"وطأة اليقين" لهوشنك أوسي .. رحلة في مآسي سورية والوطن العربي

2018-09-04


كتبت بديعة زيدان:

في روايته "وطأة اليقين: محنة السؤال وشهوة الخيال"، الصادر عن دار سؤال للنشر، وإحدى الروايات الفائزة بجائزة "كتارا" للرواية العربية، يتجول الروائي السوري هوشنك أوسي، من خلال رحلات وتنقلات وذكريات شخصيتيّ "ولات أوسو"، وهو في الرواية كاتب وشاعر كردي سوري يبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، و"كاترين" البلجيكية التي يلتقيها في رحلة عبر القطار.

ويستهل الروائي هوشنك أوسي روايته برسالة لا يكشف لنا اسم مرسلها، ولكن يفهم القارئ من فحواها أن صاحبها صحافي وكاتب أمضى في سجون الأسد خمسة عشر عاماً، حيث يكتب رسائل بعد خروجه من السجن إلى صديق اسمه "هاغوب"، يحكي له عن حالة الإحباط واليأس التي تتملكه بسبب ما تمر به البلاد من ظلم وقهر وفساد وبطش، إلا أنه ومع بداية "الربيع العربي"، وبالتحديد بعد حادثة البوعزيزي في تونس، تقفز إلى دواخله أحاسيس من الأمل والانفراج، وهنا يتطرق إلى تفاصيل كثيرة بخصوص ثورة تونس والفترات التي سبقتها والتي تلتها، خاصة بعد هروب زين العابدين من الحكم.

"حين دخلنا السجن سنة 1989، كان عمري 27 سنة. كنت تكبرني بسنتين. وحين أطلق سراحنا، صار عمري 42 عاماً. لم أكن قد برأت من أهوال الحرب في لبنان، حتى زجت بي الأقدار في أتون سجن تدمر الرهيب. في السجن، كانت الذاكرة حصني وحصاني وأجنحتي.

ولكن هول وبشاعة ما رأيته خارج السجن، أفقدني تلك الذاكرة، بحيث ما عدت أقوى على تذكر أيام الطفولة والشباب والانخراط في الرابطة. ما أذكره هو يوم ميلادي، كونه صادف يوم جلاء الفرنسيين عن سورية. ويا ليتهم بقوا هنا، لربما كانوا أرحم وأرأف بحالنا من العصابة التي تحكمنا".

أوسو، وهو إحدى الشخصيتين الرئيستين أجبر على مغادرة سورية في العام 2009، إثر ما تلقاه من تهديدات وملاحقة من المخابرات السورية على خلفية كتاباته ضد النظام، ويعيش حاليا في مركز اللجوء "بيتي شاتو" ببروكسل بلجيكا، وهو المركز الذي يضم الكثير من اللاجئين العرب والأجانب ممن تعرضوا للأخطار والتهديدات في بلدانهم.

ويتكئ كاتب الرواية على حكايات أوسو الذي يلتقي في القطار بالبلجيكية كاترين دو وينيتر (77 عاما)، وتحمل الجنسية الأميركية .. يتحدث إليها فتغريه حكاياتها الغنية، وتتوالى لقاءاتهما بعد اتفاقهما بمبادرة منه على كتابة سيرة حياتها.

حين كانت كاترين شابة يافعة، كانت تسمع في نشرات الأخبار عن إسرائيل، "هذه الدولة الصغيرة التي تشق طريقها في الشرق الأوسط فتقرر بدافع الفضول والإعجاب بهذا الشعب الصغير الذي يحيط به الأعداء من كل جانب"، أن تزورها .. كان ذلك في العام 1957 لتعمل هناك متطوعة في إحدى المزارع، دعماً لهذه الدولة الجديدة، فتتعاطف مع اليهود بعد أن قرأت عن الهولوكوست، ولكنها وبعد أن تقيم فيها لما يقارب العام، تشاهد كيف يضطهد الاحتلال الإسرائيلي وسكان "إسرائيل" الفلسطينيين سكان الأرض الحقيقيين، فتتغير نظرتها وفكرتها كلياً، هي التي تلتقي بفلسطينيين في جامعة جنيف، أثناء دراستها هناك، حيث تعرف حقيقة حكاية الفلسطينيين وتفهم ما وراء مشاهداتها فيما يتعرضون له من بطش وطرد.

أثناء إقامتها في أميركا تلتقي صدفة بالقائد ياسر عرفات، وهي المعجبة به ككقائد ومناضل من أجل قضية بلاده، وبعد فترة طويلة، وأثناء زيارتها لصديقها كمال في تونس تسمع عن القصف الذي تعرض له مقر منظمة التحرير الفلسطينية في منطقة "حمام الشط. قصف جوي استهدف مقر منظمة التحرير الفلسطينية، وقتل العشرات وجرح المئات من المدنيين، وأن ياسر عرفات وقيادات فلسطينية كانت مستهدفة بهذه الغارة الجوية!

حينئذ عرفت سبب الانتشار العسكري والأمني الكثيف في العاصمة! تألمت كثيراً لسماع الخبر. وصارت تشتم إسرائيل وتلعنها في سرها، على هذه الجريمة، ولأنها سممت عليها زيارتها لتونس. كانت على قناعة بأن إسرائيل وراء ذلك. حاولت أن تبدد مشاعر الحزن والألم عنه".

كمال طبيب تونسي أحبها وأحبته أثناء دراستهما معاً في جامعة جنيف إلا أنه كان ممنوعاً عليه الزواج أثناء الدراسة لأنه يدرس الطب بمنحة من الجيش التونسي.

زارت كاترين المغرب وشاهدت عن قرب التفريق العنصري بين سكان المغرب من مسلمين ويهود وفرنسيين، وعاشت في سورية خمس سنوات حيث سافرت لهناك لتعلم اللغة العربية فأعجبت بسورية وقررت البقاء فيها، إلا أنه وبعد خمس سنوات طردت من قبل النظام، ودون مقدمات أو إبداء الأسباب، بختم جواز سفرها بختم يفيد بعدم العودة مرة أخرى .. سافرت بعدها إلى العراق كدرع بشري لحماية العراقيين مطلع التسعينيات، وبصعوبة بالغة هربت من العراق.

لاحقاً يكشف لنا الكاتب عن اسم مرسل الرسائل لصديقه "هاغوب"، وهو حيدر لقمان السنجاري، كاتب معارض للنظام وسجين سياسي سابق اعتقل العام 2011، فيما أنكر النظام وجوده في معتقلاته، ومن ثم سلمت جثته لأهله، بعد أسابيع من اعتقاله، حيث قيل لهم إنه انتحر في السجن.

في منتصف الرواية الثاني، ينتقل هوشنك أوسي إلى قصة جديدة أبطالها مجموعة أصدقاء لكاترين وولات أوسو، وهم رولان بونيوبا المقاتل السابق من الكونغو ويعيش في ذات مركز اللجوء ببلجيكا، وجورجينيو الإيطالي، وكلارا الألمانية، حيث جمعتهم التظاهرات في بلجيكا ضد النظام السوري وتضامنا مع الثورة السورية .. اكتشفوا تغييراً في شخصياتهم، وميولاً لم تكن موجودة قبل زراعتهم للأعضاء، فأصبحوا أكثر اهتماماً بقراءة المقالات النقدية السينمائية وأكثر متابعة لأخبار سورية، وجمعتهم التظاهرات التي تطالب بإسقاط النظام، فكلارا وهي موظفة في بنك هولندي زرعت كلية قبل عدة أشهر في نفس الفترة التي زرع فيها جورجينيو شبكية، فيما زرع رولان حالباً، وكلهم زرعوها بفترات متقاربة في نفس المستشفى البلجيكي المتخصص في زراعة الأعضاء، ليتساءلوا: هل الميول والصفات النفسية تنتقل من الشخص المتبرع للمتبرع إليه، وحسب العضو المتبرع به ؟!

بدأت رحلة البحث عن المتبرع، أو صاحب الأعضاء، حيث توقعوا أن تكون أعضاؤهم تعود لنفس الشخص، وذلك بالعودة لملفات المستشفى بمساعدة إحدى العاملات في المستشفى.

حاول هنا الكاتب الحديث عن سرقة أعضاء المعتقلين عند النظام السوري، وكانت هذه السرقات نوعاً من العقوبة، تتفاوت حسب المعاقِب والمعاقَب، فأحياناً تتم سرقة عضو واحد أو أكثر، وأحيانا تصل العقوبة لسرقة كامل الأعضاء بعد أن يدخل المعتقل في حالة موت سريري بسبب التعذيب الشديد، ليتوصلوا إلى أن هذه الأعضاء تعود لكاتب الرسائل، وهو حيدر لقمان السنجاري، حيث تم تهريبها من سورية إلى أوروبا عبر لبنان.

وكانت الرواية مكتظة ومتشعبة وفيها الكثير من التفاصيل حول قضايا متنوعة في جغرافيا عدة كفلسطين، والمغرب، والعراق، ومصر، وتونس، إضافة إلى سورية، وتطرقت للحديث عن قيادات ورموز ثورية كعرفات وجيفارا وغيرهما، وهو ما شكل نوعاً من استعراض الكاتب لثقافته، أدخل برأيي القارئ أحياناً في حالة من الضجيج، في حين كان الجزء الثاني من الرواية مختلفاً وفيه مقترح جديد ومشوق بنفس بوليسي طاغٍ، وكان يحتمل أن يكون هو وحده رواية بأكملها، أي رواية تتمحور حول سرقة وتهريب أعضاء المعتقلين في السجون السورية إلى مافيا تجارة الأعضاء في أوروبا والعالم. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: