مئات آلاف الإسرائيليين يطالبون باستعادة المواطنة العراقية

2018-09-01

بقلم: جاكي خوجي

تجري في العراق، هذه الأيام، مناقشات جماهيرية مثيرة تجاه مئات آلاف الاسرائيليين. وكل ذلك بفضل ارفين شوكر، من مواليد بغداد. فقد أجرت قناة "الحرة" مقابلة باللغة العربية مع شوكر الذي توجه الى الحكومة العراقية بطلب اعادة المواطنة العراقية لليهود. ووصلت اقواله الى بغداد، ونمت لها أجنحة. شوكر ليس فقط عراقياً، بل هو يهودي وبريطاني ايضا. ومنذ عشرات السنين وهو يسكن في لندن، حيث أنشأ عائلته. ويعمل نائباً لرئيس مجلس أمناء يهود بريطانيا. في بداية الخمسينيات مع هجرة اليهود من العراق، وكخطوة ثأرية، سحبت المملكة العراقية منهم المواطنة. ويطلب شوكر اصلاح هذا الظلم.

"أبي أعطاني هدية، هويتي، التي ورثها هو ايضا من أبيه"، قال في المقابلة. "هذه الهدية ورثناها منذ 2600 سنة من الأب الى الابن دون توقف. واريد أن أمنحها لابنائي". وروى بانه قريبا سيرفع التماساً الى المحكمة الفيدرالية العليا في بغداد بطلب استعادة المواطنة.

"منذ 2003 في كل مرة كنا نطلب فيها ذلك يقولون لنا انتظروا قليلاً، فالشعب سيستصعب قبول ذلك. وفي هذه الاثناء تنقضي السنون. حان الوقت للتوجه الى الهيئات القضائية".

سيكون شوكر أحد المشاركين في الالتماس الذي سيشارك فيه أيضا غير يهود يؤيدون نداءه.

وتحمل هذه المسألة معاني تاريخية، ثقافية، سياسية، واقتصادية. ولكنها في هذه المرحلة تخلق معضلة قضائية أساسا. فالدستور العراقي، الذي وُقّع في العام 2005 يقضي بان العراقي هو من ولد لأب عراقي أو أم عراقية، وأن الامر منصوص عليه في القانون. كما تقول المادة 18 من الدستور إنه لا يمكن سحب المواطنة ممن ولد عراقيا، لأي سبب كان، وكل من سحبت منه من حقه أن يستردها. ووفقا لهذه المادة فان يهود بابل جميعاً، أبناءهم وأنسالهم، يستحقون المواطنة تلقائيا. المشكلة هي أن المادة 18 تصطدم بسجل القوانين.

يتضمن القانون العراقي سلسلة مواد مناهضة لليهود تبلورت ببطء منذ الخمسينيات وحتى عهد صدام. احد هذه القوانين هو "قانون الرقابة والإدارة لأموال اليهود ممن سحبت مواطنتهم العراقية"، والذي عدل آخر مرة في العام 1963. ويقضي هذا القانون بان سحب المواطنة في تلك السنوات، 1950 و 1951 لا تمنح اليهود الحق بالمواطنة. قانون آخر يقول ان اليهودي الذي حصل على مواطنة اخرى تسحب منه مواطنته العراقية.

ورغم ذلك، أثبتت بغداد، هذا الاسبوع بأنها ليست لامبالية تجاه المسألة اليهودية. رائد فهمي، أحد المرشحين لرئاسة الحكومة، أعرب عن تأييده لحقهم في تلقي المواطنة. فهمي ليس شخصية هامشية. فهو خريج السوربون في باريس ومدرسة الاقتصاد في لندن.

كل حياته الراشدة كان عضوا في الحزب الشيوعي الذي لاحقه صدام. وبعد إسقاط الطاغية في العام 2003 انخرط في الحياة السياسية. في أيار جرت هناك انتخابات، والى المكان الاول وصل "سائرون نحو الإصلاح"، كتلة من سبعة أحزاب بقيادة رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر.

ولا تزال المحادثات لتشكيل الائتلاف متواصلة، بأعصاب متوترة. إذا نجح رؤساء "سائرون نحو الإصلاح" في ترجمة انجازاتهم في الانتخابات الى انتصار سياسي، فسيعين فهمي رئيسا للوزراء.

في مقابلة صحافية قال فهمي ان للعراق التزاما تجاه اليهود. ولهذا يجب دراسة الموضوع جيداً. واشار الى انه "من ناحية مبدئية واخلاقية، نحن نؤيد منح الحقوق لكل مواطن، بمن فيهم اليهود. جيد أن يجري بحث اجتماعي في المسألة يؤدي الى نتيجة منطقية وبعيدة عن التطرف".

تحدث فهمي بحذر شديد. فقد اجتهد للاعراب عن تأييد للفكرة ولكنه لم يتخذ صورة من يتحفز لتشجيعها. وشدد على أن "توقيت البحث في مسألة اعادة المواطنة لليهود ليس ملائما". او بتعبير آخر، لم ينضج الامر بعد. وفي اقواله هذه اشار فهمي الى الفيل الذي في الغرفة: معظم يهود العراق يسكنون في اسرائيل، ومنح مواطنة عراقية لليهود الذين غادروا معناه اضافة مئات الاف الاسرائيليين الى السجل السكاني. خطوة كهذه ستستقبل بعين العطف من ملايين العراقيين، ولكن الجيران لن يسمحوا بالتغيير بسهولة. فايران تجلس على دجلة، وقدماها مغروستان عميقا بالسياسة العراقية.

لا يعتقد أحد بأنه باصلاح الظلم سيعود جموع اليهود الى المدن التي نزحوا عنها. ولكن العراق اليوم يبني نفسه من جديد. ويعرف ابناؤه جيدا بان اليهود مجربون في بناء الدولة، وهو يتمنى أن يأتوا للمساعدة في جهوده، على الاقل بالعلم وبالمشورة. اما اليهود من جهتهم فيريدون للجرح الذي فتح في قلوبهم ان يلتئم في يوم من الايام. وهناك بينهم من يتمنون استعادة الممتلكات التي تركوها وراءهم.

فما الذي ستقرره المحكمة الفيدرالية العليا إذن اذا ما طرحت المسألة امامها؟ في العراق ايضا ينصت القضاة لميل النخب، وهم يعرفون بان قرارا كهذا سيحدث عاصفة في صفوف المعسكر المؤيد لايران. وعليه فستكون مفاجأة كبرى اذا ما أمروا باعادة مواطنة اليهود لهم فورا. ومع ذلك، فان المحكمة الفيدرالية هي حامية الدستور. وحسب السيناريو المعقول جدا، فسيقبل القضاة الالتماس، ولكنهم سيأمرون السلطة التشريعية بالشروع باجراء تعديل القوانين. ومن تلك اللحظة ستنتقل الكرة الى البرلمان. هناك يمكن للمشرعين أن يتحكموا بالجدول الزمني لعملية التشريع وتسريعها ان شاءوا، او التسويف فيها. كل هذا وفقا للتطورات السياسية.

نهرا بابل، حيث أقمنا وبكينا، سينتظران قليلاً.

عن "معاريف"
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: