آراء

في إدارة التعارضات الفلسطينية الداخلية

حسين حجازي

2018-09-01

إن القصف الكلامي يشمل المعمورة بأكملها على مستوى الكون ولا يقتصر إواره بلا هوادة بيننا نحن الفلسطينيين، وكأننا بالفعل أمام صدقية الخرافة الصينية من اننا في عام الكلب، الكلاب التي لا تمل من العواء فيما يروم الناس في الليل وقد تعبوا من عمل النهار الخلود الى النوم والراحة. وقد يمكن القول أمام هذا العصف غير الفكري بالتأكيد، وانما الخطاب التشاجري بامتياز ان هذا الصراخ والتهديد المتبادل بين الكل ضد الكل، هو حدث نادر غير مسبوق في التاريخ.
فقل لي من هي المنطقة او البلد في الإقليم وحول العالم الذي لا يوجد اليوم في وضع من الصراع والأزمة او الشجار الداخلي؟ او مع دونالد ترامب؟ وهذا هو المتغير او التحول الكبير او الجديد أي الشجار مع من كان يفترض انها الدولة او القوة الاعظم التي تمثل رأس النظام العالمي، والقائد الأعلى لهذا النظام على حد سواء.
وهل اذا اتفقنا او رأينا عبر هذا المدخل للازمة الفلسطينية الداخلية، على انها جزء من حالة عامة وليس استثناءً هي «مرض الكلب»، وبالمناسبة فان ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الأشهر أثناء الحرب العالمية الثانية كان يعاني من أعراضه، والتي تتلخص بالانتقال صعوداً وهبوطاً بصورة حادة ومفاجئة، من حالة مزاجية قصوى تدعو الى التفاؤل عن قرب المصالحة مثلا وتحقيق التهدئة، الى حالة قصوى ومتطرفة مناقضة او معاكسة تدعو الى التشاؤم.
او لأنه في هذا السياق الدولي الذي يشبه العواء فان القصف الذي يمارسه علينا دونالد ترامب دون توقف، هو في المحصلة جزء من هذه السيولة غير المسبوقة التي يشهدها العالم من هذا الصراخ المتبادل بين كل العالم من جهة، وبين رئيس الولايات المتحدة من جهة اخرى. وبالتالي اهدؤوا أيها الفلسطينيون حتى تهدأ هذه العاصفة او تنقشع هذه الغيمة، ولا بأس من الانحناء قليلاً لئلا ينكسر القوس. وان المسألة بالأخير هي مسألة وقت اذا كان من غير المنطقي استمرار هذا الاختلال او عدم التوازن في قوانين الاشتباك.
وهل نريد بهذا المعنى او الشعور ان نقلل من حدة المشكلات التي نتصارع معها؟ والجواب نعم. اذا كانت المسألة في واقع الأمر ان جزءا من حدة هذا القصف الكلامي المتبادل انما يعود الى قدر من المبالغة والذاتية المفرطة، التي ننظر منها الى هذه المشكلات.
والواقع انه بخلاف السجال العلني الحاصل بين فتح و»حماس» وحتى النقاش الجاري في القاهرة، والمقترحات المعروضة والمقترحات المضادة، فان الاختلاف الجذري او الجوهري هو في حقيقته يدور حول سؤال مسكوت عنه: لمن يعود الحكم في غزة بالأساس، او لمن تكون الكلمة العليا بالأخير في تقرير مصير غزة والتحدث باسمها ؟ هل لممثل النظام الفلسطيني الواحد أي الشرعية؟ وهذا النظام والشرعية التي يمثلها لم تهتز او يعتريها الشك حتى طوال أعوام الانقسام، فقد ظلت «حماس» طوال تلك السنين هي قوة الأمر الواقع، ولكن النظام الفلسطيني ظل هو النظام الفلسطيني الواحد دولياً وعربياً وإقليمياً وحتى في نظر الفلسطينيين أنفسهم.
فما الذي تغير اذن منذ العام 2014 حين تراجع المحاربون أي «حماس» والفصائل الذين خاضوا غمار هذه الحرب عن الصف الأول، وقدموا عزام الأحمد أي ممثل رئيس النظام الفلسطيني أبو مازن للتوقيع نيابة عنهم رغم بقاء الانقسام على الاتفاقية نفسها للتهدئة ووقف اطلاق النار وانهاء الحرب معها، التي أعادت إسرائيل هذه المرة المبعوث الأممي ومصر لإعادة إحيائها من جديد، باعتبار ان هذا هو المخرج للجميع من المأزق الغزي الذي لم تعد الحرب جواباً عليه؟.
ان الذي تغير هو ان «حماس» تغيرت نظرتها الى نفسها في غضون هذه السنوات الاربع، وقد يمكن اختصار ما حدث انهم توصلوا أخيراً الى ان من يحررون البلاد أي غزة في هذه الحالة بفك الحصار عنها، هم الجديرين بحكمها او اقله المشاركة على قدم المساواة في حكمها. وهذه نقطة تحول يرى بعض الإسرائيليون انه لا يجب منح «حماس» هذا الامتياز.
ولكن هذا التحول يعني ان ثمة مسألة أخرى وثانية جوهرية لم تكن مطروحة علناً في السابق او بصوت مسموع، وهذه المسألة أي نموذج السلطة والحكم يجب ان يستنسخ الآخر، نموذج غزة ام نموذج الضفة ؟ أي النموذج الذي يملك شرعية النظام ووحدانيته باعتبار ان هذا النظام هو قوة الفلسطينيين وخطهم الدفاعي، والذي يملك ورقة التوازن الإقليمي والدولي، ام هو نموذج غزة الذي يملك في موازاة ذلك قوة الفصائلية المقاتلة أي المقاومة الميدانية على الأرض كتوازن ومرجعية بديلة او موازية لهذا النظام ؟.
اما المسألة الثالثة والتي لا تذكر في السجال او الخطاب ولكن ربما هي اهم المسائل، فهي انه ربما بعكس ما يجري من تسليط الضوء على مصير غزة فان القضية الرئيسية ليست مصير غزة وانما مصير الضفة. حين يبدو كما لو ان غزة تنفصل عن الضفة وتترك الضفة لمصيرها في تصور للعلاقة بين جزئي الوطن غير مفهوم او ملتبس، بما يوحي به هذا الالتباس كما لو ان غزة تحصد ثمن ثورتها المتواصلة، وتدير ظهرها الى الضفة عبر اللعب مع الكبار او الأعداء.
والواقع ان الخوف تاريخياً لم يكن على غزة وانما على الضفة، منذ ان أعطى جمال عبد الناصر تفويضاً بعد هزيمة العام 1967 للعاهل الأردني الراحل الملك حسين التفاوض او لعب ورقته الشخصية باي طريقة للحفاظ على الضفة عربية ومحاولة استرجاعها. وهذا الخوف كان ايضا في أساس قرار عرفات في ذروة الانتفاضة الثانية الذهاب الى المقاطعة في رام الله، رغم المخاطر الكامنة من حصار شارون له فيها، وهو ما حدث بالفعل دون خشية عرفات على غزة. حتى ليبدو اليوم كما لو ان غزة المرهقة والجائعة والفقيرة والمعذبة والمستنزفة بالدماء هي وفيها ومنها يتقرر مصير الضفة، او بمفهوم كلاوزفيتز هي «مفتاح البلاد».
 ولكن هل هذا الاتفاق يعمق الانقسام السياسي الذي تمليه الضرورة ؟ بل ان عزام الأحمد يقول انه اتفاق وطني وثمة إجماع على ذلك. او ينطوي على هذا البعد الذي يمكن ان يحتمل مثل هذا الإخلال في التصور الإجمالي للعلاقة بين غزة والضفة؟ والجواب انه اتفاق تقني عسكري وغير عسكري في آن واحد، وهو اتفاق سياسي وغير سياسي في الآن نفسه. ولكن هذا الالتباس او التناقض انما يطرح سؤالاً جوهرياً حول محك الحقيقة الآن واكثر من أي وقت مضى حول جدارة وقدرة وموهبة القيادة، اذا كان القائد هو وهو فقط من يستطيع ان يمثل الحل لمثل هذه التعارضات على ما يقول نابليون. وان الجدال الفلسطيني الحالي قد يكون فرصة لإعادة تصويب التفكير الجمعي الفلسطيني حول المسائل الثلاث، المشار اليها باعتبارها جوهر التعارضات الجديدة ولكن العميقة والدفينة.


 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: