كيف يتجرأ اللاجئون الفلسطينيون على "الحلم بالعودة"؟!

2018-08-31

بقلم: جدعون ليفي
في البداية جردناهم من أماكن عملهم؛ قمنا بإقالة عمال ومستأجرين للأراضي الزراعية وحراس وسلبناهم مصدر رزقهم. كان هذا في عشرينيات القرن الماضي. 
سمينا هذا «احتلال العمل» و»عملا عبريا» وقلنا إن هذه «قيمة طلائعية». هل هذا كولونيالية؟ ما الامر؟ بعد ذلك جاء «انقاذ الأراضي» واندلعت «الاحداث»، وجاءت خطة التقسيم، واندلعت الحرب وتم طرد 750 ألف شخص منهم، أو أنهم هربوا لانقاذ حياتهم.
قالت الأمم المتحدة إنه يجب إعادتهم، لكن إسرائيل لم تذعن في أي يوم وطردت «المتسللين» الذين «تسللوا الى بيوتهم»، عدد منهم فقط جاء في محاولة لانقاذ ما تبقى من ممتلكاتهم. لن تتحمل اسرائيل في يوم ما أي جزء من المسؤولية. الفلسطينيون هم المذنبون. هم فقط. فهم لم يوافقوا على التقسيم، ولذلك يستحقون كل ما يحدث لهم، بما في ذلك الكارثة. اسألوا كل رجل دعاية اسرائيلي.
لقد تشتتوا في كل الاصقاع. العديد من احفادهم يعيشون في ظروف غير انسانية لا يعرف أي اسرائيلي مثلها.
في لبنان وسورية وقطاع غزة لم يكن امامهم أي سبيل لكسر دائرة العوز. في الضفة الغربية ايضا، الواقعة تحت سيطرة اسرائيل، ما زالت هناك مخيمات مهينة لم تحرك ساكنا لإعادة تأهيلهم. ما شأنها ولجوؤهم. خلقت الدعاية الاسرائيلية وضعاً فيه مجرد  البحث في مصيرهم هو أمر غير شرعي تماما، وهو امر يسعى الى تقويض اسرائيل ويعمل على تدميرها. المتهم الاساسي بنكبتهم نظف نفسه من كل تهمة ومن كل مسؤولية ومن كل خطيئة ومن كل واجب لإعادتهم أو تعويضهم.
ولكن لم يُكتفَ بهذا. مكرهة الروائح التي تتصاعد من حين الى آخر من بيوت مستوطنة بيت ايل نحو مخيم الجلزون المجاور تقلق المستوطنين كما يبدو.
ربما ايضا القذارة التقليدية التي تتصاعد من مخيم اليرموك الخرب في سورية، من صبرا وشاتيلا النازفة في لبنان، من البريج والشاطئ في غزة، من الفوار وعايدة، من نور شمس وجنين في الضفة الغربية، ما زالت تزعج اللاوعي الصهيوني، لقد حان الوقت للمعركة الأخيرة في المسرحية.
في هذه المعركة سنضع حدا لمشكلة اللاجئين، هذا اذا كانت هناك «مشكلة» كهذه. رصاصة البداية اطلقت في واشنطن: الحرب التي منعتها اسرائيل ضد «الاونروا» حظيت هناك بآذان صاغية، ويقوم الاميركيون بتقليص ميزانيتها ويقولون إنه يجب اغلاقها. ليس هناك وكالة «اونروا» وليس هناك لاجئون. ولكن من سيمول التكاليف الصحية، التعليم والغذاء لمئات آلاف هؤلاء الفقراء؟ فورا بدأت معركة من اجل تسويد صورة الضحايا واثارة الشك في مسألة لجوئهم، هي المعركة الاكثر وقاحة من بين المعارك.
كيف يتجرأ هؤلاء الوقحون على التجول في المنفى وأن يظلوا لاجئين؟ لماذا لم تقم الدول العربية بفعل شيء من أجل إنقاذهم؟ جيل ثالث ورابع من اللاجئين؟ ليس هناك شيء كهذا. بأي حق، حيث إن الالمان من السوديت لاند يتم اعادة تأهيلهم بسرعة. اذاً، كيف يتجرأ ابن النصيرات على التذمر؟ اسرائيل، الدولة المزدهرة من بين دول العالم، والتي أنشئت بفضل اموال التبرعات من العالم، تشتكي من احدى المجموعات السكانية المعوزة في العالم وتتهمها بأنها تتظاهر بذلك. ايضا البيض في اميركا وفي جنوب افريقيا اتهموا السود بأنهم يتحملون المسؤولية عن وضعهم. الدولة التي صنعت من الحيونة علامات فارقة في دعايتها تحتج على تضحيات ضحاياها. وفوق ذلك تضيف احتجاجا غريبا: كيف يتجرأ اللاجئون على الحلم بالعودة؟!
هذه لحظة تأسيسية في تاريخ الوقاحة الاسرائيلية. هذه هي اللحظة التي فيها حطمت الدعاية الصهيونية كل الارقام القياسية للوقاحة، العالية اصلا. شعب يؤسس حقوقه في البلاد على ألفي سنة من التطلعات والشوق يحتج ضد شعب آخر من أبناء البلاد مثله طرد على يديه، وبأنه يتجرأ على الاشتياق للعودة خلال سبعين سنة. ألفا عام مسموح لأننا يهود، أما سبعون عام فممنوع لأنهم فلسطينيون.
الفلسطينيون متشوقون، شوقهم هو أمر وراثي، أقوى بدرجة لا تقدر من الاشتياق الذي يشعر به والدي نحو فلسطين. شوقهم لن يتوقف، بالتأكيد ليس بأمر من اسرائيل وأميركا.
عدد منهم يعيشون في ظروف مهينة، ويجب انقاذهم. اسرائيل لا تستطيع في أي يوم أن تتهرب من المسؤولية عن وضعهم. حتى لو سامحت اميركا، و»الاونروا» اغلقت، والحكومة اتخذت قراراً بأنه لا يوجد شعب فلسطيني ولن يكون هناك لاجئون في يوم ما.

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: