آراء

سؤال تعزيز الوجود الغربي في سورية؟!

هاني عوكل

2018-08-31

ثمة تساؤلات كثيرة بشأن التقارير الإخبارية التي تقول: إن الولايات المتحدة الأميركية قد تشنّ ضربة عسكرية على منشآت سورية، كما حصل بالضربة الثانية التي شنّتها في الرابع عشر من نيسان الماضي، بمباركة من الحليفين الفرنسي والبريطاني.
قبل الدخول في الأسباب، أوردت التقارير معلومات عن قيام واشنطن بتعزيز وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، يقابله تعزيز آخر من جانب روسيا التي سبق وأن سحبت جزءاً كبيراً من قواتها بعد أن اطمأنت إلى سير النزاع العسكري الذي يحسب اليوم لصالح القوات الحكومية السورية.
الحديث هنا يدور عن إرسال قطع بحرية عسكرية كبيرة من الجانبين الأميركي والروسي، باستثناء أن موسكو عززت أسطولها البحري قبالة السواحل السورية بعشرة قطع بحرية، بينها غواصتان ومدمرة وصواريخ باليستية، وصف بأنه الوجود العسكري الأكبر من نوعه منذ بداية النزاع وحتى تاريخ إرسال قوات روسية أواخر العام 2015.
السبب الظاهر أو المعلن عنه لتعزيز الوجود العسكري الأميركي يتصل بإفادات عن سعي القوات الحكومية السورية إلى استخدام السلاح الكيماوي في حربها الحالية مع المعارضة التي تسيطر على محافظة إدلب الشمالية آخر معاقلها.
وكذلك الحال بالنسبة لروسيا التي تعيد الاتهام إلى الولايات المتحدة بأنها تستخدم ملف الكيماوي شماعة لتبرير شن ضربة عسكرية تستهدف النظام السوري، ذلك أنها تعتقد بأن المعارضة قد تستخدم الكيماوي ومن ثم ترمي بأصابع الاتهام إلى القوات الحكومية السورية.
خلف هذا السبب المعلن الاستهلاكي والمرغوب عند وسائل الإعلام، أسباب أخرى قد تكون أعمق ومنسجمة مع مسألة تحريك قطع بحرية عسكرية إلى سورية، إذ في حسبة الأميركان أن التلويح بالعصا ضروري للبحث في مستقبل الوجود الإيراني بسورية.
هذا واحد من الأسباب المهمة التي تدفع واشنطن إلى تحريك أسطولها العسكري ومواصلة التأكيد على بقائها في سورية إلى أجل غير مسمى، بالإضافة إلى سبب يتعلق بالرغبة في تحقيق منفعة خاصة لها، تتمثل بالحصول على حصة من قطاع النفط في شرق سورية.
في السابع عشر من كانون الثاني الماضي، تحدث وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تيلرسون عن إستراتيجية بلاده في سورية، إذ لخصها بالبقاء في شرق الأخيرة لمواجهة النفوذ الإيراني والحيلولة دون وجود ممر متصل يربط طهران ببيروت، فضلاً عن منع وجود تنظيمات متطرفة والترحيب بتسوية سياسية دون بشار الأسد.
أكثر ما يمكن تصديقه من إستراتيجية واشنطن هي العقدة الإيرانية وربما أيضاً حصة في قطاع النفط إذا ما جرى الربط مع تمركز القوات الأميركية في المناطق السورية الغنية بالنفط، وبعد ذلك يبقى تفاصيل يمكن المقايضة بشأنها على المستوى الأميركي.
أما في العلاقة الودية بين واشنطن والأكراد السوريين فهي علاقة مصلحة محسوبة ومدروسة، لأن الإدارة الأميركية التي تخلت عن المعارضة المعتدلة في السابق يمكنها أيضاً التخلي عن الأكراد ضمن صفقة تخدم مصالحها، فضلاً عن أنها لن تغامر بقطع العلاقة كلياً مع تركيا العدو اللدود للأكراد.
موضوع التسوية السياسية دون الرئيس الأسد قديم متجدد، وحديثاً صرح وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس بأن بلاده مع إنهاء الملف السوري برحيل الأسد عن السلطة، وهذا الأمر جرى الخوض فيه كثيراً، وليس هناك من مانع لدى الإدارة الأميركية في وجود الرئيس السوري مقابل المساومة على ما تريده من هذا الملف.
بالنسبة لملف الإرهاب ومحاربته فهو غطاء للأميركان من أجل المضي في تحقيق مصالحهم، ولا يكترثون إذا جرى تسوية ملف التنظيمات الإرهابية، الأهم بالنسبة لهم هو الحد الكلي من الخطرين الإيراني و"حزب الله" في سورية وضمان تفوق إسرائيل الإقليمي.
أما الروس فإن تعزيز قواتهم يتعلق أولاً برسالة إلى الأطراف الدولية المؤثرة في النزاع السوري، أن عليها القبول بالأمر الواقع وتفهم تفوق القوات الحكومية السورية وجاهزيتها لبسط السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة.
الرسالة الثانية تتعلق بمسألة القوة والتحوط لسيناريوهات توجيه ضربة غربية إلى منشآت حكومية سورية، إلى جانب موضوع مهم يتعلق بالتأكد من ساعة الحصاد في الملف السوري وضمان حصول موسكو على كل ما تريده من هذا الملف.
تعزيز القوتين الروسية والأميركية مرتبط إلى حد كبير بهذا الفصل الأخير من مسلسل الأزمة السورية، ذلك أن موضوع إدلب بات مسألة وقت انطلاقاً من موقف النظام السوري الذي يهدف إلى السيطرة على هذه المدينة، والموقف الروسي الذي يُسهّل للأول هذه السيطرة.
بعد ذلك أو في إطار معركة إدلب سيفتح باب واسع للحديث عن المسار السياسي، إذ من المتوقع عقد جولة مباحثات روسية- تركية- إيرانية في السابع من شهر أيلول المقبل، يتبعها اجتماع المبعوث الدولي الخاص إلى سورية ستيفان دي مستورا مع هذا الثلاثي.
أيضاً تسعى الأمم المتحدة للعب دور أكبر في تسوية الأزمة السورية بعقد لقاء سباعي يجمع دولاً مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا ومصر والأردن للبحث في آفاق التسوية، على قاعدة أن الأصل في مسار جنيف وليس أستانا أو سوتشي.
الآن سوف نشهد حرب المساومات الكبرى في الملف السوري، علماً أن الأطراف التي لم تنجح في تحقيق مصالحها من وراء العسكرة، ستفعل كل ما بوسعها لتحصيل أهم ما تريده من هذا الملف ضمن المسار السياسي.
سورية مقتربة من مرحلة الخواتيم، لكنها أيضاً مرحلة عض الأصابع والدخول في سباق المصالح الكبرى، وكما يقول المثل: "من يحضر السوق يتسوق"، أي أن الدول الكبرى ستحقق مصالحها وتأخذ ما تريد وأما العرب فحالهم كحال "أنت تريد وأنا أريد والأجنبي يفعل ما يريد".
Hokal79@hotmail.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: