقريباً أيّد نحو 42% من الفلسطينيين قيام كونفدرالية مع الأردن (ونحو 38% عارضوها). لكن في ذلك الحين، مثل اليوم، مغزى هذا المصطلح وانعكاساته لم يوضحا للذين شملهم الاستطلاع. يرى عباس في الكونفدرالية قناة للاعتراف بدولة فلسطينية لأنه في رأيه لا يمكن نشوء كونفدرالية بين كيانين ليسا دولة. لذا فهو يصر على أن تكون إسرائيل شريكة كي يضمن ليس فقط اعترافها بالدولة الفلسطينية كفكرة بل أيضاً الاعتراف بحدودها ومكانتها. ومثل هذه الكونفدرالية ستفرض على إسرائيل عقد اتفاقات اقتصادية جديدة وتنسيق سياستها الخارجية مع الأردن ومع الدولة الفلسطينية، واعتبارهما شريكين متساويين في الأهمية والمكانة.

يمكننا أن نتخيل رفض الحكومة الإسرائيلية لهذه الصيغة. لأن إسرائيل من جهتها تفسر الكونفدرالية كاتفاق بين الضفة الغربية ككانتون يتمتع بحكم ذاتي، الجزء الأساسي من علاقاته مع الأردن ستكون اقتصادية، بينما ملك الأردن هو من يحدد السياستين الخارجية والأمنية.

وهي بذلك تحاول الدفع قدماً مرة أخرى بالخدعة القديمة لـ"حكم ذاتي" فلسطيني وظيفته ادارة الحياة اليومية للمدنيين على المستوى المدني، من دون تمثيل مستقل في المجتمع الدولي، مع اقتصاد مرتبط بالسياسة الاقتصادية للأردن وضمن القيود الإسرائيلية، ومن خلال قطع العلاقة مع غزة على الرغم من أنها تُعتبر في جميع الاتفاقات جزءاً لا يتجزأ من فلسطين.

الانفصال عن غزة ليس أمراً ثانوياً. ليس هناك زعامة فلسطينية يمكن أن تتخلى عن مليوني فلسطيني وأن تتنازل عن الأراضي الجنوبية لدولتها. سيكون مطلوباً من الحل الكونفدرالي أن يقدم جواباً لغزة في الوقت الذي يزداد الشرخ بين جزأي فلسطين تفاقماً، وتواصل مساعي مصر للتوصل إلى مصالحة بين "حماس" و"فتح" الانزلاق نحو الأسفل.

رؤيا الكونفدرالية الثلاثية أو الثنائية ليس فكرة مرفوضه في الأساس ويمكن أن تؤدي إلى فوائد لجميع الأطراف، شرط أن تمنح كل الشركاء ضمانات للمحافظة على استقلالها الوطني وسيادتها الخاصة.

لكن ضمن الظروف التي لم يتنازل فيها الفلسطينيون عن تطلعهم إلى الإعلان عن استقلالهم الوطني وقطف ثمار نضالهم التاريخي، وفي الوقت الذي تشن إسرائيل فيه حرباً شعواء ضد فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، ويتخوف الأردن من خسارة حقوقه القومية داخل التركيبة الكونفدرالية، تبدو هذه الرؤيا حالياً عناقيد من فقاعات صابون ملونة.

عن "هآرتس"  

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: