دفاتر الأيام

عام دراسي جديد مع تقليص النفقات

سما حسن

2018-08-30

توجه الآلاف من طلاب فلسطين إلى المدارس بعد انتهاء الاجازة الصيفية، وانتظم الآلاف من الصغار في الصف الاول الابتدائي لأول مرة في حياتهم، وخرجت الأمهات من نظام الكسل إلى نظام وروتين المدرسة، وبدأت مشوارا أنهيته مع أولادي.
ضحكت مساء أمس وأنا أقول لأولادي: تذهبون للمدارس 12 سنة، وتنتظمون في الجامعات أربع أو خمس سنوات، وكل يوم نستيقظ باكرا ونعد الشطائر ونتعجل الخروج، وننفق المال، ونبيع "اللي فوقنا وتحتنا" حتى تتخرجوا، ثم تعودون إلى النوم في البيت، فلماذا كل هذه الدائرة التي ندور فيها؟
ضحكنا جميعا أمام الحقيقة المريرة، ورغم ذلك فللأجواء المدرسية رونقها، والاستعداد لبدء العام الدراسي له طقوسه المحببة والذي يبدأ بزحمة السير واغلاق الشوارع بالباعة الجائلين الصغار والذين يستغلون هذا الموسم لجلب بعض المال ثم ينتظرون موسما غيره مثل موسم الاعياد ويعانون من الركود والفساد بالنسبة لبضائعهم باقي أيام العام، فيما يكون تزاحم الأقدام على أشده فيظهر أولياء الأمور وهم يشدون الصغار ويتوقفون أمام باعة المراييل المدرسية بالتحديد، وهنا تظهر أجمل لوحات الموسم وهي استباحة الممنوع حيث يتم قياس تلك المراييل في الشارع وعلى مرأى من الآخرين، وتستعد الفتيات الصغيرات لذلك بارتداء ملابس ثقيلة لكي لا يظهر عري أجسامهن الغضة، فيما تتحسب الأمهات بتلك الملابس الثقيلة استعدادا لموسم الشتاء القادم وحيث تضطر الصغيرات للتدثر بملابس ثقيلة تحت المريول المدرسي ويمنع ارتداء اكثر من معطف واحد فوقه ويكون لونه متماشيا مع لون الزي المدرسي.
في هذا العام أصبحت هناك لوحات مكررة لآباء وأمهات ذهبوا إلى أماكن محددة في مدنهم ومخيماتهم، حيث يقومون بتصليح الحقائب والأحذية عند المختصين بهذه الصنعة التي قاربت على الانقراض، ولكن الفقر والحاجة وبطالة اولياء الامور احيت هذه المهنة التي تنشط ويزداد الاقبال على صناعتها مع قرب العام الدراسي الجديد، وحيث يعجز الآباء والامهات عن توفير حقائب واحذية جديدة لأولادهم.
هذه اللوحة مؤلمة لأن فرحة الأطفال بالمدارس لا تعني سوى حقيبة مدرسية جديدة وحذاء لم يتم انتعاله من قبل ويكون لونه متماشيا مع لون الزي المدرسي وغالبا ما يكون هو اللون الاسود، وقد كنا نعتمد الحذاء الأسود لجميع المناسبات ونحرص على أن يبقى نظيفا لامعا بعد زيارة الجدة أو الخروج إلى السوق لكي يحافظ على هيبته في المدرسة ولا يفتح فمه بشكوى لأن قوانين الأسرة لا تسمح للطفل المشاغب بحذاء آخر خلال العام.
السعادة المنقوصة في بيوت الفقراء لها أسبابها، فهناك الأب الذي يتقاضى نصف راتب أو أقل أو الأب الذي يتقاضى راتبا متقطعا وليس كل شهر، أو الأب الذي لا يحصل على دخل من الأساس فهو يقف حائرا حزينا أمام أولاده واستعدادهم للعام الجديد، والأم الشاطرة والمحنكة والتي تستطيع الغزل دون أداة مخصصة للغزل تكون مهمتها جبارة لجبر العام الدراسي بحيث يبدو الاستعداد له عبارة عن شحنة من الطاقة الايجابية لكي ينطلق الأولاد طيلة العام بنشاط وجد واجتهاد.
أمي كانت تثني ذيل مريول المدرسة ثنية عريضة وكانت تقوم بفكها قليلا كل عام حسب طولي والغريب أننا لم نكن أسرة فقيرة على الاطلاق، ولكن كان قماش المريول ذا جودة عالية بحيث لا يهترئ من الشهر الأول من العام الدراسي كما يحدث هذه الأيام، وكانت الخياطة ماهرة بحيث تبقي على عدة سنتيمترات داخلية بحيث تقوم بتوسيعه في العام التالي، أو حتى خلال العام، وكان نمو أجسامنا طبيعيا فلا نكبر بسرعة وننتفخ مثل الدجاج الأبيض أو كما كانت تصفه جدتي "دجاج المزارع" وتتمدد أجسامنا طولا وعرضا ويصبح البحث عن زي مدرسي بمقاسات أجسامنا من المعضلات والمشكلات الكبرى.
كنا ننمو ببطء يتناسب مع احتياطات أمي بالنسبة للزي المدرسي عموما، وأمي امرأة مشغولة لا تحب الأسواق ولا الجلوس أمام الخياطات، وفوق كل هذا كنا أبناء طائعين قانعين، وكان العام الدراسي يحمل فرحة استلام القرطاسية من وكالة الغوث "الأونروا" في المدرسة، وكان ذلك يشغلنا عن المريول والحقيبة والحذاء.
اليوم تشتكي الأونروا من أزماتها الحقيقية أو المفتعلة، وتقلصت خدماتها، وأصبح بدء العام الدراسي في موعده هو أكبر فرحة أو معجزة، والحديث عن بدء العام الدراسي كما كان أصبح مادة دسمة للإعلام، وخلت من البيوت كل مظاهر الفرحة الخارجية والداخلية.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: