آراء

تهدئة…. بأي ثمن؟

صادق الشافعي

2018-09-01

إذا ما تمكنت مصر مشكورةً من تذليل العقبات وتجاوز الاعتراضات وأهمها الإصرار، المحقّ تماماً، على أولوية عنوان المصالحة الوطنية على عنوان التهدئة/ الهدنة ووجوب البدء به، وإذا ما نجحت مصر في جمع الأطراف الفلسطينية للحوار حول عنواني المصالحة والتهدئة/ الهدنة، فان المجتمعين سيجدون انفسهم أمام محصلة من الحقائق فرضت نفسها كنتيجة لحركة الاتصالات والوساطات والمبادرات والمواقف.
بعض هذه الحقائق تبلور واستقر بشكل شبه نهائي وبعضها بشكل نسبي او مؤجل. 
فيما يخص عنوان التهدئة، لا بد من الاعتراف بدايةً ان هناك بين جمهرة الناس - بالذات في غزة- من يقبلونه ويرجون النجاح فيه وذلك تحت ضغط الأوضاع الإنسانية والمعيشية المعروفة. لكن بالتأكيد ليس بأي شروط وبأي ثمن، بالذات اذا طال القضية الوطنية؟
الحقيقة الأولى، ان البحث أصبح يقتصر تقريباً على العناوين القليلة المتعلقة بوقف الأعمال العسكرية وتثبيتها على طرفي الاشتباك، وتالياً وبالتوازي والتزامن مع رفع الحصار عن قطاع غزة وفتح المعابر، اضافةً ربما الى انفراجات محدودة في الأمور المعاشية والإنسانية والإنمائية.
اي ان البحث يقتصر تقريباً على إحياء وتأكيد اتفاق التهدئة لعام 2014.
ما دام الأمر اصبح كذلك، فما الذي يمنع ان يتم التعامل معه بمنطق وادارة  الإجماع الفلسطيني وتحت مظلة الشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير؟
الجواب للأسف، هو انقسام الإجماع الفلسطيني وخروج البعض عن الشرعية.
اقتصار عنوان التهدئة على المذكور أعلاه، يأتي بانسجام مع ما ظل طرفا الاشتباك الاساسيان يؤكدانه منفردين: انهما ليسا في وارد ولا رغبة لهما او مصلحة في تطوير الاشتباك الى حرب مفتوحة، او غزو شامل لغزة تقوم به قوات دولة الاحتلال.
أما العناوين الفرعية الأخرى التي كانت تطرح ملتصقةً بعنوان التهدئة فقد رحّلت، او أجل البحث فيها بانتظار ما يمكن ان يفتحه أمامها من آفاق واحتمالات ثبات واستقرار وقف الأعمال العسكرية من جهة، وتطور الوضع الفلسطيني الداخلي من جهة ثانية، وتطور المشاريع الدولية من جهة ثالثة.
اهم هذه العناوين واكثرها مدعاة للشك وصعوبة التصديق وللتخوف العالي ايضا، هما عنوانا الميناء او الرصيف البحري في قبرص والمطار، خصوصاً وان دولة الاحتلال تشترط بقاءهما تحت الإشراف والسيطرة التامين لقواها الأمنية.
لعبت دولة الاحتلال دوراً اساسياً في الوصول الى هذا الوضع، فهي ليست في وارد، ولا في وضع المضطر، الى تقديم تنازلات إلا اذا كانت مقبوضة الثمن سلفاً ومضاعفاً، وأول أثمانها المطلوبة الأسيران والجثامين لدى حركة حماس دون مقابل، او كانت هذه التنازلات في خدمة مشاريع حليفتها الولايات المتحدة.
الحقيقة الثانية، الرفض القوي والواسع من الشرعية الفلسطينية أولاً، وهو الأكثر تأثيراً وحسماً، ثم من التنظيمات والقوى السياسية والمجتمعية الفلسطينية ومن الناس، لدخول اي تنظيم فلسطيني منفرداً في اي اتفاق مع دولة الاحتلال يتعلق بالشأن الوطني العام ( تهدئة او غيرها)، دون موافقة وغطاء الشرعية الفلسطينية.
ان الدخول بهذا الشكل يعني خروجاً على الإجماع الوطني الفلسطيني لا يمكن قبوله او تبريره باي حجج او مسوغات. ولا نتيجة له الا تطوير الانقسام الى انفصال، والا تخليق احتمال واقعي لقيام كيان منفصل عن النظام السياسي الفلسطيني الجامع، ومجابه له.
وما يستتبعه ذلك من قسمة المجتمع الفلسطيني ونضاله الوطني. وما يستتبعه أيضا من احتمال عال لاستغلال هذا النظام او تجييره، في خدمة المشاريع المدمرة للقضية الوطنية الفلسطينية ( صفقة القرن او اي تخليق منها او على غرارها). لا فرق إن تم ذلك عن وعي وقبول أصحابه المنفردين او عن استدراج لهم.
هذا الرفض، وبهذا الشكل، هو ما أوجد درجة عالية من الشك انه لا يمكن لاتفاق التهدئة/ الهدنة المنفرد كما جرى تداوله في البداية بكل عناوينه الفرعية ان تكون له حظوظ من النجاح والتحقق.
يؤكد هذا الشك درجة عالية من الأمل والثقة ان الموقف المصري لن يذهب الى النهاية في رعاية اتفاق للتهدئة/ الهدنة لا توافق عليه التنظيمات الفلسطينية الأخرى ولا توافق عليه بالذات الشرعية الفلسطينية وقيادتها السياسية.
الحقيقة الثالثة، ان دولة الاحتلال في كل تعاطيها مع موضوع التهدئة/ الهدنة بصيغته الطموحة او بصيغته التي استقر عليها ظلت تؤكد حرصها على بقاء حركة حماس حاكمة ومسيطرة على قطاع غزة. ليس ذلك من باب التوافق او التفاهم، ولكن لان ذلك يؤمن لها هدفا استراتيجيا من أهدافها هو استمرار الانقسام الفلسطيني وبقاء حركة حماس مسيطرة على غزة، في وضع الخروج عن السلطة الوطنية والمجابه لها، كما يؤمن لها ضبط أوضاع غزة ومنع انتشار الفوضى فيها.
أما الحقيقة الرابعة المتعلقة بعنوان المصالحة وهي الحقيقة الأكثر صدماً وأذىً وانذاراً، فهي ان عنوان المصالحة قد بلّط في الخط، بل انه زاد صعوبة وتعقيداً وخطورة.
وهذه الحقيقة تحتاج الى تناول مفصل ومستقل.


 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: