آراء

«اللُقمة» الأميركية و«المَعِدة» الإسرائيلية

عريب الرنتاوي

2018-08-31

أن تتخذ الإدارات الأميركية المتعاقبة مواقف شديدة الانحياز لإسرائيل، فهذا أمر اعتاده الفلسطينيون، ودفعوا أثمانه الباهظة طوال سنوات وعقود على أي حال، وأن يتحول هذا الانحياز من انحياز للدولة/ الكيان، إلى انحياز ليمينها المتطرف في ظل هذه الإدارة، إدارة ترامب، فهذا أمرٌ يجهد الفلسطينيون في هضمه وابتلاعه، والتكيف مع تداعياته شديدة الخطورة والمساس بحقوقهم الأساسية، وأن يحرص الكونغرس الأميركي، على أن يكون صهيونياً أكثر من الكنيست الإسرائيلي، فهذا موقف تكيف معه الفلسطينيون الذين تابعوا عن كثب، كيف تجري عمليات الضغط والابتزاز للمرشحين لعضوية هذا المجلس من قبل جماعات الضغط واللوبي اليهودي هناك.
موسم "الهدايا والمنح" الذي افتتحته إدارة ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها، لا يتوقف على ما يبدو، فالحرب الأميركية على الفلسطينيين مستمرة، قضية "الأونروا" واللاجئين واحدة من فصولها وساحتها، ووقف المساعدات عن السلطة الفلسطينية، فصلٌ آخر جديد يضاف إلى مسلسل لا تنتهي حلقاته من المواقف الاستفزازية والمعادية لطموحات وآمال الشعب الفلسطيني.
الجديد هذه المرة، أن "اللقمة" التي تقدمها واشنطن مجاناً لقادة اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، تبدو عصية على الهضم والابتلاع، وما ورد في تقرير لصحيفة "هآرتس"، ذيّله عاموس هرئيل بتوقيعه يعكس جانباً من هذه الحقيقة، فالصحافي الإسرائيلي المشهور بسعة اطلاعه، لاحظ أن بنيامين نتنياهو لم يبدِ حماسة ظاهرة هذه المرة لقرار إدارة ترامب مطاردة "الأونروا" ووقف تمويلها وقطع المساعدات عن السلطة، وهو – نتنياهو – الذي أقام الدنيا ولم يقعدها عندما تناهت إلى مسامعه أنباء القرار الأميركي الخاص بالقدس والسفارة، ولم يتوقف عن التبجح بأنه صاحب اليد العليا في إقناع ترامب وإدارته بأهمية اتخاذ موقف كهذا.
هرئيل يكشف عن قلق المستوى الأمني الإسرائيلي من قرارات ترامب المتسارعة بخصوص اللاجئين والسلطة و"الأونروا"، خشية من التسبب باندلاع "ثورات جياع" في مخيمات الضفة، وفي القطاع على نحو خاص، وتحدث عن تحذيرات متكررة سبق للأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن قدمتها للمستوى السياسي في إسرائيل، من مغبة الإفراط في إفقار الفلسطينيين وتجويعهم وسد الآفاق والسبل في وجوههم.
لا شك في أن "التقديرات الأمنية" لعواقب قرارات ترامب وسياساته الرعناء الجديدة، بلغت المستوى السياسي الأميركي، إن لم يكن مباشرة، فعبر قنوات التنسيق الأمني المفتوحة بين الحليفتين الاستراتيجيتين، لكن ترامب يبدو في سباق مع الزمن، لاستكمال تنفيذ أجندة "صفقة القرن"، وقد قلنا في مقالة سابقة: إنه سعى في ترجمتها حتى قبل أن يكشف عنها، ونقول اليوم: إنه كلما اشتدت أطواق العزلة حول الرئيس وكلما اقترب "حبل المشنقة" من الالتفاف حول عنق رئاسته، غذّ الخطى لإعطاء إسرائيل، سلفاً ومقدماً، كامل حصتها من "صفقة القرن"، من دون أن تكون مضطرة لدفع أي ثمن من أي نوع في المقابل.
بهذا المعنى يمكن أن نفهم تصريحات نتنياهو في ليتوانيا، والتي استمهل فيها الكشف عن صفقة القرن، ونصح بعدم الاستعجال في إخراجها إلى دائرة الضوء، فكل ما تريده إسرائيل من الصفقة، حصلت عليه، بل وحصلت عليه بسرعة قد تفوق طاقتها على البلع والازدراد، وهذا في ظني، مغزى التحذيرات الصادرة عن دوائر أمنية إسرائيلية، وفقاً لـ"هآرتس".
وبهذا المعنى أيضاً، لا يبقى أي معنى لحديث الرئيس الأميركي قبل عدة أيام، عن حاجة إسرائيل لتقديم "ثمن باهظ" مقابل "الهدية الثمينة" التي تلقتها من إدارته، ويقصد قراره بشأن القدس وحديثه عن إخراجها من جدول أعمال المفاوضات المقبلة؛ إذ إنه على الرغم من أن التحذير كان موجهاً لإسرائيل، إلا أن الإجراءات المتخذة صبيحة اليوم (أمس)، كانت تستهدف السلطة والشعب الفلسطينيين، وتم بالفعل إيقاف مبلغ 223 مليون دولار من التزامات واشنطن بدعم السلطة والمقررة تأسيساً على مسار أوسلو وفي سياق عملية السلام.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: