آراء

حتى أنت يا سنوار؟!

رجب أبو سرية

2018-08-31

سيظل السؤال الموجه إلى حركة "حماس"، ولا تجد له عندها إجابة، أو أنها لن تجيب عنه أبداً، هو: لماذا تثق بالآخرين، مثل: قطر، تركيا، وحتى مصر، ولا تثق بالسلطة الفلسطينية أو بحركة "فتح"، ولا حتى بالكل الوطني الفلسطيني؟ ثم: لماذا هي كلما وقّعت اتفاقاً مع حركة "فتح"، تراجعت عند التنفيذ، ولعبت مع شقيقتها الوطنية المفترض أنها الشقيق التوأم، لعبة القط والفأر التي أبقت على الانقسام أحد عشر عاماً، بالتمام والكمال، دون أن تنجح محاولات السلطة في إنهائه رغم اتباعها أولاً سياسة "طولة" البال والصبر، وثانياً سياسة الضغط؟
الجواب في الحقيقة سيجده من يهتم بالأمر بين طيات البيانات الأولى للانتفاضة الأولى، حين كانت "حماس" تصر على الانفراد والتفرد وحدها دون الكل الوطني، وسيجده من يريد في تشكيل الحكومة العاشرة، وفي كل حكومات "حماس" بغزة بعد ذلك، والتي خلت جميعها من أي تمثيل لمن هو غير "حماس"، وسيجده أيضاً حتى على أرض غزة، حيث تنفرد "حماس" بكل ما يتعلق بإدارة الحكم من قرارات سياسية، إدارية، وعسكرية، رغم وجود شركاء "المقاومة"، الذين هم فقط قاوموا إن "حماس" قررت المقاومة، والذين هم جنحوا "للسلم والتهدئة" إن جنحت لها "حماس"!
قبل سنوات، حين كانت جوقة مشعل، والزهار، وأبو زهري "تتشدق" بشعارات الممانعة والمقاومة وتعد "حماس" مفردة في التحالف الممانع أو العدو لأميركا وإسرائيل في المنطقة، كانت "حماس" تأخذ على السلطة كونها صاحبة أوسلو، وأنها تسعى لإقامة دولة على جزء من أرض فلسطين التاريخية وليس من البحر إلى النهر، وأنها أحد أطراف تحالف السلام في المنطقة، لكنها اليوم، في ظل قيادة "هنية/السنوار "تتحالف" وتثق بدول متحالفة جداً مع أميركا مثل قطر، أو مرتبطة باتفاقية سلام مع إسرائيل مثل مصر، أو حتى أنها جزء من حلف الناتو مثل تركيا الدولة المسلمة التي لها علاقة مع إسرائيل، أي أنها تستند وتثق بدول ليست ممانعة ولا عدوة لأميركا أو إسرائيل.
أي أن كل ما كانت تقوله "حماس" أو تبرر عبره خلافها مع "فتح" أو السلطة من أنه خلاف أو صراع بين برنامجين، برنامج التسوية وبرنامج المقاومة، لم يكن صحيحاً، بل لم يكن أكثر من ذر للرماد في العيون، فلماذا تصر حتى الآن على عدم الدخول في الإطار الجامع الوطني، م ت ف، وتصر على التفرد بحكم قطاع غزة، وأقصى ما أبدت الاستعداد لتقديمه هو عودة السلطة إلى حكم شكلي للقطاع؟!
السؤال يبقى معلقاً إن ظل ينتظر الإجابة من "حماس"، لكن الإجابة عنه بسيطة وواضحة، وهي أن "حماس" تسعى منذ وجدت لأن تكون بديل "فتح" في القيادة الفلسطينية، وإن كان ذلك يمكن أن يكون طموحاً مشروعاً من خلال اللجوء للوسائل الديمقراطية والسلمية، أي من داخل البيت الفلسطيني، إلا أنه لا يكون مشروعاً، بل يكون قاهراً وقسرياً حين يكون عبر اللجوء للانتخابات في مرة واحدة، أو عبر اللجوء للانقلاب واستخدام القوة العسكرية حتى لو كان البعض يسميها "بالمقاومة"، ولـ"حماس" في ذلك سابقة العام 2007.
في الحقيقة من يجب عليه أن يثبت أنه أهل للثقة هو "حماس" وليس غيرها، فهي منذ نشأت، متأخرة باللحاق بركب المقاومة الوطنية عشرين عاماً، ما بين عامي 67_87، وهي تعلن أنها حركة عقائدية أكثر منها وطنية، وأنها تريد تحقيق أهداف سياسية/سلطوية أكثر مما تريد تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية. وما كل التباينات التي مرت بها من مواقف وتحالفات، ما كانت إلا تكتيكاً سياسياً ونزولاً عند تحولات الإقليم السياسية، لا أكثر ولا أقل.
ولأن لكل شيء نهاية، حتى المشاريع السياسية، فإن "حماس" تقترب الآن من نهاية مشروعها السياسي، حيث انحصرت مطالبها بكسر الحصار عن قطاع غزة، بأي شكل وبأي وسيلة، وبأي ثمن، والثمن غال وخطير جداً على المشروع الوطني، أقله أن يتم استبدال مشروع الدولة الفلسطينية على الأرض المحتلة عام 67، وعاصمتها القدس، مضافاً إليها حق عودة اللاجئين، بمشروع دويلة غزة.
ولعل أسوأ مخرج هو أن "تثق" "حماس" بإسرائيل عبر الوسطاء الآخرين، فتسعى إلى دخول "عش الدبابير" من أسوأ مدخل، وهو المدخل الملتبس، أي المدخل الأمني، حيث أن إسرائيل عادة، وحتى حين عقدت اتفاق أوسلو، ومنذ نشأت تعتبر الملف الأمني أهم ملف في حياتها، لا ترهنه لا لاتفاقيات ولا لأي ضمانات ولا حتى لو كانت أميركية، بل لا يمكنها أن تقبل المغامرة بشأنه ولو كان ذلك بنسبة واحد بالألف، فإسرائيل نشأت مع هاجس أن الخطأ الأمني الأول في حياتها هو الخطأ الأخير، لذا فإن "حماس" لن تحصل على شيء من إسرائيل إلا بعد أن تقدم كل ما يؤكد لإسرائيل من أنها لن تمسها أمنياً بجرح حتى لو كان طفيفاً، أي أن إسرائيل تشترط ضمانة أمنية بنسبة مئة بالمائة، حتى تبدأ في الشروع بمعاجلة أي ملف آخر.
وعبر أحد عشر عاماً، أظهرت إسرائيل لمن يحسن القراءة والكتابة، أنها هي من خططت وأدارت ملف الانقسام، وأنها كلما لمحت اقتراب "حماس" من الرضوخ أو الاستجابة للمطلب الوطني ومن الشروع في تنفيذ استحقاق إنهاء الانقسام، تقدمت لها بجزرة ما، حتى تشجعها على التراجع، وحدث هذا في أكثر من مرة، وحتى حين كانت تشن الحروب على غزة وليس على "حماس"، كانت تعلن أنها لا تسعى إلى إسقاط حكم "حماس"، ولكن لتقليم أظافرها العسكرية، حتى لا تفكر في أن "تخرمش" إسرائيل في يوم ما.
لذا أن تتابع "حماس" سياسة "يا على خاطري أو بحرد" فإما أن يتم إنهاء الانقسام وفق رغبتها وشروطها، أو تذهب لإسرائيل فتلك مشكلة المشاكل، وهذا ما يمكن قراءته في ما قاله رئيس "حماس" بغزة، الذي أظهر قبل عام أنه مختلف فيما يخص ملف المصالحة عن غيره، حين التقى، أول من أمس، كتاباً وإعلاميين من "حماس": إن كسر الحصار سيكون خلال شهرين بهذه الطريقة أو تلك، ما يعني أن "حماس" قد اتخذت قرارها النهائي، خاصة أن بعض أبواقها بدأت تتجرأ علناً بالتبشير للانفصال.
Rajab22@hotmail.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: